ألقى المفتي الجعفري الممتاز سماحة الشيخ أحمد قبلان رسالة العاشر من المحرم لهذا العام من على منبر مسجد الإمام الحسين(عليه السلام) في برج البراجنة، وهذا نصها:
“السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
عظّم الله لكم الأجر بشهادة مولانا سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين(ع) سبط النبي المصطفى محمد(ص)، وهو ميثاق كلمته ومشكاة رسالته، ودليله على دينه، وثاني الثقلين، وأمانته الكبرى. ألا وإن الرزية لكبرى، وإن المصابَ لعظيم، ألا وإن القتيل حسين، والذبيح شريك القرآن، ألا وإن السبيّةَ زينب الكبرى وبنات رسول الله(ص)، وإن الحرمة أعظم حرمات الله وأكبرُها، ألا وإن الفداء أبو الفضل العبّاس، والكبش عظيم، والذبح جليل، ألا وإن إمامنا الحسين (ع) برز في مثل هذا اليوم ليقول للخلائق: إنما الخليقة سفر، والدنيا طريق العابرين الى الله، ولا شيء أكبر من عظمة الله، ولا قوة أكبر من قوة الله، ولا ميثاق فوق مواثيقه الأخلاقية والإنسانية، خرجَ (ع) ليقول للناس جميعاً: لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق، ولا سلطة لظالم أو فاسد أو جبّار، وخيارُنا الإمام الحسين (ع) الذي لا يقبل ظلماً ولا طغياناً ولا تبعيةً فاسدة ولا شراكةً مع مستبدّ ولا صفقة مع فرعون، مهما كان عنوانه وإسمه، أميركي أو صهيوني أو غيرهم، ولبنان عقيدة أخلاقية ووطنية، ولن نسمح لأيّة سلطة بأيّة مغامرة تنال من “عقيدة لبنان التأسيسية”.
وشاهدُنا في يوم الامام الحسين(ع) جبهات لبنان والحرب المصيرية التي خضناها في وجه أخطر مشاريع أميركا وإسرائيل الإرهابية، وقد انكشفت الحرب عن أكبر صمود أسطوري، وأعظم مقاتلي الأرض، وأشرف إنجازات دفاعية مصيرية، وكلُّه من أجل لبنان ومن أجل سيادته الوطنية، وفينا مسلم والحرّ وعابس، وفينا روح عليّ الأكبر، وفداء أبو الفضل العباس، وفينا صبر جبل الصبر زينب، وفينا عظيم جبهات العزة والشهامة الإمام الحسين (ع).
إن القضية هي سيادة لبنان وصيغته التوافقية وشراكته الإسلامية المسيحية التي تتعارض مع مشاريع صهينة البلد، والإنكار لا يفيد أحداً، لأن البعض يلعب دور الخادم المطيع للمشاريع الأمريكية الصهيونية، ولذلك من يُصرّ على أي بيئة تخدم تل أبيب فليذهب إليها، وجماعة البكّائين على حائط المبكى خسروا الرهان، واليوم المقاومة أيقونة لبنان وعنوان سيادته، ومع تنظيم الشراكة بين الجيش والمقاومة نكون أمام أهم أساس تكويني لصيغة الأمن والدفاع الوطني.
