خلافاً للمعلومات التي جرى تداولها في وسائل الإعلام أخيراً بشأن بدء مشاورات بين الاتحاد العمالي العام ووزير العمل والهيئات الاقتصادية لدراسة رفع الحد الأدنى للأجور، قال رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير، إن النقاش لم يتطرّق إلى ملف زيادة الأجور، بل كان محصوراً بزيادة المنح الدراسية، وهو ما اتُّفق عليه، مشيراً إلى أن أوضاع المؤسسات ليست على ما يرام لأنها بالكاد تدفع الأجور الحالية.
ويبلغ الحدّ الأدنى للأجور، بحسب آخر مرسوم صدر عن الحكومة، نحو 312 دولاراً فقط، إذ لم يتمكّن ممثلو العمال من الضغط على أصحاب العمل في الفترة الماضية من أجل زيادته أكثر من ذلك. بل ربما كان هناك تواطؤ بين كل المعنيين بهذا الملف على إبقاء مستوى الحد الأدنى للأجور عند هذه الحدود. واستمرّ الأمر على هذه الحال، إلى أن اندلعت الحرب. وفور تثبيت وقف إطلاق النار فوجئ ممثلو العمال وأصحاب العمل بأن هناك نقاشاً في زيادة الحد الأدنى للأجور.
فقد نفى نائب رئيس الاتحاد العمالي العام حسن فقيه وجود أي بحث فعلي في رفع الحد الأدنى للأجور في المرحلة الراهنة، مؤكداً أنّ الأولوية اليوم تتّجه نحو ملفات أكثر إلحاحاً ترتبط بمعالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، وتقييم حجم الأضرار التي لحقت بالقطاعات الإنتاجية، ومتابعة أوضاع العمال في المناطق المتضرّرة، ولا سيما المزارعين ومزارعي التبغ الذين تكبّدوا خسائر مباشرة في أراضيهم ومواسمهم ومصدر رزقهم الوحيد. وأشار إلى أنّ هذه الملفات تتقدّم اليوم على أي نقاش مرتبط بتصحيح الحد الأدنى للأجور، حيث إنّ الأولوية اليوم تنحصر بمعالجة تداعيات الحرب، قائلاً: «بس تهدى الأمور بينفتح موضوع الأجور».
وفي السياق نفسه، قال الوزير السابق محمد شقير الذي يمثّل أصحاب العمل، إنه لم يحصل أي نقاش بشأن زيادة الحد الأدنى للأجور، لأن المؤسسات بالكاد تدفع ما يتوجّب عليها الآن لأجرائها، بل كل ما في المسألة أنه تمّ الاتفاق على زيادة المنح التعليمية إلى 36 مليون ليرة لكل ولد في المدارس الخاصة و12 مليون ليرة لكل ولد في المدرسة الرسمية.
ما اتُّفق عليه هو زيادة المنح التعليمية الى 36 مليون ليرة للولد في المدرسة الخاصة
يعيد هذا النفي طرح سؤال أساسي حول توقيت إعادة فتح النقاش في ملف الأجور. فالدولة لم تبادر إلى تصحيح الرواتب في مراحل سابقة، حتى عندما كانت الظروف الاقتصادية أقل تعقيداً، فيما شهدت القدرة الشرائية مزيداً من التآكل نتيجة الارتفاع المستمر في الأسعار، وتزايد الأعباء المعيشية، وفرض ضرائب ورسوم إضافية طاولت مجمل المواطنين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
كما أنّ تجربة الرواتب الإضافية التي أُقرّت لموظفي القطاع العام تقدّم مؤشراً واضحاً على حجم التعقيدات التي تحيط بهذا الملف. فرغم تحمّل المواطنين أعباءً ضريبية إضافية لتأمين التمويل اللازم لهذه الزيادات، لم تنجح هذه الإجراءات في إحداث تصحيح فعلي أو في استعادة القدرة الشرائية المفقودة. وإذا كانت هذه الزيادات المحدودة لم تتمكّن من تحقيق النتائج المرجوّة، فكيف يمكن الحديث اليوم عن تعديل شامل للحد الأدنى للأجور بكل ما يتطلّبه من أكلاف مالية وانعكاسات اقتصادية؟
هكذا، يبدو أنّ الانتقال إلى مناقشة هذا الملف غير مُتاح من دون نقاش اقتصادي أوسع وأكثر تعقيداً يتوجّب على الحكومة أن تقوم به. فتصحيح الحد الأدنى للأجور ليس قراراً إدارياً أو زيادة رقمية فحسب، بل يتطلّب مرحلة كاملة من التعافي الاقتصادي، وإعادة تحريك القطاعات الإنتاجية، واعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة، إلى جانب إطلاق إصلاحات بنيوية تؤمّن استقراراً مالياً يسمح ببناء سياسة أجور مُستدامة.
المصدر: جريدة الاخبار
