تطورت عقيدة الأمن القومي للكيان الإسرائيلي عبر خمس فترات تاريخية رئيسية، انتقلت خلالها من التركيز على الوجود المادي والدفاع عن المستوطنات إلى استراتيجيات معقدة تشمل الردع التكنولوجي والحروب متعددة الساحات.
في مرحلة ما قبل قيام الكيان، لم تكن هناك عقيدة مكتوبة رسميًا، بل استندت إلى أفكار قادة صهاينة من بينهم زئيف جابوتنسكي وموشيه بيلينسون. وتمحور المبدأ الأساسي حول فكرة بناء وتكريس «الجدار الحديدي»، بهدف إيصال الخصم الفلسطيني إلى حالة من اليأس من القدرة على كسر إرادة المجتمع اليهودي، بما يدفعه في نهاية المطاف إلى قبول وجوده. وكان الهدف الاستراتيجي في تلك المرحلة الدفاع عن التجمعات الاستيطانية اليهودية والتمسك بالأرض المحتلة.
بعد قيام الكيان المؤقت عام 1948، قاد ديفيد بن غوريون هذه المرحلة، وصاغ «وثيقة النقاط الثماني عشرة» للعقيدة العسكرية التي أُقرت عام 1953، وهي العقيدة الوحيدة التي نالت موافقة حكومية رسمية. وارتكزت مبادئها الرئيسية على الاعتماد على جيش احتياط، ونقل المعركة بسرعة إلى أرض العدو بسبب نقص العمق الاستراتيجي، والسعي إلى تحقيق تفوق نوعي بشري وتكنولوجي. وتمثل الهدف المركزي في تحقيق النصر بأي ثمن لضمان بقاء الكيان وانتزاع الاعتراف به في محيط معادٍ.
أما الفترة الثالثة، فبدأت عام 1967 عقب حرب الأيام الستة وتوسيع الحدود، ما منح الكيان المؤقت عمقًا جغرافيًا للمرة الأولى. في هذه المرحلة تبلور ما عُرف بـ«المثلث الأمني» القائم على مفاهيم الردع والإنذار المبكر والحسم العملياتي. وامتدت هذه الحقبة نحو 15 عامًا حتى عام 1982، وشهدت تصاعد الاعتماد الصهيوني على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي بعد حرب 1973، إضافة إلى بدء التعامل مع التهديدات النووية في المنطقة، ولا سيما قصف مفاعل مفاعل أوزيريك العراقي عام 1981.
بعد عام 1982، ومع اجتياح لبنان واحتلال عاصمته وبروز المقاومة اللبنانية، تغيّرت طبيعة الصراع من مواجهة جيوش نظامية إلى مواجهة منظمات، أبرزها حزب الله، ولاحقًا بعد خمسة أعوام حركتا حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. ومنذ عام 1992 أصبحت الجبهة الداخلية «جبهة إضافية» مستهدفة بالصواريخ، بالتزامن مع تصاعد كبير في حجم ونوع عمليات المقاومة في لبنان، ما أدى في نهاية المطاف إلى الانسحاب من لبنان عام 2000، ومن غزة عام 2005.
وسبق الانسحاب من غزة بعام واحد، أي في عام 2004، صدور تقرير لجنة مريدور (الأولى) الذي أعاد تعديل العقيدة العسكرية، وحدث مفهومي الردع والحسم ليشملا «القدرة على تحمل الصراعات الطويلة» بدلًا من الاكتفاء بالحروب الخاطفة. وأصبحت الاستراتيجية المنبثقة من العقيدة المحدثة ترتكز على الدفاع الجوي، والعمليات الاستباقية، ومحاولة الحفاظ على «تآكل الردع» عبر جولات قتال متكررة.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2003 و2025، اعتمد العدو ست خطط تشغيلية هي: «كيلع» (2003–2006)، «تيفين» (2008–2012)، «عوز» (2012–2014)، «جدعون» (2015–2019)، «تنوفا» (2020–2023)، و«معالوت» (2023–2025). وتميزت هذه المرحلة بتطور الصراعات غير المتماثلة، ما أفضى إلى إضافة مفهوم «الدفاع» كعنصر رابع إلى المثلث الأمني التقليدي لمواجهة تهديدات الصواريخ.
وفي الخطة قبل الأخيرة «تنوفا»، جرى التركيز على النيران الدقيقة بعيدة المدى بدلًا من المناورات البرية الواسعة، مع توسيع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. أما الخطتان اللتان سبقتا خطة «هوشان» (2026–2030)، فهما «تنوفا» (الزخم) بقيادة أفيف كوخافي و«معالوت» بقيادة هيرتسي هليفي. وتميزت الخطتان بمحاولة تحديث الجيش تكنولوجيًا، إلا أنهما واجهتا تحديات سياسية وعملياتية أدت إلى أزمات عميقة في القوى البشرية ومفهوم الردع.
للاطلاع على كامل الدراسة، اضغط هنا.
المصدر: مركز الاتحاد للابحاث والتطوير
