الأحد   
   25 01 2026   
   5 شعبان 1447   
   بيروت 14:01

من عصبة الأمم إلى مجلس السلام.. هل تؤذن واشنطن بولادة نظام دولي جديد؟

ليست فكرة “مجلس السلام” التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرد مبادرة إجرائية لإدارة أزمة بعينها، بل تبدو في جوهرها محاولة لإعادة التفكير في بنية النظام الدولي ذاته، وفي آليات إدارة النزاعات وتوزيع الأعباء بين القوى الكبرى. ولعل السؤال الأعمق الذي تثيره هذه المبادرة ليس ما إذا كانت قابلة للتطبيق، بل ما إذا كانت تعكس لحظة انتقال تاريخية تشبه تلك التي شهدها العالم عند الانتقال من عصبة الأمم إلى مجلس الأمن.

عندما تأسست عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى، كانت تعبيرًا عن طموح أخلاقي لإدارة السلام عبر التوافق الجماعي. لكنها انهارت أمام واقع القوة، وفشلت في منع حرب عالمية ثانية. بعدها وُلد مجلس الأمن بوصفه صيغة أكثر واقعية، تعترف بتفاوت القوة عبر حق النقض، وتؤسس لنظام دولي تقوده القوى المنتصرة وتتحمّل مسؤولية حفظ الاستقرار العالمي.

اليوم، وبعد ثمانية عقود تقريبًا، يبرز “مجلس السلام” كفكرة توحي بأن تلك الصيغة نفسها باتت موضع مراجعة. فهل نحن أمام نهاية مرحلة مجلس الأمن بوصفه العمود الفقري للنظام الدولي، وبداية تصور جديد لإدارة العالم؟

من زاوية أولى، يمكن قراءة هذا المجلس بوصفه انعكاسًا لأزمة الثقة المتراكمة في المؤسسات الدولية التقليدية. مجلس الأمن أصبح في كثير من الأحيان ساحة شلل سياسي، حيث يعطّل الفيتو القرارات، وتتحول الشرعية الدولية إلى رهينة التوازنات الكبرى. في هذا السياق، يظهر “مجلس السلام” كمحاولة للالتفاف على الجمود المؤسسي عبر إطار أكثر مرونة وأقل خضوعًا للتعقيدات القانونية.

لكن القراءة الأهم تكمن في البعد المالي والسياسي للفكرة. فواشنطن، التي تحمّلت لعقود العبء الأكبر من تمويل عمليات حفظ السلام وإعادة الإعمار والتدخلات الدولية، تبدو اليوم أقل استعدادًا للاستمرار في هذا الدور دون شراكة مالية واضحة. هنا يصبح “مجلس السلام” ليس مجرد هيئة سياسية، بل آلية لإعادة توزيع تكلفة النظام الدولي نفسه.

إذا كان مجلس الأمن قد تأسس على قاعدة أن القوى الكبرى تتحمّل المسؤولية مقابل النفوذ، فإن مجلس السلام المقترح يقوم على معادلة مختلفة: النفوذ مقابل التمويل المباشر. فالمشاركة فيه مشروطة بالمساهمة المالية، ما يعني أن الشرعية لم تعد تُبنى فقط على القوة العسكرية أو المكانة السياسية، بل على القدرة على الدفع.

هذا التحول يعكس تغيرًا عميقًا في المزاج الأميركي. فبدل أن تكون الولايات المتحدة “شرطي العالم” الذي يمول الاستقرار العالمي من خزينته، تسعى إلى نموذج يقوم على تقاسم الأعباء، أو ربما على تحويل الاستقرار نفسه إلى مشروع استثماري متعدد الأطراف. إنه انتقال من منطق القيادة المجانية إلى منطق الشراكة المدفوعة.

لكن هل يعني ذلك أننا أمام نهاية النظام الدولي القائم؟ ربما ليس بعد، لكنه بلا شك مؤشر على بداية مرحلة انتقالية. فالنظام الدولي لا ينهار فجأة، بل يتآكل تدريجيًا حتى تظهر بدائل جزئية تتحول لاحقًا إلى قواعد عامة. ومجلس السلام، حتى لو بقي محدود التأثير في بداياته، قد يشكّل سابقة تؤسس لمنطق جديد في إدارة النزاعات.

التحدي الأكبر يكمن في السؤال الأخلاقي والسياسي: هل يمكن لنظام دولي يُدار وفق قاعدة “من يدفع يقرر” أن يكون أكثر عدالة؟ أم أنه سيحوّل السلام إلى سلعة تخضع لمنطق السوق؟ هنا تتقاطع البراغماتية الأميركية مع مخاوف دول الجنوب، التي ترى في هذا النموذج خطرًا على مفهوم المساواة السيادية الذي قامت عليه الأمم المتحدة.

في المحصلة، لا يمكن فهم “مجلس السلام” كحدث منفصل، بل كحلقة في سلسلة تطور طويل للنظام الدولي. من عصبة الأمم التي حلمت بالسلام، إلى مجلس الأمن الذي نظّم القوة، وصولًا إلى مجلس السلام الذي يسعى إلى إدارة التكلفة. إنها ليست نهاية النظام العالمي، لكنها قد تكون بداية إعادة تعريفه، حيث لم تعد القوة وحدها معيار النفوذ، بل القدرة على تمويل الاستقرار وصياغة شروطه.

أ.محمد ترحيني
دراسات عليا في العلوم السياسية
ماجستير في العلاقات الدولية
متخصص في أمن الطاقة ونظم إدارة الجودة

المصدر: موقع المنار