الإثنين   
   12 10 2026   
   30 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 02:03

اليمن | الضربات اليمنية تكشف قصور الدفاعات السعودية رغم الإنفاق العسكري الضخم

تكشف الضربات المتواصلة التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية عن حدود قدرة السعودية على حماية منشآتها الحيوية، رغم المبالغ الطائلة التي أنفقتها لشراء الأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة.

ويتجاوز أثر هذه الهجمات الخسائر المباشرة إلى الضغط على صورة المملكة بوصفها واحة للاستقرار، وعلى مشاريعها الرامية إلى تحويل الرياض إلى مركز للسياحة والأعمال والفعاليات الدولية.

وشهد مطار الرياض، السبت، أعنف هجوم تتعرض له السعودية منذ أكثر من عقد، وأسفر عن مقتل 12 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين، ما دفع بعثات دبلوماسية إلى تحذير رعاياها من التوجه إلى المطار.

وأبرزت الضربات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة أوجه قصور في التصدي للهجمات المتعاقبة، حتى مع نجاح الدفاعات السعودية في اعتراض بعضها.

وتشكّل هذه الهجمات ضغطًا متزايدًا على منظومات الدفاع الجوي، مع احتمال استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، في وقت تشير تقارير إلى نقص عالمي في هذه الذخائر.

وبينما اعترضت القوات السعودية صواريخ ومسيّرات في مناطق مختلفة، تمكّنت أخرى من اختراق الدفاعات وإصابة أهدافها، ومنها مطار الرياض ومنشآت نفطية.

ويُظهر حجم الأراضي السعودية وتوزّع منشآتها صعوبة توفير حماية شاملة ومتواصلة. فالمملكة تمتد على مساحة تقارب 2,2 مليون كيلومتر مربع، فيما يقع مطار الملك خالد الدولي، أحد أكبر مطارات العالم من حيث المساحة، على بعد نحو 35 كيلومترًا من وسط الرياض، ويمتد على مساحة 225 كيلومترًا مربعًا.

ويرى أندرياس كريغ، من شركة «مينا أناليتيكا» المتخصصة في تحليل المخاطر ومقرها لندن، أن المنظومة الدفاعية متعددة الطبقات، التي تجمع بين «باتريوت» و«ثاد» والطائرات المقاتلة وأجهزة الاستشعار الأخرى، لا تستطيع توفير مظلة منيعة بالكامل فوق دولة بحجم السعودية.

ومع محدودية قدراتها في مجال الصناعات العسكرية، أنفقت السعودية مبالغ ضخمة لاستيراد أحدث الأسلحة والتقنيات الدفاعية، واعتمدت تاريخيًا على أعداد كبيرة من الكوادر الأجنبية والمتعاقدين والمدربين لدعم قواتها العسكرية.

وأصبحت صفقات شراء الأسلحة الكبرى من الشركات الغربية، ولا سيما الأمريكية والبريطانية والفرنسية، سمة بارزة في السياسة الدفاعية السعودية، إلى جانب استخدامها أداةً دبلوماسية لتعزيز العلاقات مع الحلفاء. لكن حجم الإنفاق والتنوع التقني لم يمنعا وصول بعض الضربات إلى أهداف ذات أهمية استراتيجية.

ويكمن أحد عناصر الضغط في اختلاف متطلبات النجاح بين الطرفين؛ فالدفاعات السعودية مطالبة باعتراض الهجمات باستمرار، بينما لا تحتاج القوات المسلحة اليمنية إلى اختراقها في كل مرة لتحقيق أهدافها، بل يكفي أن تصيب هدفًا من حين إلى آخر.

ويعتبر كريغ أن تكرار الضربات على مطار الرياض يُظهر احتفاظ القوات المسلحة اليمنية بالقدرة على تنفيذ هجمات متعاقبة ضد أهداف تقع ضمن نطاق استراتيجي، رغم اعتراض عدد كبير من الهجمات الواردة.

ويرى المحلل الأمني في جامعة أوتاوا، توماس جونو، أن القوات المسلحة اليمنية تسعى إلى «تغيير قواعد اللعبة»، عبر الرد على استهداف الطائرات الحربية السعودية مطار صنعاء الخاضع لسيطرتها، وفرض معادلة تقوم على إلحاق الضرر بالسعودية على نحو مماثل لما تتعرض له.

وفي قراءة جونو، تسعى القوات المسلحة اليمنية، إلى نقل كلفة المواجهة إلى الداخل السعودي، بدل بقائها محصورة داخل اليمن.

ويمتلك الجانب اليمني عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين والمتمرسين، الذين راكموا خبرات قتالية واسعة في تضاريس اليمن الجبلية الوعرة، وتبرز «أنصار الله» طرفًا رئيسيًا فيه.

وقد شكّلت الصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية لسنوات تهديدًا لدول الخليج، قبل أن تمتد الهجمات في الآونة الأخيرة إلى الكيان الإسرائيلي.

وبحسب جونو، تحمل الضربات على البنية التحتية الحيوية السعودية رسالة مفادها أن «ثمن السلام مستمر في الارتفاع»، في إشارة إلى الآمال المعقودة على التوصل إلى تسوية نهائية للحرب في اليمن. ويصف هذا المسار بأنه «كارثة حقيقية» للسعودية، التي تحاول منذ سنوات الخروج من الحرب.

وتكتسب الضربات على مطار الرياض أهمية تتجاوز دوره في النقل الجوي، إذ يشكّل ركنًا أساسيًا من رؤية السعودية 2030 التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، والهادفة إلى تحويل العاصمة إلى مركز رئيسي للسياحة والشركات متعددة الجنسيات والفعاليات الدولية.

ويرى كريغ أن القوات المسلحة اليمنية تدرك هذه الأهمية، ولذلك فإن تعطيل المطار، حتى إن لم يؤثر في القدرات العسكرية السعودية، يفرض أعباء اقتصادية ونفسية تتجاوز حجم الأضرار المادية المباشرة.

وجاء هجوم السبت عشية انطلاق موسم المؤتمرات والفعاليات الترفيهية البارزة في المملكة، وباكورته افتتاح مؤتمر الطاقة العالمي في الرياض، الأحد، ما وضع حركة السفر المرتبطة بهذه الأنشطة أمام اضطراب أمني مباشر.

وإلى جانب أوجه القصور الدفاعية، كشفت التطورات عن إشكالية في إدارة المعلومات والتحذيرات. فقد كانت السلطات السعودية تُبلغ المواطنين أحيانًا، عبر رسائل نصية، بالهجمات الوشيكة، لكن هذه التحذيرات توقفت في الآونة الأخيرة، ما ترك كثيرين في حالة من القلق والترقب.

وأعربت بعثات دبلوماسية، السبت، عن استيائها من عدم تلقي إحاطات منتظمة من المسؤولين السعوديين، فيما نصحت سفارات عدة رعاياها بتجنب التوجه إلى مطار الرياض قبل ساعات من إصدار السلطات السعودية أول بيان رسمي بشأن الهجوم.

وبذلك، تضع الهجمات المتكررة السعودية أمام اختبار يتجاوز امتلاك الأسلحة إلى فعالية الحماية واستدامة الاعتراض وإدارة التداعيات.

ومع استهداف منشآت ترتبط برهاناتها الاقتصادية، تتسع كلفة المواجهة لتشمل الثقة بالاستقرار، وانتظام حركة السفر، وقدرة الرياض على حماية موقعها بوصفها وجهة للأعمال والسياحة والفعاليات الدولية.

المصدر: وكالة يونيوز