في الجزء الأول، تناولنا تصاعد حالة الذعر التي تعكسها صحافة العدو في مستوطنات الشمال نتيجة الفشل في مواجهة ضربات المقاومة وخصوصاً موضوع المسيرات التي تعمل بالألياف الضوئية ، وما رافق ذلك من تآكل في العقيدة الأمنية للعدو وتحول الجبهة الداخلية إلى ما يشبه ساحة استنزاف مستمرة.
كما أشرنا إلى تراجع ثقة المستوطنين بقدرة جيشهم على توفير الأمن، وإلى تأثير استهداف المواقع العسكرية في فرض معادلات ردع جديدة جعلت شمال كيان العدو نقطة ضعف استراتيجية. وانتهى الجزء الأول إلى أن هذه التحولات وضعت الاحتلال أمام مأزق أمني وعسكري متفاقم يهدد قدرته على مواصلة الحرب وإدارة الصراع.
أما في الجزء الثاني، فسننتقل إلى بحث التحولات الإقليمية الأوسع التي فرضتها الضربة الإيرانية الأخيرة للكيان، من خلال التوقف عند دلالات الرد الصاروخي الإيراني على عمق الكيان الإسرائيلي بوصفه تحولاً في قواعد الاشتباك وتوازنات القوى، كما سنتناول أهمية استراتيجية «وحدة الساحات» في ترسيخ مسار جديد للمواجهة الإقليمية، وصولاً إلى قراءة مآلات الاستنزاف اليومي وتآكل الردع الإسرائيلي وانعكاس ذلك على مستقبل الصراع في المنطقة.
الرد الصاروخي الإيراني: ضرورة استراتيجية وتغيير في موازين القوى
أثار الرد الصاروخي الإيراني على عمق الكيان الإسرائيلي نقاشاً واسعاً حول دلالاته العسكرية والسياسية، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل توازن الردع في المنطقة. وقد تعددت القراءات التي تناولت هذه الضربة، بين من اعتبرها ضرورة استراتيجية لفرض قواعد اشتباك جديدة، ومن رأى فيها مؤشراً على تحولات عميقة في طبيعة الصراع الإقليمي وموازين القوى القائمة.
واستناداً إلى تحليل نشرته وكالة مهر للأنباء اعتبرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن ردها الصاروخي ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لإنقاذ مبدأ وقف إطلاق النار من التحول إلى أداة تكتيكية بيد الاحتلال لترتيب صفوفه واستنزاف المقاومة، حيث رأت أن التزام الصمت كان سيمنح تل أبيب ضوءاً أخضر لمواصلة خروقاتها واغتيالاتها، مما يهدد بانهيار توازن الردع الإقليمي.
وبناءً على قناعتها بأن الكيان الصهيوني لا يفهم إلا لغة القوة، جاء الرد الإيراني، ولا سيما استهداف قاعدة «رامات ديفيد»، كخطوة حاسمة لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة تربط أمن بيروت بطهران، وتكسر رهانات الخصم على «الإرهاق الاستراتيجي» لمحور المقاومة؛ ليكون هذا الرد بذلك وسيلةً لإيقاف الانتهاكات، وإثبات أن توازن الرعب هو الضامن الوحيد للاستقرار في ظل عجز المؤسسات الدولية عن كبح العدوان.
وتتسم القراءات العسكرية للعدو الإسرائيلي للضربة الإيرانية بنظرة تشاؤمية حيال استعادة قوة الردع؛ إذ يرى المحلل العسكري في صحيفة «معاريف»، آفي أشكينازي، أن العدو الإسرائيلي بات في وضع استراتيجي حرج، معتبراً أن الانصياع للضغوط الأمريكية لضبط النفس كان سيُفسر إقليمياً كدليل ضعف صريح، ومؤكداً في تحليلاته أن العدو الإسرائيلي في طريق مسدود، حيث أثبتت طهران قدرتها على ممارسة استنزاف طويل الأمد للمنظومات الأمنية الإسرائيلي.
من جانبه، انتقد المحلل العسكري يوآف ليمور بشدة أداء المؤسسة العسكرية والسياسية، واصفاً التبريرات الإسرائيلية لنتائج المواجهات بـ«حاجز الحماقة»، ومشيراً إلى أن جيش العدو يغرق مجدداً في «مستنقع» المواجهة المباشرة التي تُفشل أهداف الحرب المعلنة.
