الأربعاء   
   14 10 2026   
   2 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 10:20

تحقيق لصحيفة فايننشال تايمز تحت عنوان “أنصار الله” يكشفون حدود قدرات الترسانة العسكرية السعودية الضخمة


تكشف الصحيفة أنّ مشكلة الدفاع السعودية لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق العسكري أو امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة، بل بتطور تكتيكات الحوثيين، واستنزاف الذخائر الاعتراضية، واتساع نطاق الأهداف المطلوب حمايتها، وصعوبة تحديد منصات الإطلاق المتحركة وتدميرها. وتزيد هذه التحديات مع استمرار تهديدات إيران شرقاً وانصار الله جنوباً.

استخدم انصار الله، وفق مصدر أُطلع على تفاصيل الهجمات، مسيّرات بعيدة المدى يُعتقد أنها من طرازي «صماد-2» أو «صماد-3» لاستكشاف نطاقات تغطية منظومات الاعتراض السعودية. ثم استخدموا صواريخ كروز، ربما تكون مشتقة من الصاروخ الإيراني «قدس-4»، تطير على ارتفاعات منخفضة ويمكنها تغيير مسارها، ما يصعّب اكتشافها واعتراضها. ووصف المصدر نتائج هذه العمليات بأنها مزيج من التخطيط والحظ، دون تقديم بيانات فنية تؤكد هوية جميع الأسلحة المستخدمة.

التقييم العملياتي الأهم قدمه ساشا بروخمان، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والمقيم في البحرين، الذي يرى أن انصار الله يعتمدون استراتيجية لاستنزاف التغطية الدفاعية السعودية عبر تشتيت بطاريات الاعتراض. وتقوم هذه الاستراتيجية، بحسب تفسيره، على مهاجمة هدف مهم بصورة متكررة لعدة أيام، حتى تضطر السعودية إلى نقل منظومات دفاعية محدودة العدد نحوه، ثم مراقبة المواقع التي سُحبت منها هذه المنظومات تمهيداً لاستهداف منشآت حيوية أخرى أصبحت أقل حماية.

يعتبر بروخمان أن الهجمات اليمنية الموزعة جغرافياً تستهدف إضعاف كثافة الدفاعات الجوية السعودية وإجبارها على الحركة المستمرة، وليس مجرد إصابة كل موقع يُطلق نحوه صاروخ أو مسيّرة. ويقدم هذا التقييم تفسيراً للهجمات المتتابعة على المطارات والمنشآت النفطية والمدن، في ظل اضطرار المملكة إلى تأمين شبكة واسعة من الأهداف الاستراتيجية.

يرى بلال صعب، المدير الإداري البارز في مؤسسة «تريندز» والباحث المشارك في «تشاتام هاوس»، أن الإخفاقات الأخيرة ترتبط قبل كل شيء بتكتيكات انصار الله ومشكلات التنسيق بين منظومات الدفاع الصاروخي السعودية. ويؤكد أن الدفاع الجوي الكامل غير ممكن، وأن تسرب بعض المقذوفات متوقع حتى مع امتلاك أنظمة متقدمة. لكنه يشدد على ضرورة إدراج المطارات المدنية، وليس منشآت الطاقة وحدها، ضمن الأهداف التي تحظى بأعلى أولويات الحماية.

يقدم التقرير تقييماً مغايراً لفكرة افتقار القوات السعودية إلى الخبرة أو الكفاءة. فقد قال ديفيد دي روش، الأستاذ في معهد «ثاير مارشال»، الذي سبق أن أشرف على برامج تعليمية لكبار قادة الدفاع الجوي السعودي، إن هؤلاء القادة يتمتعون بكفاءة عالية جداً. ويرى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في افتقارهم إلى المعرفة العسكرية، بل في تطور تكتيكات انصار الله والتحديات الجديدة المرتبطة بوسائل الاختراق والاستنزاف.

تكشف الصحيفة أن انصار الله استفادوا من سنوات القتال ضد السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة لتطوير فهم أكثر دقة لمواطن القوة والضعف في الرادارات والمنظومات الاعتراضية الغربية.

يشير التقرير إلى أن انصار الله استفادوا أيضاً من الدروس التي استخلصتها إيران وحلفاؤها خلال المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما فيها الهجمات الصاروخية على القواعد والمنشآت الحيوية في الخليج.

المنظومة السعودية لا تقتصر على بطاريات «باتريوت» و«ثاد»، وإنما تشمل صواريخ أرض–جو، ومسيّرات اعتراضية، وشبكات رادار، ومعدات حرب إلكترونية، إضافة إلى منظومة صينية لمكافحة المسيّرات تُسمى «سكاي شيلد»، تستخدم سلاح ليزر مرتبطاً بالألياف الضوئية وفق وصف التقرير. ومع ذلك، لم تمنع هذه الطبقات الدفاعية المتعددة استمرار اختراق المقذوفات الحوثية لبعض الأهداف الحيوية.

يحدد التقرير نقص الصواريخ الاعتراضية باعتباره أحد أبرز القيود على الدفاعات السعودية. فمنذ فبراير استهلكت دول الخليج أعداداً كبيرة من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» في التصدي للهجمات الإيرانية، ما تسبب في ضغوط شديدة على المخزونات الإقليمية.

يضيف ديفيد دي روش أن السعودية باتت مضطرة إلى الاستعداد لهجمات تأتي من اتجاهين مختلفين: إيران شرقاً وانصار الله جنوباً. واعتبر أن هذه المعادلة تجبر المملكة عملياً على تقسيم قواتها الدفاعية بين الجبهتين، ما يقلل كثافة التغطية المتاحة لأي اتجاه. وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب اتساع الأراضي السعودية وتباعد المنشآت النفطية والمطارات والمدن والقواعد العسكرية.

المصدر: فايننشال تايمز