السبت   
   01 08 2026   
   17 صفر 1448   
   بيروت 12:35

خاص | المنظومات الروبوتية في العدوان على لبنان: بين التفوق التكنولوجي والاختبار الميداني

شكّل العدوان الإسرائيلي على لبنان محطةً مفصلية في تطور الحروب الحديثة، بعدما اعتمد جيش الاحتلال، على نحو غير مسبوق، على المنظومات الروبوتية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، في إطار استراتيجية هدفت إلى تقليص الخسائر البشرية وتعزيز التفوق الميداني عبر أتمتة ساحة المعركة. وفي سبيل ذلك، دفع الاحتلال بروبوتات برية مفخخة، ومنصات استطلاع وقتال غير مأهولة، وأنظمة ذكية لإدارة العمليات، في رهانٍ على أن التفوق التكنولوجي قادر على حسم المواجهة.

غير أن نتائج المواجهة في لبنان أظهرت أن التفوق التكنولوجي لا يضمن، بمفرده، تحقيق الحسم العسكري. فالمقاومة سارعت إلى التكيف مع هذا النمط الجديد من القتال، وطورت وسائل مواجهة اعتمدت على محلقات FPV منخفضة الكلفة وتكتيكات ميدانية حدّت من فاعلية المنظومات الروبوتية. وانطلاقًا من ذلك، يناقش هذا المقال مدى نجاح جيش الاحتلال في توظيف الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتحقيق أهدافه العسكرية، وما إذا كانت حرب لبنان قد أكدت استمرار الدور الحاسم للعامل البشري والابتكار الميداني في مواجهة التفوق التكنولوجي.

من حرب تقليدية إلى حرب الروبوتات

شهدت الحروب منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولًا جذريًا تمثل في تراجع الحروب النظامية التقليدية لصالح الحروب غير المتماثلة والهجينة، ولا سيما في البيئات القتالية المعقدة. ولم يعد التفوق العسكري قائمًا على القوة النارية أو الكتلة البشرية فحسب، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، اللذين أسهما في إعادة تشكيل العقائد العسكرية الحديثة.

وفي هذا السياق، يوضح العميد علي أبي رعد، الخبير في الشؤون العسكرية، في حديثٍ لموقع المنار الإلكتروني، أن جيش العدو يُعدّ من أبرز الجيوش التي تبنت هذا التحول، إذ سعى، بعد خبراته في مواجهة حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، إلى دمج المنظومات الروبوتية والذكاء الاصطناعي ضمن عقيدته القتالية، ليس بوصفها أدوات تقنية فحسب، بل كوسائط استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف إدارة المعركة بما يتلاءم مع طبيعة الحروب غير المتماثلة، في مواجهة خصم يعتمد بدرجة كبيرة على العنصر البشري والإرادة القتالية.

وفي دراسة بعنوان “تطور الحروب من ساحة المعركة التقليدية إلى ساحة المعركة الرقمية: تحليل لتكنولوجيا الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي في الصراع اللبناني–الإسرائيلي”، نشرتها الباحثة سيرين حمدان عام 2025، تشير الدراسة إلى أن الحروب الحديثة انتقلت من المواجهة التقليدية إلى ساحات قتال رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والأنظمة الذاتية، ما أعاد تشكيل طبيعة العمليات العسكرية والعقيدة القتالية.

وتؤكد الدراسة أن الصراع بين المقاومة في لبنان وجيش الاحتلال الإسرائيلي يُعد من أبرز النماذج التي تجسد هذا التحول، إذ شهدت المواجهات الأخيرة توسعًا في استخدام الأنظمة الذكية وتقنيات الاستهداف الدقيقة، بما يعكس انتقال ساحة المعركة إلى نمط تقوده التكنولوجيا.

لماذا اتجه جيش العدو إلى أتمتة ساحة المعركة؟

تكشف التصريحات الصادرة عن مسؤولين في المؤسسة الأمنية لكيان العدو أن التوسع في استخدام المنظومات الروبوتية جاء استجابة لمتطلبات العمليات العسكرية في البيئات القتالية المعقدة، ولا سيما في المناطق الحضرية وشبكات الأنفاق.