وتصب هذه التحليلات في إطار تقييم عام نشرته وسائل إعلام مثل «إسرائيل اليوم» و«يديعوت أحرونوت»، والتي خلصت إلى أن الهجوم الإيراني كشف عن تآكل حاد في الردع الاستراتيجي الإسرائيلي، مما فرض واقعاً جديداً يجعل من الصعب على تل أبيب استعادة حرية العمل العسكري التي كانت تتمتع بها سابقاً دون الدخول في جولات تصعيد مفتوحة.
ويُشير المحلل حسن حجازي إلى أن الرد الصاروخي الإيراني الأخير على عمق الكيان الإسرائيلي، رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، يمثل تحولاً جوهرياً في معادلة الصراع الإقليمي. فبخلاف الأنماط السابقة التي كانت تحصر الرد الإيراني في سياق حماية السيادة الوطنية والأراضي الإيرانية، يأتي هذا التحرك ليشكل سابقة في الانتقال الاستراتيجي نحو “الدفاع المباشر عن الحلفاء”، لا سيما في الساحة اللبنانية.
ويرى حجازي أن هذا الأداء الإيراني يعكس ثقة متنامية في القدرات الميدانية وطموحاً للانتقال من مربع الدفاع التقليدي إلى استراتيجية “الهجوم النسبي”. ويؤكد المحلل أن المشهد الراهن يكرس واقعاً جيوستراتيجيّاً جديداً؛ فبدلاً من أن تؤدي الحرب الأخيرة -التي استمرت لأربعين يوماً- إلى استنزاف إيران أو تراجعها، دفعتها هذه المواجهة إلى مربع أكثر تقدماً وإصراراً على تحدي الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
ويخلص حجازي إلى أن إيران نجحت في التحرر من قيود سابقة كانت تكبل حركتها الإقليمية، لتفرض نفسها قوة حاضرة ومؤثرة للتدخل المباشر؛ مما يمنح محور المقاومة دفعة استراتيجية نوعية، ويغير موازين القوى في المنطقة لصالح إيران وحلفائها، في رسالة واضحة لكل من الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي بأن قواعد الاشتباك قد خضعت لإعادة صياغة جذرية.
أهمية وحدة الجبهات: ترسيخ مسار جديد للمواجهة وتوازنات الإقليم
تتقاطع الرؤى البحثية والتحليلات السياسية في رصد تطور استراتيجية «وحدة الساحات» وتحولها من مفهوم نظري إلى واقع ميداني أعاد صياغة قواعد الاشتباك. ويستعرض هذا السياق ترابط الأدوار بين قوى المقاومة والردع الإيراني المباشر في مواجهة محاولات الاحتلال المستمرة لتفكيك هذا الترابط الإقليمي.
في هذا الإطار تشير ورقة بحثية صادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «وحدة الساحات أو وحدة الجبهات أو محور المقاومة: بين الشعارات والوقائع»، إلى أن مفهوم «وحدة الساحات» برز بقوة بعد معركة «سيف القدس» عام 2021، ويقوم على تفعيل عدة جبهات في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بصورة متزامنة. وترى الدراسة أن معركة «طوفان الأقصى» شهدت ترجمة عملية لهذا المفهوم من خلال انخراط قوى المقاومة في غزة والضفة الغربية ولبنان والعراق واليمن ضمن مسارات دعم وإسناد متعددة، بما عكس مستوى من التنسيق والتكامل بين هذه الساحات، ورسّخ فكرة أن المواجهة مع الاحتلال لم تعد محصورة بجبهة واحدة، بل باتت تتخذ طابعاً إقليمياً متعدد الجبهات.
يمثل مفهوم “وحدة الساحات” أحد أبرز التحولات الاستراتيجية في إدارة الصراع الإقليمي، حيث يقوم على تنسيق العمليات العسكرية والسياسية عبر جبهات متعددة (إيران، غزة، لبنان، العراق، واليمن) بشكل متزامن. وتهدف هذه الاستراتيجية، التي يقودها “محور المقاومة”، إلى خلق بيئة عملياتية معقدة تفرض على العدو الإسرائيلي القتال في عدة جبهات في آن واحد، مما يؤدي إلى تشتيت قدراتها الدفاعية والهجومية، وتقييد حرية عملها، ورفع كلفة أي مواجهة إلى مستويات تجعل “الحرب الاستباقية” الإسرائيلية خياراً باهظ الثمن.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى توزيع الأدوار والمهام وفقاً لطبيعة كل جبهة جغرافية، مع اعتبار أن الربط الميداني هو الضمانة لإطالة أمد المواجهة واستنزاف موارد الخصم. في المقابل، تدرك المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية خطورة هذا الترابط، لذا فقد صعدت من جهودها الرامية إلى “تفكيك” هذه الوحدة، عبر انتهاج سياسة الفصل العملياتي، والترويج إعلامياً لاستقلالية كل جبهة عن الأخرى، ومحاولة عزل كل طرف عن سياقه الإقليمي.
