الإثنين   
   08 06 2026   
   22 ذو الحجة 1447   
   بيروت 18:32

خاص | لبنان في فخ التفاوض.. عندما يُنقل الفشل العسكري إلى ساحة السياسة

أولاً: من الميدان إلى “الطاولة”: العدو الإسرائيلي يحاول تسييس الفشل العسكري عبر الوصاية

تكشف المرحلة الراهنة من المواجهة، الممتدة منذ تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهر شباط الماضي ، عن تحول نوعي في ديناميات الميدان، حيث أثبتت المقاومة قدرة فائقة على التعافي من الضغوط العسكرية والحرب النفسية التي شنها العدو. فعلى الرغم من تقديرات العدو بقضائه على معظم قدرات حزب الله خلال العامين الماضيين، فاجأت المقاومة العدو باستعادة زمام المبادرة، منتقلةً من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” والتعافي إلى تنفيذ هجمات نوعية استهدفت القوات المتوغلة وعمقه الاستراتيجي، مستخدمةً تكتيكات مرنة تشمل الكمائن النوعية والسيطرة النارية ، هذا ما ورد في تقرير صادر عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير(UFEED) تحت عنوان شهر من المواجهة-مبادرة حزب الله – نيسان 2026 وبالإضافة إلى ذلك، أدى دخول المـُحلّقات الانقضاضية الموجهة بالألياف الضوئية إلى المعركة ليدفع بكيان العدو نحو مأزق استراتيجي جديد لا حلول له في المدى المنظور.

في المقابل، يواجه كيان العدو أزمة بنيوية مركبة تتجاوز في أبعادها حدود التكتيكات العسكرية. إذ أدى طول أمد الحرب وتعدد الجبهات إلى استنزاف غير مسبوق في القوى البشرية، مع بروز أزمة حادة في التجنيد، وتحديداً في ملف إعفاء “الحريديم” الذي تحوّل من قضية تقنية إلى أزمة سياسية داخلية تهدد استقرار الائتلاف الحكومي. هذا الانقسام الاجتماعي والسياسي، الذي تعمق بعد أحداث 7 أكتوبر، كشف عن عجز “جيش الشعب” عن أداء دوره كإطار صهر اجتماعي، في وقت تزايدت فيه مؤشرات التعب والامتناع عن الخدمة في صفوف الاحتياط والجيش النظامي.هذا ما ورد صحيفة تايمز أوف إسرائيل. تحت عنوان “الجيش الإسرائيلي يبدأ بتجنيد 3000 رجل من الحريديم بدءاً من يوم الأحد، على ثلاث دفعات”.

إن التباين بين نموذجين يبدو واضحاً؛ فبينما نجحت المقاومة في بناء نموذج قتالي متكامل يعتمد على التكيف مع الميدان وإدارة الاستنزاف بفعالية ، تصطدم العقيدة العسكرية للعدو -القائمة تاريخياً على “الحسم” و”الردع”- بحدود قدرتها على خوض حروب طويلة. لقد أدّت هذه المواجهة إلى تقويض فرضيات الحسم السريع للاحتلال، لتصبح الأزمة البشرية والجاهزية القتالية داخل الكيان مؤشراً على هشاشة أمنية وعسكرية غير مسبوقة، مما يضع نموذج الكيان برمته أمام اختبار استراتيجي كبير.

أمام هذا المأزق العسكري الذي يتخبط فيه كيان العدو، وفي ظل عجزه الميداني عن فرض شروطه بالقوة، انتقل إلى محاولة التعويض عبر الضغط على الداخل اللبناني وتوظيف السلطة الحاكمة؛ سعياً لانتزاع مكاسب سياسية وأمنية “على الطاولة” لم يتمكن من تحقيقها في ساحات المواجهة والنار.

ثانياً : الميدان مقابل طاولة المفاوضات: لماذا يُمنح للعدو سياسياً ما عجز عنه عسكرياً؟

في دهاليز السياسة، ثمة قاعدة ذهبية يعرفها القاصي والداني: “ما يُنتزع في الميدان يُثبّت على الطاولة”. لكن في التجربة اللبنانية الراهنة، تبدو الأمور مقلوبة رأساً على عقب، إذ يواجه لبنان مشهداً عبثياً حيث يُمنح العدو الإسرائيلي عبر “نصوص الورقة” مكاسبَ عجزت جيوشه، بكل ترسانتها الجوية والتكنولوجية، عن فرضها في ساحات المواجهة على إمتداد الجنوب.