ووفقًا لما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست عن العقيد المتقاعد يارون ساريج، رئيس المكتب التنفيذي لبرنامج الذكاء الاصطناعي والحكم الذاتي في وزارة الدفاع الإسرائيلية، فإن الحرب على غزة (2023–2025) مثلت “أول حرب روبوتية في التاريخ”، حيث نشر جيش الاحتلال عشرات الآلاف من الأنظمة ذاتية التشغيل، شملت أسراب الطائرات المسيّرة والروبوتات البرية، في إطار استراتيجية هدفت إلى تقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود وتوسيع الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة في تنفيذ المهام القتالية .

في هذا الإطار يوضح العميد علي أبي رعد أن لجوء جيش العدو إلى الروبوتات والأنظمة غير المأهولة جاء انطلاقًا من اعتبارات عسكرية واستراتيجية، أبرزها حماية القوة البشرية وتقليل الخسائر في صفوف الجنود، نظرًا لحساسية مجتمع العدو تجاه سقوط القتلى.

ومن هنا اعتمد مفهوم “الحرس الأمامي الروبوتي”، عبر الدفع بجرافات وروبوتات وكلاب آلية إلى مقدمة القوات لتولي المهام الأكثر خطورة، مثل كشف العبوات والكمائن، بدلًا من الجنود.

كما هدفت هذه المنظومات إلى الحفاظ على زخم الهجوم واستمرار الضغط على الخصم، خصوصًا في البيئات الحضرية، إضافة إلى تطبيق مبدأ الاقتصاد بالقوة من خلال إسناد المهام اللوجستية والروتينية والخطرة إلى الآلات، بما يسمح بتفرغ القوات البشرية للمهام القتالية الحاسمة. وفي هذا السياق، استخدم جيش الاحتلال روبوتات متخصصة في نقل الذخائر والمعدات وحراسة الحدود، ما أسهم في تعويض النقص في القوى البشرية وتعزيز الكفاءة العملياتية.

وفي الإطار ذاته، تشير دراسة “حرب الروبوت: الاستخدام العسكري الإسرائيلي للمنظومات الروبوتية في حرب العصف المأكول 2026″، الصادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED)، إلى أن دمج المنظومات الروبوتية بالذكاء الاصطناعي بات يمثل أحد مرتكزات العقيدة العسكرية الإسرائيلية، إذ لم تعد الروبوتات تُستخدم بوصفها أدوات تقنية فحسب، بل أصبحت جزءًا من منظومة العمليات القتالية بما يتلاءم مع طبيعة القتال في البيئات الحضرية وشبكات الأنفاق.

كما أسهم التكامل بين منظومات الاستطلاع والذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة في تسريع دورة الاستهداف، بما أتاح تنفيذ ضربات دقيقة خلال وقت قصير. وتخلص الدراسة إلى أن الروبوتات انتقلت من دور الإسناد إلى أداء دور محوري في تنفيذ العمليات العسكرية، وأصبحت أحد المكونات الرئيسة للعقيدة العسكرية الحديثة لجيش العدو.

ترسانة الروبوتات: الآلات التي زجّ بها العدو في العدوان على لبنان

شكّلت عملية إحتلال قلعة الشقيف نموذجًا عمليًا لتوظيف المنظومات الروبوتية في العمليات البرية لجيش العدو الإسرائيلي داخل جنوب لبنان. ووفقًا لتقرير القناة 12 الإسرائيلية، تقدمت الروبوتات البرية والطائرات المسيّرة والجرافات غير المأهولة القوات المهاجمة، حيث تولت استكشاف الأنفاق والخنادق، ورصد الكمائن، ومعالجة العبوات الناسفة، وجمع المعلومات الاستخبارية، قبل دخول جنود الإحتلال إلى ميدان القتال، في إطار ما وصفه التقرير بـ«جيش الروبوتات».

وبعد نجاح هذه المنظومات في فتح محاور التقدم، باشرت القوات البرية عملية الاقتحام مستفيدة من المعلومات التي وفرتها الأنظمة الذاتية. ثم استعرض التقرير أبرز الروبوتات التي شاركت في العملية، والتي شكلت العمود الفقري لهذه الترسانة.

