دائماً ما يبحث الأمريكي عن مفاوض واحد له حيثيّة معيّنة، ينساق للاغراءات التي يضعها له، أو يخضع للضغوط التي يفرضها، من أجل تمرير الصفقات، وهذا ما رأيناه في كلّ دول المنطقة. لكنّ في الزواريب الدستوريّة اللبنانيّة الأمر معقّد جدّاً، بدءاً بالميثاقية اللبنانية، ومروراً بإتفاق الطائف وتوزيع سلطة القرار الخارجي على عدّة جهات منها رئيسي الجمهوريّة والحكومة، ومجلس الوزراء، والمجلس النيابي.
إنّ أخطر ما يمرّ به لبنان، ليس الحرب بل بالنّصوص المكتوبة المستوردة، حيث إنّ الاعتماد على صيغ جاهزة لإتفاقات يعتبر ضرباً للسيادة اللبنانيّة في الصّميم، لأنّ السيادة دعست تحت الأقدام وراء كواليس المفاوضات في واشنطن.
دائماً ما تأتي مصالح القوى العظمى على حساب الدول الصغيرة حيث تعتبر فريسة سهلة، بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية النصّ ليس مقدساً بل هو أداة تستعمل لتحقيق مصالحها، وهذا ما جرى عند توقيع الاتفاق النووي الايراني في عهد باراك أوباما، ومن ثمّ جاء دونالد ترمب وانسحب من الاتفاق، فكيف الحال بالنسبة لاطار إتفاق تشوبه مغالطات وشوائب كثيرة تهدّد مصلحة الدولة اللبنانية. لهذا السبب يقع لبنان في فخ يؤدّي إلى تهديد الاستقرار، عندما يتعامل مع النصوص الأمريكية بحسن نية قانونية، بينما تعامل الادارة الأمريكية هذه النصوص كأداة تقضم تدريجيا السيادة اللبنانيّة.
إن وضع الحبر على المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية لم يكن يوماً مجرد إجراء شكلي في بلد مثل لبنان، حيث التوازن الطائفي هش جدا. وراء الكواليس الدبلوماسية، يستخدم مصطلح “الاتفاقيات المبسطة” غالبا لتجاوز الرقابة الشرعيّة، وخداعاً لوعي الرأي العام. لكن عندما يتعلق الأمر باتفاقيات حاسمة تحدد الحدود أو الموارد أو تشمل ترتيبات أمنية مع عدو تاريخي مثل إسرائيل برعاية واشنطن، تنهار كل الحجج التقنية؛ فالأمر يصبح مسألة سيادة مطلقة تتطلب بوضوح موافقة برلمانية صريحة مسبقة.
فقد نصّت المادة 52 من الدستور اللبناني بأنّ: “يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. اما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة, فلا يمكن ابرامها الا بعد موافقة مجلس النواب”. تحت ضغط الولايات المتحدة وبعض الدول، تمّ الحديث عن “إتفاق إطار” وذلك هرباً من رقابة البرلمان اللبناني. إلاّ أنّ “إتفاق الإطار” الّذي تمّ توقيعه في واشنطن من الناحية الدستورية والفقهيّة أيضاً يجب أنّ يتم أخذ موافقة المجلس النيابي مسبقاً.
وأمّا المادة (65) من الدستور فقد جعلت المعاهدات الدوليّة من المواضيع الأساسيّة الّتي تشترط موافقة ثلثيّ أعضاء الحكومة. وبالتالي فإنّ الشرعيّة الدوليّة لأيّ إتفاق بين الدول يجب أنّ يمرّ من خلال الشرعيّة المحليّة، وطالما أنّ لبنان يعتبر إسرائيل عدواً فإنّ الاتفاق حبراً على ورق، ويعرّض من وقّعه ومن فوّضه إلى المحاكمة بسبب الخيانة العظمى لخيانة نصوص الدستور اللبناني. وبالتالي نصوص هذا الاتفاق ولدت ميتة، إلاّ أنّها ستنتج نزاعاً مستمراً، فالدستور اللبناني ليس فقط النّصوص المكتوبة بل الأعراف الدستوريّة، ومنها الميثاقيّة الّتي تولّدت بين بشارة الخوري ورياض الصّلح.
لذلك جاءت الميثاقيّة لتكمّل العقد الاجتماعي اللبناني من أجل تحقيق استقرار استراتيجي. ووفقاً لمل نصّت عليه الفقرة ( ي) من مقدمة الدستور اللبناني، فإنّ: “لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. وهذا يعني أنّ السّلطة الّتي وقّعت إتفاق الإطار شرعيتها القانونيّة والأخلاقيّة والسياسيّة على المحك.
ومن ثمّ الركيزة الأساسيّة هو قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955، وبالتالي أيّ إتفاق مهما كانت التسمية التي تطلق عليه، ويتضمن أي اعتراف مبطن أو تنسيقاً أمنياً مباشراً أو تهيئة لأي عمل تجاري مع العدو الإسرائيلي يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً لعلّة مخالفة النظام العام اللبناني، وهذا يعني لا يمكن للسلطة التنفيذيّة أنّ تبرّر ذلك بأي وسيلة كانت لتمرير إتفاقيات مبطّنة مع العدو.
تمثّل النّصوص الدستوريّة وما يتعبها من أعراف وكذلك الميثاق الوطني الرّكيزة الأساسيّة لاستعمال حقّ النقض بوجه أيّ إتفاق لا يراعي المصلحة الوطنيّة العليا ويحافظ على الأمن القومي اللبناني، لذلك يبقى إتفاق الإطار نصوص مستوردة من الغرباء عاهة تشوّه السيادة الوطنيّة، وتبقى حبراً على ورق.
المصدر: موقع المنار
