السبت   
   24 01 2026   
   4 شعبان 1447   
   بيروت 17:29

بين الحرب والقوة.. من كلاوزفيتز إلى جوزيف ناي في التجربة الأميركية

منذ قرون، شكّلت الحرب والقوة محور التفكير في العلاقات الدولية، لكن الخلط بين المفهومين لا يزال قائمًا حتى اليوم. هذا الخلط لا يعود فقط إلى الاستخدام الإعلامي، بل إلى تصور شائع مفاده أن القوة لا تتحقق إلا عبر الحرب. غير أن الفكر السياسي والاستراتيجي، من كلاوزفيتز إلى جوزيف ناي، يقدّم قراءة مختلفة تمامًا، تؤكد أن الحرب ليست ذروة القوة بل قد تكون دليلًا على فشلها.

يُعد المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز من أوائل من وضعوا إطارًا نظريًا لفهم الحرب، حين عرّفها بأنها «استمرار للسياسة بوسائل أخرى». هذا التعريف غالبًا ما يُساء فهمه، إذ لا يعني تمجيد الحرب، بل على العكس، يؤكد أن الحرب أداة استثنائية تُستخدم عندما تعجز السياسة عن تحقيق أهدافها بوسائل أقل كلفة. بهذا المعنى، الحرب ليست تعبيرًا طبيعيًا عن القوة، بل انقطاع في المسار السياسي الطبيعي.

في المقابل، ركز مفكرو المدرسة الواقعية، وعلى رأسهم هانز مورغنثاو، على مفهوم القوة بوصفه جوهر العلاقات الدولية. بالنسبة لمورغنثاو، القوة لا تقتصر على القدرات العسكرية، بل تشمل الاقتصاد، النفوذ الدبلوماسي، الشرعية، والقدرة على التأثير في سلوك الدول الأخرى. الحرب هنا ليست سوى إحدى أدوات القوة، وغالبًا ما تكون الأداة الأكثر خطورة والأقل ضمانًا للنتائج.

هذا التمييز النظري يجد أوضح تجلياته في الفكر الأميركي الحديث، خصوصًا مع المفكر جوزيف ناي، الذي قدّم مفهوم القوة الناعمة في مقابل القوة الصلبة. فالقوة الصلبة تشير إلى القدرة على الإكراه، سواء عبر القوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بينما تقوم القوة الناعمة على الجاذبية: القيم، الثقافة، النموذج السياسي، والتحالفات.

في التجربة الأميركية، يتضح الفرق بين الحرب والقوة بشكل صارخ. فالولايات المتحدة، باعتبارها القوة الأعظم منذ نهاية الحرب الباردة، لم تعتمد فقط على تفوقها العسكري، بل على مزيج معقد من القوة الصلبة والناعمة. نفوذها العالمي لم يكن قائمًا فقط على القواعد العسكرية، بل على الدولار، الجامعات، الشركات التكنولوجية، الثقافة، والمؤسسات الدولية التي ساهمت في بنائها.

لكن حين لجأت الولايات المتحدة إلى الحرب، كما في فيتنام أو العراق، ظهرت حدود القوة الصلبة. التفوق العسكري لم يترجم بالضرورة إلى انتصار سياسي مستدام، بل أدّى في كثير من الأحيان إلى استنزاف الموارد، وتراجع الصورة الدولية، وتآكل القوة الناعمة الأميركية. هذه التجارب تؤكد طرح جوزيف ناي بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق النفوذ، وأن الإفراط في استخدامها قد يقوّض عناصر القوة الأخرى.

في المقابل، حين استخدمت واشنطن أدوات القوة دون حرب، كما في إدارة النظام المالي العالمي، قيادة التحالفات، أو فرض قواعد التجارة الدولية، حققت نفوذًا أعمق وأطول أمدًا. هنا، تعمل القوة بوظيفتها الأساسية: التأثير في سلوك الآخرين دون اللجوء إلى العنف. وهذا يوضح أن القوة الحقيقية هي القدرة على تجنب الحرب مع الحفاظ على المصالح.

الحرب، في هذا السياق، تصبح مؤشرًا على اختلال إدارة القوة. فالدولة التي تضطر إلى القتال قد تكون قوية عسكريًا، لكنها فشلت في تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي، أو في استخدام أدوات الردع والإقناع بشكل فعال. لذلك، فإن كثيرًا من الحروب الحديثة لا تعكس فائض قوة، بل أزمة في توظيف القوة.

خلاصة القول، من كلاوزفيتز إلى مورغنثاو وصولًا إلى جوزيف ناي، يتضح أن الحرب ليست مرادفًا للقوة، بل إحدى أدواتها وأكثرها خطورة. التجربة الأميركية تؤكد أن القوة الناعمة، حين تُدار بذكاء، قد تكون أكثر فاعلية من الحرب، وأن الجمع المتوازن بين القوة الصلبة والناعمة هو ما يصنع النفوذ الحقيقي في النظام الدولي. في عالم اليوم، قد تكون القدرة على تجنب الحرب، لا خوضها، هي التعبير الأوضح عن القوة.

أ.محمد ترحيني

دراسات عليا في العلوم السياسية

ماجستير في العلاقات الدولية

دبلوم في الفيزياء

المصدر: موقع المنار