عامان من عمر المقاومة انقضيا، وكأنهما الدهر، لما حملاه من مواجع وتحدّيات. وكأن القَدَرَ قد خصّ أهلنا المؤمنين ومسار مقاومتهم بدورة مكثفةٍ من التأهيل الخاص، يتناسب مع دورهم المأمول في ملاحقة الظلم والظالمين والفساد والمفسدين
رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد
عامان من عمر المقاومة انقضيا، وكأنهما الدهر، لما حملاه من مواجع وتحدّيات. وكأن القَدَرَ قد خصّ أهلنا المؤمنين ومسار مقاومتهم بدورة مكثفةٍ من التأهيل الخاص، يتناسب مع دورهم المأمول في ملاحقة الظلم والظالمين والفساد والمفسدين والاحتلالات والمحتلين وغصب الحقوق والغاصبين. وهو دورٌ صعب مستصعب، لا يقدر عليه «إلا مَلَكٌ مقرَّب أو نبيّ مرسل، أو رجل امتحن الله قلبه بالإيمان»، كما ورد في كلامٍ لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
عامان من العُسر انطويا على يُسرٍ مرتقبٍ مأمول ينبلج فجره بفعل الصبر والثبات والتضحيات. وفي اعتقادنا أن اليُسر لا ينتظر انتهاء العسر، بل يواكبه متحيِّناً اللحظة المؤاتية لتسطير صفحة وقائع جديدة، تخطّها إرادة الإنسان المؤمن بربّه والمتوكّل عليه والملتزم بضوابط سننه الإلهية المؤدّية إلى التغيير والتطوير للفرد وللمجتمع نحو الأكمل والأزكى.
هكذا هي دورة الحياة لدى المؤمنين الذين يرون ما لا يرى الناس.
عامان انقضيا، وسيد المقاومة يواكب من عليائه فعلَ الأعداء، وصنع المقاومين، وكيدَ المتآمرين وحالَ المستضعفين المستهدفين من شعبنا المؤمن والعظيم.
عامان انقضيا بعد الاستشهاد، ارتسم خلالهما مساران متناقضان يتعاركان في واقع البلاد والمنطقة، وتتصادم رؤية كل منهما مع الآخر لصياغة الحاضر والمستقبل.
أحدهما: مسار إذعانٍ لقوى التسلّط والطاغوت ووكلائهما، وقد تَعِبَ روّاد هذا المسار وفريقهم من «أوهام» السيادة والاستقلال الوطني والقومي وأحلام العزّة والحريّة والكرامة الإنسانيّة، ويئسوا حدّ الازدراء والنفور من دعوات الصمود والثبات والانخراط في فعاليات الرفض للذلّ والدعم للمقاومة ومشروعها وأبطالها، ومن الرهان – كما يدّعون – على دورها وقدراتها القاصرة أو غير المتماثلة مع قدرات الأعداء والمحتلين، وخبرات اللصوص الدوليين ومروّجي الخداع والنفاق، بدءاً من زيف الاحتكام إلى القانون الدولي وصولاً إلى الكذب والتدليس بمَرثيِّةِ حقوق الإنسان.
ووصل بهم الزيغ حدّ استهواء مفاهيم المتسلّطين الناهبين في الغرب الاستعماري، والمروّجين لنزعة الأنانية والفرديّة الإلغائية، وللعنصرية المتوحّشة الحاضنة للرفاه القومي الخاص على حساب بقيّة شعوب العالم وسكان الأرض.
لقد استزلّ الشيطان رواد هذا المسار وفريقهم، فأسقطهم في هاوية الإنكار والتبرؤ من أصولهم ومفاهيم الوطنية والكرامة وارتضوا لأنفسهم أن يصيروا خدماً للأوصياء والأدعياء ومشاريعهم.
أمّا المسار الآخر، فهو مسار المؤمنين بالله، المتمسّكين بانتمائهم وهويتهم الوطنية وإرادتهم الحرّة وكرامتهم الإنسانية، مع ما يستوجبه ذلك كلُّه من همّة عالية وتحمّل للمسؤولية ورصّ للصفوف وصلابة في مواجهة الأعداء الذين يتوسلون القوّة المفرطة لفرض خياراتهم على الشعوب والدول، ومصادرة الأوطان والثروات، والتحكم في أنماط العيش والسلوك.
هذا المسار، يصعب أن يثبتَ فيه، وأن يواصل السير في خطواته ومقاصده، غيرُ أهل الإيمان الحقيقي بالله وبالكرامة الإنسانية، والمستعدّين للتضحية بالنفس وبكل ما لديهم ومما يحبّون، في سبيل إحقاق الحقّ وإقامة العدل ودفع الظلم عن المستضعفين من الناس.