وضمت هذه الترسانة عددًا من المنظومات المتخصصة، أبرزها روبوت Talon المخصص لتعطيل العبوات الناسفة والأجسام المشبوهة، وجرافة Panda D9 غير المأهولة لفتح الطرق وإزالة العوائق، وروبوت RONI المصمم للعمل داخل الأنفاق والأماكن الضيقة، إلى جانب المسيّرات الانتحارية ومسيّرة “الكركد “المسلحة بقاذف قنابل لدعم قوات المشاة. كما استخدمت روبوتات قتالية مزودة بكاميرات ومنظومات مراقبة وقدرات إطلاق نار، تنقل الصور إلى غرف القيادة بصورة فورية، بما أتاح لقوات العدو تنفيذ عمليات الاقتحام استنادًا إلى معلومات ميدانية لحظية.

صورة توضيحية 1 ربوت روني المصمم لتعطيل العبوات
صورة توضيحية 1 ربوت روني المصمم لتعطيل العبوات
صورة توضيحية 2 ربوت تالون المخصص المصمم للعمل داخل الأنفاق
صورة توضيحية 2 ربوت تالون المخصص المصمم للعمل داخل الأنفاق
صورة توضيحية 3 جرافة D9 المسيرة عن بعد
صورة توضيحية 3 جرافة D9 المسيرة عن بعد

يرى الدكتور ربيع بعلبكي، الخبير في تكنولوجيا الحوكمة الرقمية، في حديثٍ لموقع المنار الإلكتروني، أن معظم الروبوتات التي استخدمها جيش العدو الإسرائيلي في الحرب أعتمدت على مبدأ التوأم الرقمي (Digital Twin)، أي تشغيل المنظومات والتحكم بها عن بُعد دون وجود عنصر بشري داخلها، سواء كانت طائرات مسيّرة، أو دبابات وآليات قتالية غير مأهولة، أو جرافات هندسية لفتح الطرق. ويستند تشغيل هذه المنظومات بصورة رئيسية إلى تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) التي تتيح إدارة الروبوتات والتحكم بها عن بعد.

ويضيف أن الحرب شهدت أيضاً استخدام روبوتات برية على هيئة كلاب آلية، كما ظهر في قطاع غزة، حيث أوكلت إليها مهام الاستطلاع والاقتحام والهجوم، بهدف تقليل تعرّض الجنود للمخاطر المباشرة في ساحات القتال.

تكشف هذه المعطيات أن جيش العدو لم يعد يعتمد على الروبوتات بوصفها وسائل دعم ميداني فحسب، بل كجزء من منظومة قتالية متكاملة تتولى تنفيذ المراحل الأولى من العمليات البرية وتقليل احتكاك الجنود المباشر بساحة المعركة.

الذكاء الاصطناعي في قلب القرار العسكري

لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على دعم العمليات العسكرية، بل أصبح عنصرًا محوريًا في عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية. وتشير دراسة بعنوان «أتمتة القرار العسكري بالذكاء الاصطناعي: نحو إعادة تشكيل الحروب في عصر الخوارزميات»، المنشورة على منصة «بالعربية» في 4 نيسان/أبريل 2026، إلى أن التفوق في الحروب الحديثة لم يعد مرتبطًا فقط بحجم القوة العسكرية، وإنما بالقدرة على معالجة البيانات واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، بما يتيح تقليص زمن الاستجابة من دقائق إلى ثوانٍ، ويمنح القوات أفضلية عملياتية في إدارة المعركة.

ونتيجة لذلك، انتقل مركز الثقل من امتلاك الوسائل العسكرية إلى امتلاك منظومات خوارزمية قادرة على تحليل المعلومات وتقدير الموقف وإنتاج القرار بسرعة ودقة، الأمر الذي أعاد تشكيل مفهوم القوة العسكرية وأدخل بعدًا جديدًا في التنافس الاستراتيجي بين الدول.

وفي المقابل، تثير أتمتة القرار العسكري تحديات قانونية وأخلاقية متزايدة، إذ تطرح تساؤلات حول مسؤولية القرارات التي تتخذها الخوارزميات، ومدى التزامها بمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. وقد دفع ذلك العديد من المؤسسات الدولية إلى التأكيد على ضرورة الإبقاء على الإشراف البشري في القرارات القتالية الحاسمة.

