الإثنين   
   24 08 2026   
   11 ربيع الأول 1448   
   بيروت 15:37

مضيق هرمز وأسعار النفط.. هل تستطيع البدائل احتواء الصدمة؟

تكمن أهمية مضيق هرمز من كونه أحد أبرز الممرات البحرية في سوق الطاقة العالمية. إذ كان يعبره بمتوسط نحو 20,9 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الأزمة الأخيرة وإغلاق المضيق، وهو ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي للنفط.

لا تكمن مشكلة إغلاق المضيق فقط بمجرد تعطّل هذه الكمية، بل بما يمكن أن ينعكس سلبًا على أسعار النفط، أسعار السلع والخدمات وعلى الاقتصاد العالمي ككل. ولا يقتصر الأمر أيضًا على تعطيل حركة الملاحة فقط، بل ينتقل الأمر إلى الانخفاض الفعلي في إنتاج النفط في الخليج، لأنه بمجرد امتلاء منشآت التخزين المحلية في الخليج لن يكون أمام المنتجين خيار سوى إغلاق آبار النفط إذا تعذّر تخزين النفط أو تصديره، ولهذا السبب لجأت العديد من الدول المنتجة كالعراق أو الكويت إلى خفض الإنتاج في أوائل آذار 2026.

وعلى الرغم من التأثير الذي سيحظى به إغلاق المضيق على الاقتصاد ككل، إلا أن التأثير الأول والمباشر بطبيعة الحال سيكون على أسعار نفط البرنت أو WTI. إذ ارتفعت أسعار البرنت من حوالي 70$ قبل اندلاع الحرب في 28 شباط إلى أكثر من 100 دولار خلال آذار، ومع استمرار تعطّل الملاحة في المضيق لامس سعر خام البرنت نحو 120 دولارًا. إلا أن هذه الأسعار عادت إلى التراجع مع استخدام المخزونات الاستراتيجية ليستقر البرنت عند نطاق التسعين دولارًا للبرميل، مع بقائه شديد الحساسية لأي تصعيد جديد في المضيق.

فما الذي يمكن أن يحدث على مستوى أسعار النفط إذا استمر إغلاق المضيق؟ وهل يمكن للممرات الأخرى أن تلعب دور البديل عن المضيق وأن تحول دون انفجار أسعار النفط؟

صدرت دراسة حديثة لبنك الاحتياطي الفيدرالي توضّح كيف تؤثر حالات النقص في إنتاج النفط الناجمة عن عوامل جيوسياسية على أسعار النفط وعلى تقلبات الاقتصاد العالمي. وبمجرد توقّع حصول نقص في إنتاج النفط بسبب عوامل جيوسياسية قد يؤدي ذلك إلى قفزة في أسعار النفط وانكماش اقتصادي بصرف النظر عن تحقق الأمر من عدمه. والأمر نفسه في حال حدوث اضطراب بالفعل في الإمدادات النفطية نتيجة عوامل جيوسياسية. والاختلاف هو أن توقّع حدوث الأزمة يساهم في زيادة مخزونات النفط، أما وقوع الأزمة فيؤدي إلى سحب هذه المخزونات.

تتوقع الدراسة عدة سيناريوهات، من بينها سيناريو استمرار الإغلاق لـ3 أرباع سنة 2026، أي لحد نهاية شهر أيلول، وهو ما سيؤدي على الأرجح إلى وصول برميل النفط WTI إلى ما يقارب 132$ في نهاية السنة. علمًا أن البحث الصادر عن الفيدرالي لم يأخذ بالحسبان عدة عوامل مهمة في التأثير على سعر النفط، مثل الاضطرابات في سوق ناقلات النفط وارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات نحو مستويات أعلى، أي أن استمرار الإغلاق للربع الأخير من السنة ممكن أن يرفع سعر النفط إلى مستوى أعلى من الرقم المتوقع من قبل البنك الفيدرالي.

فإلى أي حد يمكن للبدائل أن تحدّ من تأثير إغلاق هرمز على سعر النفط المتوقع؟

بداية علينا الأخذ في عين الاعتبار أنها ليست أول صدمة جيوسياسية كبرى يتعرّض لها سوق النفط العالمي، فعلى سبيل المثال، كان لأحداث سابقة كالحرب العراقية الإيرانية عام 1980 وحرب الخليج عام 1990 وغيرها أثرًا على حركة الملاحة النفطية في المضيق. إلا أن الحدث السياسي اليوم هو ذو أثر أكبر بنحو ثلاثة إلى خمسة أضعاف من الأحداث السابقة. وتكمن المشكلة الأساسية في صعوبة إيجاد بدائل قادرة على التعويض الكامل عن صادرات النفط التي تمر عبر المضيق، ما يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على تحييد ورقة هرمز التي تمتلكها إيران، ويضع في الوقت نفسه دول الخليج أمام عائق أساسي في تصدير إنتاجها النفطي.

تمتلك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز جزئيًا، أبرزها خط أنابيب الشرق-الغرب من الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر بطاقة تُقدّر بنحو 2,6 مليون برميل يوميًا، وخط إماراتي يصل إلى ميناء الفجيرة في خليج عُمان بطاقة تُقدّر بنحو 1,8 مليون برميل يوميًا. وهذه كمية مجتمعة تعادل حوالي 22% من النقص العالمي في الإمدادات. تشكّل هذه المسارات منفذًا بديلًا لجزء محدود من الصادرات النفطية التي كانت تعبر المضيق. غير أن القدرة النظرية لهذه البدائل لا تعني إمكانية الاستفادة منها بالكامل في الظروف الحالية؛ إذ تعرّض ميناء الفجيرة لهجمات إيرانية أدت إلى اضطرابات وتوقفات جزئية في عمليات تحميل النفط. فيما يواجه المسار السعودي إلى البحر الأحمر ونقله جنوبًا باتجاه آسيا مخاطر الهجمات اليمنية، بينما نقله شمالًا فيفرض قيودًا على حجم ناقلات النفط التي يمكن استخدامها، كما يستلزم توجيه النفط نحو أوروبا بدلًا من آسيا، رغم أن آسيا هي المنطقة الأكثر إلحاحًا.

في المحصلة، لا تبدو البدائل المتاحة اليوم قادرة على تعويض الدور الذي يؤديه مضيق هرمز في سوق النفط العالمية، كما أن اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية يمكنه تخفيف الصدمة واحتواء الأسعار مؤقتًا، لكنه لا يشكّل بديلًا دائمًا عن تدفق عشرات ملايين البراميل عبر المضيق.

وعليه، يبقى التأثير الحاسم هو حجم الإغلاق، سواء كان كليًا أم جزئيًا، والمدة التي سيستمر خلالها. فكلما ازدادت مدة الإغلاق تراجعت قدرة الأسواق على امتصاص الصدمة وازدادت الضغوط التضخمية على أسعار البرنت. وبالتالي، بقاء هرمز مغلقًا يعني استمرار حالة عدم اليقين في سوق النفط العالمية، مع أسعار ستبقى إلى حد كبير رهينة التطور السياسي والأمني في الشرق الأوسط.

المصدر: موقع المنار