في هذا الإطار يؤكد العميد منير شحادة الخبير العسكري والإستراتيجي لموقع المنار الإلكتروني أن هناك فجوة عميقة بين الفشل الميداني للعدو في تحقيق أهدافه (القضاء على المقاومة أو فرض واقع أمني كامل) وبين ما يحاول تحصيله على طاولة المفاوضات. يرى شحادة أن الاتفاق لا يعكس توازن القوى الحقيقي في الميدان، بل يعكس حجم الضغوط السياسية والدولية، حيث يتم نقل ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه في ساحة القتال إلى ساحة السياسة عبر قيود أمنية وآليات رقابة تفتقر إلى التوازن.

وفي سياق تعقيدات المسار التفاوضي، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ليعكس حجم الهوة بين الطروحات الدولية وبين الحد الأدنى من السيادة الوطنية؛ إذ رفض بري صيغة المقترح التي نُقلت من واشنطن، واصفاً إياها بأنها “مجحفة” و”جائرة” ولا تصلح أساساً لأي تفاهم، مشيراً إلى أن النص قد “فُخّخ” ببنود تفرض قيوداً أحادية على المقاومة، وتطالب بإجلاء عناصرها دون ضمانات حقيقية، وهو ما دفع به للقول إن معظم بنود هذا الاتفاق “الهجين” لا تستحق الذكر؛ إذ حدد بري ثوابت وطنية لضمان عدم الانزلاق نحو “اتفاق إذعان”، تمثلت في التمسك بوقف إطلاق نار شامل وغير مشروط براً وبحراً وجواً، وربط أي انسحاب لحزب الله من جنوب الليطاني بالانسحاب الإسرائيلي المتوازي من الأراضي المحتلة، قاطعاً بذلك الطريق على محاولات فرض ترتيبات أمنية تفرغ السيادة من مضمونها.
وفي حديث لموقع المنار لفت الباحث في العلاقات الدولية الدكتور علي مطر إلى “اختلال مبدأ التبادلية” كأصل للمشكلة؛ حيث يرى أن الاتفاق صُوِّر وكأن أبناء الأرض هم “الاحتلال”، بينما لم يُفرض على العدو أي التزام ملموس. ويوضح أن السلطة اللبنانية والوفد المفاوض وقعوا في فخ القبول بالتزامات قابلة للقياس والرقابة (تجاه لبنان)، مقابل وعود سياسية عامة وفضفاضة (تجاه العدو)، مما أدى إلى تحويل فشل العدو في فرض شروطه ميدانياً إلى مكاسب سياسية وقانونية عبر نصوص الاتفاق.

ثالثاً : خديعة “حرية الحركة”: رخصة رسمية للقتل تحت غطاء دبلوماسي.

تُعدّ “حرية الحركة” التي يطالب بها العدو الإسرائيلي في أي تفاهمات، بدعة قانونية لا تهدف إلا لشرعنة الانتهاكات المستمرة للسيادة اللبنانية، إذ تتجاوز بمفهومها هذا حدود “الدفاع عن النفس” المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؛ ففي حين يُعدّ هذا الحق استثنائياً ومؤقتاً ومشروطاً بوقوع عدوان فعلي، يحاول كيان العدو تحويله إلى “رخصة دائمة” لاستباحة الأجواء والأراضي اللبنانية.