هؤلاء ليسوا لوحدهم، وإنما يحوطهم ويحتضنهم أهل الشرف والإباء من عامة الناس، الذين يتشاركون مع أبنائهم المقاومين القناعة والإيمان بالأصول والمبادئ التحررية، التي لا ينهض مجتمع إنساني ولا وطن ولا أمّة إلا بالتزامها والثبات عليها والإخلاص في الدفاع عنها.
شهيدنا الأسمى
عامان انقضيا، وجرحنا لمّا يندمل.
والوطن اليوم لا يزال مَرمَى لسهام الصهاينة الغزاة المحتلّين، ولصليات الناكثين المتواطئين، ولتفاهات ونزق الانتهازيين المتسلّقين.
أمّا أهلك، والمقاومون إخوانك وأبناؤك، فهم على عهدك بهم، أشرف الناس وأكرم الناس وأطهر الناس وأوفى الناس، ملتزمون نهجك في الثبات والصمود، رافضون قطعاً للتخاذل والاستسلام، لا يضرُّهم نأيُ السلطة بنفسها وحواشيها، عن تحمّل المسؤولية الوطنية لتحرير الأرض وإدانة المعتدين وردعهم.
ولا يضيرُهُم نعيقُ البُومِ المتواصل عبر أثيرِ مرئياتٍ مدفوعةِ الثمن والأجر، لترويج الإحباط وتثبيط الهمم ونفث الأحقاد وبثّ المخاوف والشكوك، والتحريض على الفصل والإلغاء، وإثارة الفتن وتبرير جرم التعامل مع العدو وممارسة كل أشكال اللؤم الدفين.
ورغم ذلك كله، ففي ذكرى استشهادك وعروجك نحو مقام الخلود والفوز بالرضوان الإلهي والنعيم، نزُفُّكَ عَزمَنا على مواصلة الالتزام بنهج الولاية والمقاومة لأعداء الدين والوطن والإنسانية حتى التحرير والنصر، لا يداخلنا في ذلك وهمٌ ولا تساورنا أحلام، بل نبثُك يقيننا بأن التزام نهج الولاية والشهادة هو التزامٌ بمعادلة لا يتحقق بموجبها إلا النصر والرضوان.
الاحتلال لن يستقرّ في بلادنا، وسيندحر حتماً بفعل مقاومة أبنائك وإخوانك وأهلك الأحرار الشرفاء، الذين لم يَنَل العدو من عزيمتهم، ولم يَلوِ ذراعَهُم ولا عَزمَهُم ألمُ فراقٍ للأحبّة، ولا تعبُ نزوحٍ ولا ضَنَكُ تشرُّدٍ وتهجير، وإِنْ عزَّ عليهم تواطؤ بعض أهل السلطة والشراكة في الوطن، مع الغزاة المحتلين والأوصياء المنتدبين من طواغيت محور الاستبداد الأميركي والغربي الراعي والداعم والحاضن لنهج الإبادة والظلم والعدوان في المنطقة والعالم.
في ذكراك يا سيد المقاومة وشهيدنا الأسمى، نُنبئكَ أن أولويتنا لمّا تزل وستبقى: دحر الاحتلال ورفض الإذعان، وحماية السيادة الوطنية وصون السلم الأهلي في وطننا، ونصرة قضايا الحق والعدل، وسنبقى مَوجَ البحر الهادر الذي حرّكه فينا الإمام المُغيَّب السيد موسى الصدر أعاده الله ورفيقيه.
عامان من العُسر انطويا على يُسرٍ مرتقبٍ مأمول ينبلج فجره بفعل الصبر والثبات والتضحيات
وسنبقى توهُّجَ الثورة التحررية التي أطلقها الإمام الخميني قدس سره، وسنبقى الصمَّام المحرِّك لمحور المقاومة الذي نهضنا به مع كل أطياف المقاومين الشرفاء في منطقتنا، بتأييد ودعم وعناية الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي أعلى الله مقامه، وسنبقى الأمناء على وصيّة قادتنا الشهداء: الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي، والإخوة الجهاديين الكبار رضوان الله عليهم جميعاً.
