الأربعاء   
   07 10 2026   
   25 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 11:08

طوفان الأقصى وفلسطين والأمن الإقليمي والدولي

رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد

عودٌ على بدء… كان الهدف الأساس لمُنفِّذي عملية طوفان الأقصى إحداث تحوّل في منهجية التعاطي الدولي والإقليمي مع مُعاناة الشعب الفلسطيني المُتفاقِمة، بسبب استمرار الاحتلال الصهيوني وممارساته الإرهابية والعنصرية، وإصراره على اقتلاع أصحاب الأرض من وطنهم من أجل تثبيت احتلاله وتوسيع مساحة كيانه الغاصب.

تلك العملية المشروعة والمُبرَّرة وفق كل المقاييس القانونية والحقوقية والإنسانية، كان وقعها صادماً على الكيان الصهيوني وداعميه أو مستخدميه الدوليين، وعلى رأسهم أميركا ودول الغرب الأوروبي عموماً.
أمّا دول المنطقة العربية، فما أثار مخاوفها ليس دقّة العملية وجرأتها وأهدافها، إنما وقوعها خارج سياق منهجية التطبيع المُعتمدة، والتي قاربت الاعتراف العلني الصريح بشرعية الاحتلال والكيان الصهيوني، وإعلان الصلح معه وفق الترويج لما سُمّي بحلّ الدولتين، وهو في الحقيقة إذعانٌ مُتذاكٍ لإرادة الاحتلال وكيانه والدول الداعمة له، وتصفيةٌ نهائية للقضية الفلسطينية التي تحوّلت برأي أنظمة تلك الدول إلى عبء عليها وعلى شعوب المنطقة وعلى الأمن والاستقرار الدوليَّيْن.
وغالباً ما كانت تتذرّع أنظمة هذه الدول بالكلفة اليومية العالية التي يتكبّدها الشعب الفلسطيني، ومعه شعوب ودول العالم العربي والإسلامي، جرّاء الإصرار على التحرير والتمسّك بالهوية الفلسطينية.

ولذلك كان مُرتكز الحكم والقياس عندها، هو كلفة وأعباء العمل المقاوم والخسائر التي يتسبّب بها نتيجة ردّة فعل الاحتلال. ثم تأتي بعد ذلك معزوفة «التعقّل» و«الحكمة» و«الصبر الإيجابي» والرهان على الدبلوماسية الناشطة وتحسين العلاقات مع الدول الراعية والداعمة للكيان الصهيوني المُحتلّ.

وهذا المنطق أخذ يتنامى منذ زمن بعيد، لكنّ التمادي في اعتماده أخذ دوره منذ جرى توقيع اتفاقية أوسلو، وابتلاع الطرف الفلسطيني صنّارة ما سُمّي «الحلّ السلمي». وقد تمّ التوقيع على ذلك في أوسلو عام 1993.
وعلى مدى ثلاثين عاماً، لم يزدد الاحتلال الصهيوني إلّا تعنّتاً ومُراهنةً على تطويع إرادة حكام المنطقة وأنظمتها، تارة بالإجراءات المتلاحقة المُناقِضة لمضمون اتفاق أوسلو حتى، وطوراً بالاعتداءات التي عادة ما كان يموّهها بوجود تهديدات ضد الكيان.
حركة الاستيطان تنامت بفجور، عدد الأسرى الفلسطينيين وصل إلى أكثر من 13 ألف أسير وأسيرة، الاعتداءات شبه يومية، والحساب مفتوح دائماً تحت عنوان التصدّي للتهديدات، فيما الأخطر من ذلك كله هو تغافل الأمم المتحدة عن الانتهاكات الصهيونية المتكرّرة، وصمت المجتمع الدولي عموماً عن ذلك، ورعونة أداء الأنظمة الحاكمة في المنطقة وتشرذم مواقفها والاتجاه الذي فكّك تضامنها تحت مُسمّى «هذا البلد أولاً» و«ذاك البلد أولاً»، بينما واقع الحال كان يؤكّد أن لا هذا ولا ذاك أولاً… بل الإذعان وخدمة مشروع الاحتلال والتعايش معه ومصالحته كان كلُّ ذلك هو الهمّ الأول والأخير.

غضبة الأنظمة على طوفان الأقصى، سببها العميق والحقيقي هو عزف الشعب الفلسطيني خارج سيمفونية السلام العربي الإسرائيلي الموهوم.
والأنكى من ذلك أن تلك الغضبة جرت ترجمتها عملياً بإطلاق يد العالم الغربي كله لتأديب الشعب الفلسطيني والجهة المقاومة التي نفّذت الطوفان، من دون اكتراث حتى للإبادة الجماعية التي قام بتنفيذها، وبدم بارد، الكيان الصهيوني تحت مظلة غياب الأمم المتحدة، وصمت الدول، وتواطؤ الأنظمة الإقليمية، وكأنّ المطلوب كان رفع كلفة الفاتورة حتى لا تقوم للمقاومة في فلسطين قائمة بعد ذلك.

اليوم، ورغم كل ما حلّ بغزّة من دمار وإزالة معالم، ورغم كل ما أصاب أهلها الأبطال من تشرّد وتنكيل، فإن قضية فلسطين استعر حضورها الشعبي والسياسي على المستوى الدولي والإقليمي، والكيان الصهيوني تحوّل إلى كيان منبوذ، أو على الأقل فإن 77 مُمثِّل دولة يغادرون قاعة هيئة الأمم المتحدة إذا ما اعتلى منبرها رئيس حكومة هذا الكيان الإبادي العنصري المُطارَد من أعلى محكمة جنائية دولية في العالم. إضافة إلى ذلك، فإن الاستقرار الأمني والسياسي لكيانِ العدو الصهيوني مُهدّد على الدوام بالهشاشة والتقلّب تبعاً للردع الداعم من أميركا والغرب، أي بمعنى آخر بات الردع الصهيوني مكشوفاً ومفضوحاً بأنه ليس ردعاً ذاتياً، بقدر ما هو ردع مُستعار ومُتوقّف على تطابق المصالح في ظرف مُعيّن.

أمّا الفضيحة الكبرى التي رفع الستارة عن مسرحها طوفان الأقصى فهو نفاق النظام العربي المُتواطِئ جملةً وتفصيلاً مع أكابر النظام الدولي الغربي الذي يحرص على فرض سطوته وهيمنته على المنطقة ليسرق ثرواتها ويستثمر ما في باطنها، وما حباها الله من ممرات مائية استراتيجية، كشفت الحرب العدوانية الأميركية الصهيونية على إيران أهميتها الدولية على الصعيد المالي والنفطي والاقتصادي، كما كشفت أن مصير ومُستقبل المنطقة يتقرّران في ضوء موازين القوى التي سترسمها نتائج هذه الحرب، سواء في الميدان أو عبر التفاوض، فضلاً عمّا أثبتته الوقائع بأن إيران رقم صعب لا يُمكن لا لأميركا ولا للكيان الصهيوني وتحالفاته أن يتجاوزوا مصالحها ودائرة نفوذها ودورها في ترسيم الأمن الإقليمي والاستقرار في المنطقة والعالم.

المصدر: بيان