إذا هذا المصطلح، هو ليس سوى غطاء دبلوماسي لاغتيالات محددة وضربات استباقية وتدخلات أحادية، تفرغ الاتفاقات من مضمونها وتجعل من “السيادة اللبنانية” أثراً بعد عين. إن قبول هذه البدعة لا يقتصر على كونه تنازلاً عن الحقوق السيادية، بل يضع المؤسسة العسكرية في “فخ” أن تتحول من حارس للسيادة إلى جهة مطالبة بضبط الميدان وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية؛ وهو ما أكدته المقاربات الاستراتيجية للعميد منير شحادة والدكتور علي مطر، اللذين حذرا من أن غياب مبدأ “التبادلية” في الاتفاق يمنح العدو ما عجز عن تحصيله في ساحة القتال، محولاً إياه من طرفٍ مُلزم بالانسحاب إلى “وصي أمني” يمتلك حق التدخل الدائم تحت ذريعة التهديدات الوشيكة.هذا ما ورد على موقع المفكرة القانونية تحت عنوان “بدعة حرّية الحركة لإسرائيل في لبنان: تشويه لحقّ الدفاع عن النفس”(نور كلزي) بدعة “حرّية الحركة” لإسرائيل في لبنان: تشويه لحقّ الدفاع عن النفس.

في هذا السياق يفكك العميد شحادة هذا المصطلح باعتباره غطاءً دبلوماسياً خطيراً، حيث يعني عملياً منح إسرائيل ضوءاً أخضر للتدخل الأحادي. يؤكد أن هذا البند يشرعن استمرار الطلعات الجوية، الضربات الاستباقية، والاغتيالات تحت عناوين أمنية فضفاضة، مما يجعل “حرية الحركة” أداة لتعطيل السيادة اللبنانية وتحويل التدخل العسكري الإسرائيلي إلى فعل مباح دولياً.

أما الدكتور مطر فيربط هذا المحور بمفهوم “السيادة” المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. يرى أن التدخل الخارجي في الشؤون السيادية اللبنانية –الذي يمنح طرفاً خارجياً أو إسرائيلياً دوراً مقرراً– يتجاوز كونه ترتيباً أمنياً، ليصبح انتهاكاً للقانون الدولي. إن منح “حرية الحركة” في هذا السياق القانوني يعني إعطاء غطاء شرعي لانتهاكات السيادة وتبرير التدخلات العسكرية تحت ذرائع أمنية، مما يفرغ السيادة الوطنية من محتواها القانوني.

رابعاً: المؤسسة العسكرية في مواجهة “فخ التنفيذ”: حارس للسيادة أم أداة للامتثال؟

يجد الجيش اللبناني نفسه اليوم في قلب معادلة صعبة؛ فهو المؤسسة الوطنية الوحيدة التي تحظى بإجماع شعبي كـ “حارس للسيادة”، وفي الوقت ذاته، يواجه “فخ التنفيذ” الناتج عن استسلام بعض المرجعيات السياسية وغياب الاستراتيجية الدفاعية الموحدة. إن هذا الواقع يضع المؤسسة العسكرية أمام تحدي التوفيق بين واجباتها الوطنية في حماية السلم الأهلي، وبين ضغوط الواقع السياسي الذي يحاول دفعها نحو الامتثال لأجندات تخدم الخارج، مما يجعلها المؤسسة الأكثر تعبيراً عن أزمة الدولة اللبنانية ذاتها، فهي تمتلك الشرعية، لكنها تفتقر إلى الغطاء السياسي الكامل لممارسة السيادة المطلقة، وفي طليعتها التصدي للعدوان الإسرائيلي.”

وفي هذا السياق يحدد العميد شحادة خطورة حصر دور الجيش اللبناني في تنفيذ ترتيبات أمنية صارمة، بينما هو لا يملك القدرة الفعلية على منع الاعتداءات الإسرائيلية. يحذر من أن الفخ يكمن في تحويل الجيش إلى جهة مطالبة بضبط الميدان لحماية أمن العدو، دون وجود آلية تجبر إسرائيل على احترام التزاماتها، مما يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة معادلة حساسة بين الالتزام بالاتفاق والحفاظ على دورها الوطني الحامي للسيادة.ويركز الدكتور مطر بدوره على الإشكالية القانونية في طبيعة الآلية التي يُكلَّف بها الجيش أو الدولة اللبنانية. يحذر من أن البيان أو الاتفاق يظهر مدى التدخل الخارجي (الأمريكي) في الشؤون الداخلية، مما يضع المؤسسات اللبنانية في موقع “المنفذ لالتزامات خارجية” بدلاً من كونها صاحبة القرار الوطني النابع من المؤسسات الدستورية، وهو ما يوقعها في “فخ” أن تكون أداة للامتثال لترتيبات أمنية تفتقر للندية.