وسنبقى يا شهيدنا الأسمى حَمَلَة لوائك الخفّاق لنصرة الحق ودحر المعتدين ومواجهة الظلم وإقامة العدل، نؤدّي بذلك واجبنا الشرعي والأخلاقي وقسطنا من الوفاء والولاء والجهاد في سبيل رفعة الإنسان والوطن، ونشر والتزام القيم الرسالية؛ نفخر بدعمنا لقضية الأمّة المركزية، قضية فلسطين المشروعة والعادلة، ولمقاومة شعبها المظلوم والمضطهد، ونعتبر أنّ ما قمنا به من إسناد لغزّة ولأهلها، هو واجب إنساني وأخلاقي ووقفة تضامنية شريفة ضدّ الصهاينة المحتلّين المرتكبين لأبشع جريمة إبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية في العالم وتشكّل وصمة عار لهم ولكلّ من دعمهم لارتكابها أو التزم الصمت إزاءها.
وسيشهد العالم كله، والمستضعفون من شعوبه على وجه الخصوص، أن حزب الله في لبنان، لم يُهزَم ولن ينهَزِم، وأنه كنجمة البحر كلما بُتر منها ضِلعٌ، نما مكانه من هو أهلٌ لمواصلة تحمّل المسؤولية والقيام بالواجب وتنفيذ المهمات وتقويم الأداء وتحقيق الأهداف.
وها نحن اليوم، نتابع مع أحرار العالم كيف تتصدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحرب العدوانية التي فرضتها عليها الإدارة الأميركية المجرمة، بالشراكة مع الكيان الإرهابي الصهيوني، ظلماً واستبداداً، بهدف إلغاء ومصادرة إرادة الشعب الإيراني الجسور، وإرغامه على تبديل خياراته السياسية والوطنية.
وإذ يقوم كلُّ من هو في محور المقاومة بما عليه، فإن الرهان على كسر شوكة العدوان وإفشال أهدافه وإثبات الوجود والقدرة على رفض تسلُّطه وسياساته، هو رهان واقعي يستند إلى تقييم دقيق للمجريات، ومعرفةٍ بمرتكزات القوة ونقاط الضعف ونوعية ومنهج الأداء والبدائل المتوافرة لدى الطرفين.
لقد كشفت مذكرة التفاهم التي وقَّعها الطرفان الأميركي والإيراني لإنهاء الحرب، عن أوضاع الإدارة الأميركية وإرباكاتها، والمعادلات الفاعلة في أدائها، وهو ما سهّل على إيران اختيار السبل الناجعة والمؤثرة لإحراز النجاحات، رغم كل محاولات التذاكي الأميركي المُخجل، ومناورات التفلُّت والمكابرة التي أسهمت في تهشيم وفضح الزيف الحضاري والطلاء التمويهي المستخدم لإخفاء العفن الداخلي، ونزعات الإجرام والعنصرية والتنكر لحقوق الإنسان، والاستخدام الاستنسابي المريب للقانون الدولي ولمؤسساته ومنظماته.
أما الشراكة الصهيونية الإسرائيلية في العدوان على إيران وشعبها، والتجرؤ على قتل المرشد الأعلى والإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي قدس الله سره، فلن تمرّ لدى الإيرانيين دون محاسبة وعقاب.
ومن يعرف المتبنّيات وقواعد التفكير المعتمدة لدى قيادة ومسؤولي الجمهورية الإسلامية، فله أن يجزم بحتمية الثأر المشروع من العدو الصهيوني المتوحّش على ما ارتكبه في هذه الجريمة المُنكَرَة والمدانة، وما أتبعها من اعتداءاتٍ وقصفٍ عشوائي ضدّ المنشآت والأهالي في إيران، فضلاً عمّا ارتكبه في فلسطين، وغزّة خصوصاً، من إبادة بشرية لم يشهد التاريخ نظيراً لوحشيتها.
إضافة إلى ما ارتكبه العدو الصهيوني في لبنان وما يزال، من أفعال جرميّة وانتهاكات سافرة للقانون الدولي وللحقوق الإنسانية، بدءاً من جرم الإصرار على الاحتلال، ثم إلى تمدّده وتوسّعه رغم إقرار اتفاق 27/11/2024 لوقف العدوان، مروراً بموجة الاغتيالات ومذبحة البيجر وتدمير المؤسسات وتشريد الأهالي وهدم البيوت وتجريف الأراضي وإزالة الحدود والمعالم، وصولاً إلى سوق السلطة في لبنان لتوقيع صك الاستسلام والإذعان، وتفويض المحتل لمواصلة احتلاله وتهديده للبنانيين وللسيادة الوطنية، حتى القضاء على حزب الله وإنهاء الوجود والسلاح المقاوم.