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور ربيع بعلبكي أن القانون الدولي الإنساني، إلى جانب التشريعات الحديثة، وفي مقدمتها قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act)، لا يجيز منح الأنظمة المستقلة صلاحية اتخاذ قرارات القتل بصورة كاملة من دون إشراف بشري. ويشير إلى أن هذه الأنظمة تمتلك قدرات متقدمة لتحديد الأهداف بصورة شبه مستقلة، اعتمادًا على تقنيات التعرف إلى الوجه، والبصمة الصوتية، وتتبع الموقع الجغرافي، وتحليل بيانات الأجهزة الذكية، فضلًا عن بيانات الكاميرات وأنظمة الاستشعار. ورغم أن هذه التقنيات تتيح تنفيذ عمليات الاستهداف بدرجة عالية من الاستقلالية، فإن القرار النهائي، من الناحية القانونية، يبقى مسؤولية العنصر البشري.

كيف واجهت المقاومة حرب الروبوتات؟

لم تقف المقاومة الإسلامية مكتوفة الأيدي أمام التحول الذي أحدثه جيش الاحتلال في ساحة المعركة عبر توظيف الروبوتات والمنظومات غير المأهولة، بل أظهرت قدرة عالية على التكيف مع هذا النمط الجديد من القتال، وحولت التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى تحدٍ ميداني قابل للاحتواء. وتوضح التجارب القتالية وجود ثغرات في أداء هذه المنظومات، ولا سيما تلك التي تعتمد على التحكم عن بُعد، إذ تأثرت بالتشويش الإلكتروني، وواجهت صعوبات في العمل داخل الأنفاق والبيئات القتالية المعقدة، كما أن بطء حركتها جعلها عرضة للاستهداف بالعبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع. وهذا ما تشير إليه دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED).

حيث أستعرضت الدراسة عددًا من النماذج التي عكست قدرة المقاومة على تحييد هذه التكنولوجيا. ففي معركة حداثا، نجح المقاومون في تعطيل ناقلة روبوتية مفخخة من طراز M113 قبل وصولها إلى هدفها، ما أجبر جيش الاحتلال على تفجيرها عن بُعد. وفي كمين المحيسبات–القنطرة، امتنعت المقاومة عن استهداف جرافة Panda D9 غير المأهولة، الأمر الذي منح القوات الإسرائيلية شعورًا زائفًا بالأمان، قبل أن تتقدم سرية من دبابات الميركافا إلى منطقة الكمين، حيث تعرضت لهجوم أدى إلى تدميرها.

رسم توضيحي 4 ناقلة روبوتية مفخخة من طراز M113
رسم توضيحي 4 ناقلة روبوتية مفخخة من طراز M113

وتبرز الدراسة أيضًا نموذج يحمر الشقيف بوصفه مثالًا على انتقال المقاومة إلى مواجهة التكنولوجيا بالتكنولوجيا، إذ استخدمت طائرة مسيّرة انقضاضية لاستهداف روبوت هندسي تابع لجيش الاحتلال وتدميره بدقة. وترى الدراسة أن هذه العمليات عكست تحولًا في أساليب المواجهة، حيث لم تعد المقاومة تعتمد على الوسائل التقليدية وحدها، بل وظفت هي الأخرى الطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي والتكتيكات الذكية، بما مكّنها من تحييد جانب مهم من فعالية المنظومات الروبوتية الإسرائيلية، وأثبت أن التفوق التكنولوجي لا يكفي وحده لحسم المعركة.

فيديو نشره الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية يظهر استهداف جرافة D9
فيديو نشره الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية يظهر استهداف جرافة D9

وفي المقابل، يشير العميد ابي رعد أن المقاومة نجحت في التكيف مع هذا النمط الجديد من القتال، فطورت تكتيكات مضادة شملت، التشويش الإلكتروني، والكمائن والأنفاق الخداعية، إلى جانب الحرب السيبرانية والهندسة العكسية لاستهداف منظومات التحكم والاتصالات. وبرغم ما حققته الروبوتات من بعض النجاحات التكتيكية، يؤكد العميد أن المقاومة نجحت في تحييد جزء كبير من فعاليتها، وكسر الرهان الإسرائيلي على حسم المعركة بالتفوق التكنولوجي وحده، عبر تدمير عدد من هذه المنظومات وتنفيذ هجمات مضادة باستخدام الطائرات الانقضاضية.