خامساً : اتفاق “الإذعان” لا “التسوية”: ميزان الالتزامات المختل.

رفض سماحة الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، اتفاق وقف إطلاق النار المعلن بين لبنان والعدو الإسرائيلي، واصفاً إياه بـ”العبثي والمذل والمخزي”، ومؤكداً رفضه جملةً وتفصيلاً لكونه يمثل رؤية أمريكية وصهيونية تهدف إلى إخضاع لبنان لـ”مشروع إسرائيل الكبرى” وإحداث فتنة داخلية فيه. ويرى الأمين العام أن جعل نزع سلاح المقاومة شرطاً للاتفاق يمثل تهديداً وجودياً وإعداماً لقوة لبنان، بينما يعتبر اشتراط إخلاء جنوب الليطاني من عناصر الحزب استسلاماً وهزيمة تكرس أهداف العدو.

إذاً جوهر “الإذعان” في الاتفاق يكمن في غياب التوازن؛ يقول الدكتور مطر، فالاتفاقات المستقرة دولياً تقوم على توازن الحقوق والواجبات. ويرى أن الاتفاق الحالي يكسر هذه القاعدة القانونية، حيث يفرض قيوداً صارمة على لبنان، بينما لا توجد آليات دولية قانونية تُحمل إسرائيل مسؤولية التزاماتها، مما يحول الاتفاق من “تسوية” لحل النزاع إلى “صك إذعان” يكرس موازين قوى غير عادلة.

وفي هذا الإطار يوضح العميد شحادة أن بنود الورقة الأمريكية تفتقر إلى التوازن، حيث تفرض على لبنان التزامات محددة وقسرية ومباشرة، بينما تغيب الالتزامات الإسرائيلية المقابلة أو تأتي بصيغ فضفاضة وغير ملزمة. يخلص إلى أن الاتفاق لا يؤسس لوقف إطلاق نار قائم على الردع المتبادل أو الاحترام المتبادل للسيادة، بل هو “اتفاق إذعان” يكرس الهيمنة الإسرائيلية بغطاء قانوني.

سادساً: المفاوضات المباشرة كمسار للإملاءات: انتقاص السيادة وتحويل الصراع.

تُظهر التجربة التاريخية للدول العربية التي انخرطت في مسارات التطبيع أو المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي فجوة عميقة بين الوعود الأمريكية بالاستقرار والازدهار وبين النتائج الفعلية على الأرض. فعلى الرغم من أن هذه المسارات رُوّج لها بوصفها مدخلاً لتحقيق السيادة، والأمن، والنمو الاقتصادي، إلا أن الوقائع التاريخية في حالات مصر، وفلسطين، والأردن، والسودان، وصولاً إلى اتفاقيات إبراهام، تؤكد أن الدور الأمريكي لم يتجاوز كونه أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يضمن حماية التفوق الإسرائيلي وتكريس التبعية الأمنية والاقتصادية للدول العربية. وبدلاً من أن توفر هذه الاتفاقيات مظلة حماية حقيقية أو إنهاءً للعدوان، تحولت في كثير من الأحيان إلى قيود سيادية أو إطارات لإدارة الصراع بما يخدم أجندات الاحتلال، مما يعزز القراءة النقدية التي ترى في الوساطة الأمريكية انحيازاً بنيوياً يفتقر إلى الحياد، ويحول الدولة من “صاحبة قرار” إلى طرف مقيد بمتطلبات “أمننة” تخدم في جوهرها المصالح الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي.

في هذا الإطار ينتقد العميد شحادة هذا المسار التفاوضي الذي تحولت فيه السلطة اللبنانية، في تقديره، إلى أداة لتمرير إملاءات تهدف إلى نقل الصراع من الحدود إلى الداخل اللبناني. يرى أن هذا المسار لا يهدف فقط إلى تنظيم الهدوء، بل إلى فرض وصاية أجنبية عبر تقييد حرية لبنان في حماية نفسه، محذراً من أن قبول هذه الإملاءات هو انتقاص مباشر من السيادة الوطنية اللبنانية.