واللحظة لحماية لبنان وتكريم مقاتلي السيادة اللبنانية، وتأمين القرار الوطني، وليس لتنفيذ الأوامر واللوائح الأمريكية، وخاصة أن نتنياهو جزّار تل أبيب مع نتيجة هذه الحرب بات من الماضي ومصيره من مصير المقابر السياسية، فيما واقع لبنان تحوّل الى ثقل إقليمي فرضته نتائج الجبهة الجنوبية، والإصرار الإيراني على حماية السيادة الوطنية للبنان بحيث أن الملف اللبناني بات اليوم حاضراً بقوة في قلب التفاهمات الكبرى بين طهران وواشنطن، وكلّنا ثقة بطهران، ولعبة فصل لبنان عن مفاوضات واشنطن طهران لصالح مفاوضات واشنطن الصهيونية مكشوفة، ولن نعطيها أي فرصة سياسية أو أمنية، والسلطة التي تريد أمرَكة لبنان لن تحكم، بل لن يكون لبنان ملعباً لأحد، وخاصة لتل أبيب، والسلطة الحالية تنتحر سيادياً وسياسياً، وخاصة أنها منعت الجيش اللبناني من الدفاع عن وطنه لبنان، حتى على الأقل أن يكون شريكاً في الدفاع عن بلده، ومع ذلك ما زالت تُمعِن بضرب التوافق اللبناني.
إن لبنان عقيدة وطنية ونظام تأسيسي توافقي، ومن يطعن النظام التوافقي للبنان إنما يضعه في قلب كارثة وطنية ليس لها سابق، ولا شكّ أن هذا خيار خطير للغاية، وأصابع واشنطن وتل أبيب وجماعة المذابح الطائفية وراء هذه اللعبة الانتحارية.
ولأننا في يوم الإمام الحسين (ع)، وملحمته العظمى، فإننا نشكر إيران التي شاركت لبنان بأكبر سيادته، وإننا ندعوها لتلعب دورَ الشريك والسند للملكة العربية السعودية في لبنان، لمنع حرائق الفتن الأمريكية الصهيونية، ولبنان لا يمكن أن يكون ضد إيران ولا ضد السعودية، ومن يُنفّذ مشاريع معاداة إيران إنما يضع لبنان بفم الذئب الأمريكي، وسنمنع أي معاداة لطهران، وهذا البعض يعلم أن أميركا شريكةُ إسرائيل الإرهابية في حربها على لبنان، فيما إيران شريكة لبنان بالدفاع عن سيادته.
ولذلك حذارِ من اللعب بالنار، خاصة في المسائل السيادية والروابط الدينية والأخلاقية، ودعونا من لعبة الرشاوى السياسية، واليوم لبنان يخرج بحول الله وقوته، وبفضل قرابين مقاومته، وآلام جرحاه، وصبر شعبه الشريف، من أخطر حرب وبأهم انتصار، وسط شرق أوسط تُمثّل طهران فيه قوة إقليمية ندّية كبرى، وهذا ما يزيد من هامش المصالح السيادية اللبنانية، فيما الرئيس ترامب يبحث عن بديل لنتنياهو، والنتيجة أن إسرائيل فقدت قدرتها على صياغة ملامح شرق أوسط جديد، ومع طهران وصواريخها الثقيلة احتل لبنان قلب الهيكل الجديد للشرق الأوسط.
مطلوبنا تعزيز سيادة لبنان وتأمين حلفاء إقليميين أوفياء، لا حلفاء طغاة غدّارين، ولبنان لا يقوم إلا بالشراكة التوافقية وقدرته السيادية، وليس هناك شيء أهم عندنا من الوحدة الإسلامية (السنية الشيعية)، ولن نُفرّط بها أبداً.
وشكراً لكل من حمى لبنان من أخطر لعبة وفتنة أمريكية صهيونية، وشكراً للمقاومة والشهداء والجرحى وللنازحين، أهل الجنوب والضاحية والبقاع، وشكراً للمبادرات الفردية والقيادات الوطنية التي لم تنهزم لحظة المحن الوجودية للبنان.
ونذكّر السلطة الحالية بضرورة طرق باب الرئيس نبيه بري لقراءة لبنان السيادي، ودونه لن نقبل بأي التزام على الإطلاق.
تاريخنا حسين، ولا نملك إلا الحسين، ولا بديل عندنا عن الحسين، ومن لديه الإمام الحسين(ع) لن يعرف الهزيمة أبداً، مهما كثُرت الجيوش الغازية، ومهما طالت من أهل السفاهة والعداوة فتن الزمان”.
المصدر: بيان