ويرى أن التطور الذي شهدته حربي 2024 و2026 لا يمثل مجرد تحديث في الوسائل القتالية، بل يعكس تحولًا في العقائد العسكرية، حيث باتت الروبوتات والذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من إدارة المعركة، مع تكاملها مع الدبابات والطائرات المسيّرة ومنظومات القيادة والسيطرة. وقد أسهم هذا التحول في إعادة صياغة دور الأسلحة التقليدية، ولا سيما الدبابات التي أصبحت تؤدي دور مراكز قيادة لإدارة المنظومات غير المأهولة.

وهذا ما يؤكده أيضًا الدكتور ربيع بعلبكي، إذ يشير إلى أن من أبرز الدروس التي كشفتها الحرب النجاح الكبير الذي حققته المحلقات الانقضاضية، ولا سيما تلك العاملة بتقنية الألياف الضوئية (Fiber Optic)، التي كانت أقل عرضة للتشويش الإلكتروني، ما منحها قدرة أكبر على استهداف الروبوتات والمنظومات العسكرية الإسرائيلية بدقة وفاعلية.

ما بعد حرب 2026: إلى أين تتجه الحروب المقبلة؟

خلص العدوان على لبنان إلى أن الروبوتات والذكاء الاصطناعي أصبحا جزءًا أساسيًا من أدوات الحرب الحديثة، لكنهما لم يشكلا بديلًا عن الإنسان في حسم المعارك. فالتجربة الميدانية أثبتت أن التفوق التكنولوجي يمنح أفضلية عملياتية، لكنه لا يضمن تحقيق النصر ما لم يقترن بعقيدة قتالية فعالة، ومرونة ميدانية، وقدرة على مواجهة تكتيكات الخصم. ومن هنا، يبدو أن مستقبل الصراعات سيتجه نحو مزيد من التكامل بين الإنسان والآلة، لا إلى إحلال أحدهما محل الآخر.

ويرى العميد علي أبي رعد أن الحروب الحديثة دخلت مرحلة جديدة تراجعت فيها الحروب التقليدية لصالح الحروب غير المتماثلة والهجينة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي والروبوتات جزءًا أساسيًا من العقائد العسكرية في مختلف جيوش العالم. ويشير إلى أن هذا التطور يعكس سباقًا عالميًا لتقليل الخسائر البشرية وتعزيز القدرات العملياتية، مع استمرار التنافس في مجالات الهندسة العكسية وتطوير التقنيات العسكرية.

ومع ذلك، يؤكد أن التفوق التكنولوجي لا يكفي وحده لحسم الحروب، إذ يبقى العامل البشري العنصر الحاسم في إدارة المعركة وتحقيق النصر. فمهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، فإن الإرادة القتالية، والإيمان بالقضية، والقدرة على الابتكار والتكيف مع متغيرات الميدان، تظل عوامل لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها.

وفي هذا الإطار يتوقع الدكتور ربيع بعلبكي أن تتجه الحروب المقبلة نحو تقليص الوجود البشري في خطوط التماس الأولى، بحيث تتولى الروبوتات تنفيذ معظم عمليات الاقتحام والمناورة والتسلل والاستطلاع. ويرى أن الروبوتات الصغيرة ستتخصص في مهام المراقبة والتجسس والاستكشاف، بينما ستتولى المنظومات الأكبر حجماً تنفيذ المهام الهجومية، وإخلاء الجرحى، ونقل الذخائر والمعدات، بما يقلل الحاجة إلى وجود الجنود في البيئات القتالية عالية الخطورة.

وقد أظهرت تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان خلال عدوان 2026 أن التفوق التكنولوجي، رغم ما يوفره من مزايا عملياتية، لا يضمن وحده حسم المعركة. فنجاح المقاومة في التكيف مع المنظومات الروبوتية، واستخدامها المسيّرات الانقضاضية وتكتيكات الحرب اللامتماثلة، أكد أن حروب المستقبل لن تُحسم بالآلة وحدها، بل بقدرة المقاتل على استيعاب التكنولوجيا وتطوير أساليب مضادة لها.

ومن هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد سباقًا متسارعًا بين تطوير الأنظمة الذكية من جهة، وابتكار وسائل جديدة لتحييدها من جهة أخرى، في ظل بقاء الإنسان العنصر الحاسم في توجيه مسار الحرب ونتائجها.

المصدر: موقع المنار