أما الدكتور مطر فيرى أن خطورة أداء السلطة في هذا المسار لا تقتصر على نصوص الاتفاق فحسب، بل تمتد لتشمل “طبيعة الآلية” المعتمدة في التفاوض؛ إذ يعتبر أن الانخراط في هذا المسار يمثل مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية، نظراً لتحول القرارات السيادية إلى “إملاءات” تفرضها أطراف خارجية. كما يربط مطر بين هذا التوجه ومفهوم “الردع الاستراتيجي”، مؤكداً أن الردع في جوهره هو فعل سياسي لا قانوني، وأن تبني السلطة لهذه المقاربة التفاوضية يضعف الموقف القانوني للبنان في المحافل الدولية ويجرده من أوراق قوته الاستراتيجية.

سابعاً:”اتفاق الذل” ومشروع التفكيك الداخلي: الاستهداف الوجودي للمقاومة وبيئتها.

تُظهر القراءة التحليلية للمسار التفاوضي الراهن أننا لا نقف أمام عملية ديبلوماسية تقليدية تهدف إلى إنهاء النزاع وإرساء السلام، بل أمام محاولة استراتيجية لإعادة هيكلة الواقع اللبناني وتكييفه وفق المصالح الأمنية للعدو الإسرائيلي تحت غطاء دولي ومحلي. إن عجز العدو عن فرض شروطه ميدانياً، ووقوعه في مأزق بنيوي ناتج عن الاستنزاف الميداني والانقسام الداخلي، دفعه إلى “تسييس فشله” عبر طاولة المفاوضات، محاولاً انتزاع مكاسب أمنية وسياسية لم يعجز عنها فحسب، بل استعصت على ترسانته العسكرية.

وفي هذا السياق، يفكك العميد منير شحادة بنود المقترح الأمريكي، كاشفاً عن “فخ” استراتيجي لا يقتصر على كونه ترتيباً أمنياً، بل يتجاوزه ليصبح غطاءً لـ “حرية حركة” تمنح إسرائيل رخصة دائمة للتدخل العسكري والضربات الاستباقية تحت مسميات أمنية فضفاضة، مما يفرغ السيادة اللبنانية من مضمونها ويحول المؤسسة العسكرية، التي يراهن عليها اللبنانيون كحارس للسيادة، إلى جهة مُطالبة بضبط الميدان لحماية أمن العدو دون ضمانات فعلية. ويتكامل هذا التحليل مع الرؤية القانونية للدكتور علي مطر، الذي يصف الاتفاق بأنه “صك إذعان” يكسر أبسط قواعد القانون الدولي؛ إذ يفتقر إلى مبدأ التبادلية، ويفرض قيوداً صارمة على لبنان تتجاوز النصوص لتصل إلى انتهاك الدستور عبر سياسات العزل المناطقية، التي تندرج –وفق توصيفه– تحت فئة “العقاب الجماعي” المحظور بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

إن استحضار التجربة التاريخية للوساطة الأمريكية في المنطقة –من اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو وصولاً إلى اتفاقيات إبراهام– يؤكد نمطاً متكرراً من الوعود الفضفاضة التي لم تحقق للدول العربية استقلالاً أو استقراراً، بل أفضت غالباً إلى تكريس التبعية الأمنية والاقتصادية للرؤية الأمريكية-الإسرائيلية. وبناءً عليه، يخلص هذا البحث إلى أن المسار التفاوضي الراهن ليس تسوية لحل النزاع، بل هو عملية “أمننة” للسيادة اللبنانية، تهدف إلى نقل الصراع من الحدود إلى الداخل، وتجريد المقاومة من عناصر قوتها التي فرضت معادلة الردع. إن جوهر الأزمة اليوم يكمن في محاولة السلطة التفاوض عبر آليات تفتقر للندية، مما يوقعها في فخ الامتثال لإملاءات تهدف إلى تحقيق “استسلام سياسي” للعدو بعدما عجز عن تحقيقه في ميادين المواجهة، وهو ما يجعل من هذا الاتفاق “خارطة طريق” لتفكيك عناصر القوة الوطنية بدلاً من أن يكون جسراً لحمايتها.

المصدر: موقع المنار