إن الحساب الإيراني للعدو الصهيوني على هذه الارتكابات أمرٌ لا مفرّ منه، ولذلك فإن المنطقة ستشهد في القادم من الزمن مصاديق هذا الحساب.
سيِّد المقاومة الأعزّ،
لطالما جَهِدتَ وسَعَيتَ لفكّ قبضة الاستكبار الأميركي عن منطقتنا وليس عن لبنان فحسب، ولطالما دعوت لإخراج القوات الأجنبية الأميركية وقواعدها العسكرية من بلداننا في منطقة غرب آسيا.
إنّ مصلحة شعوب المنطقة تكمن بالتأكيد في تحرّرها وانفكاك ارتباط دولها بشبكة النفوذ الأميركي والتحالف الاستعماري الصهيوني، فيما مصلحة الأعداء تكمن في تثبيت وتعزيز تسلّطهم وهيمنتهم على شعوب ودول المنطقة، ودعم توسّع الكيان الصهيوني نحو إقامة «إسرائيل الكبرى» التي سيعتمدها الاستكبار عموماً بقيادة أميركا، ثكنةً متقدّمةً للعدوان على المنطقة، «غبّ الطلب»، وحارساً بل ذراعاً لحماية مصالح الغرب الاستكباري ومشاريعه.
وإنّ الحرب العدوانية التي بدأت تظهر نُذُرُها تباعاً، وفي حال أصرّ الأميركيون وحلفاؤهم وأدواتهم على تسعير نارها، سيتوقف على نتائجها ترسيم مستقبل منطقة غرب آسيا والتوازنات الحاكمة فيها ولها، كما ستحسم مستقبل القواعد الأميركية في دول المنطقة بقاءً أو إجلاءً.
وبطبيعة الحال سيتوقف على صمود إيران أساساً بوجه إعصار هذه الحرب، مستقبل الصراع ضد العدو الصهيوني وكيانه وأطماعه التوسّعيّة، وآفاق نضال وفعالية محور المقاومة وحركة التحرّر عموماً، ضد نفوذ قوى الهيمنة والتّسلّط الاستكباري ومرتكزاتها في المنطقة.
الحديث عنك يا سيدنا ورائد مقاومتنا الأسمى، هو حديث يمسُّ أيضاً شريكك وعضدك والأمين العام السريع اللحاقِ بك من بعدك، الشهيد القائد السيد هاشم صفي الدين قدس سره، الذي رافقك في كل جهدك وقيادتك، وتوزّع معك المهمات الخاصّة والمتابعات الهادفة إلى بناء وتعزيز فعالية المجتمع المقاوم، على مختلف الصُعُد الثقافية والتعبوية والكشفية والاجتماعية والتربوية والمهنية والصحية والإنمائية، وعلى صعيد المراكز التخصصية والمؤسسات الفاعلة والراسخة الحضور والأثر.
وما كان ذلك ليكون لولا صدق التزام سماحته وشديد حبّه لشعبه في مختلف مناطق لبنان، بدءاً من الجنوب والضاحية، مروراً ببيروت والجبل، وصولاً إلى البقاع وبعلبك الهرمل وبلاد جبيل وكسروان والشمال وعكار.
هي ورشة إنماء متواصل كان يتولى إدارة مخططها وتَوَزُّعِها ويواكب سيرها ونتائجها معتمداً على إخواننا المعنيين العاملين بجدٍ وإخلاص في مختلف الوحدات والمناطق والقطاعات.
نشهد في ذكراك، أنكما كنتما معاً تتشاركان وبقية إخوانكما في قيادة الحزب المقاوم، الرؤية والمشاريع والمسار ومواجهة الصعاب والتحديات، وإنجاز المهمات وتوزُّع المسؤوليات.
ولقد سَبَقْتَ، بل سبَقتُما، ونِلتُما تباعاً، وسام حفظ الوصية والتزام الولاية، ووسام الشهادة في سبيل الله. ولنا من بعدكما في سماحة الأخ العزيز والأمين العام المؤتمن الشيخ نعيم قاسم، حفظه الله، وبقية الإخوة القياديين الأعزاء في شورى ومسيرة حزب الله والمقاومة الإسلامية، كل الثقة والإخلاص والوفاء والعزم على النهوض بكل موجبات إنجاز التكليف الشرعي والأخلاقي والوطني، حتى يأذن الله لنا ولشعبنا بالنصر العزيز، ويمنّ علينا بحسن العاقبة وقبول الأعمال.
المصدر: جريدة الاخبار