إن الصراع الدائر اليوم يظهر تباين الرؤى؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه “محور المقاومة” إلى ترسيخ مفهوم “وحدة الساحات” كمعادلة ردع استراتيجية تفرض واقعاً جديداً، تعمل الأطراف الإسرائيلية على كسر هذا الربط من خلال حملات عسكرية تهدف إلى عزل الجبهات، معتبرة أن كسر هذه الوحدة هو المدخل الأساسي لتقويض القدرات العسكرية لكل طرف على حدة. وبناءً على ذلك، يبقى التفاعل بين هذه الاستراتيجية الهجومية والمحاولات العدو المضادة لتفكيكها هو المحدد الرئيس لمسارات التصعيد أو التهدئة في المنطقة.
وفي هذا الإطار تشير صحيفة القدس العربي في مقال تحت عنوان “إيران تُعيد تكريس «وحدة الساحات»”، حيث تسلط الضوء على الضربة الإيرانية الأخيرة على الكيان رداً على إستهداف الضاحية الحنوبية لبيروت والتحول الاستراتيجي الجوهري في ديناميكيات الصراع الإقليمي بين إيران وكيان العدو.
ويشير المقال إلى أن طهران تسعى من خلال ردها العسكري المباشر إلى تكريس قواعد اشتباك جديدة ترتكز على عقيدة “وحدة الساحات”، في محاولة جادة لتقويض استراتيجية “الاستفراد” للكيان الإسرائيلي التي تعتمد على تحييد الجبهات والتعامل مع كل منها بشكل منفصل. ويخلص المقال إلى أن هذا التطور يضع العدو الإسرائيلي أمام تهديد أمني معقد ومتعدد الجبهات يشمل غزة ولبنان، مما يعكس انتقال الدور الإيراني من حيز التحذير إلى الفعل الميداني المباشر، ويفرض واقعاً أمنياً جديداً يقوم على ترابط الجبهات وشمولية الردع، وهو ما يمثل تحدياً غير مسبوق لعمق الكيان يتجاوز في أبعاده وتداعياته الحروب التقليدية السابقة.
مآلات الاستنزاف اليومي وتآكل الردع لكيان العدو
تشير القراءة التحليلية لمسارات المواجهة الراهنة إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن البيئة الأمنية للكيان الإسرائيلي قد انتقلت من مرحلة “الحروب الخاطفة والحاسمة” إلى مرحلة “الاستنزاف الشامل والمتعدد الأبعاد”. لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن الجبهة الشمالية لم تعد مجرد ساحة اشتباك حدودي، بل تحولت إلى استنزاف بنيوي يمسّ الركائز العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للكيان؛ حيث تراجعت أهمية الإنجازات التكتيكية المحدودة أمام ثقل التداعيات الاستراتيجية المتراكمة، وفشل التفوق التكنولوجي في حماية جبهة داخلية باتت مكشوفة ومستنزفة يومياً.
إن هذا المأزق الإسرائيلي لم يعد مجرد استنتاج تحليلي، بل بات يتردد بوضوح في تصريحات القيادة العسكرية العليا؛ فدعوة رئيس الأركان “إيال زامير” إلى كان بالإمكان التوصل لوقف إطلاق نار مع لبنان بشروط مقبولة فالأفضل “الآن لا بعد شهر” هذه العبارة تعكس إدراكاً عميقاً بضيق الخيارات المتاحة واستشعاراً بخطورة الغرق مجدداً في “المستنقع اللبناني” الذي استنزف طاقات الكيان لعقود.
هذا التحذير العملياتي يتقاطع مع تحول استراتيجي غير مسبوق في مسار “وحدة الساحات”، تمثل في دخول إيران المباشر على خط المواجهة؛ حيث أدى الرد الإيراني على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت إلى كسر قواعد الاشتباك التقليدية وفرض معادلة ردع جديدة تضع الكيان أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بهذه المعادلة التي تنهي عصر الاستفراد بالجبهات، أو الاستمرار في تصعيد قد يخرج عن السيطرة.
في المحصلة، تحولت “وحدة الساحات” من شعار تعبوي إلى منظومة ردع عملياتية متكاملة استطاعت تحويل نقاط القوة الإسرائيلية إلى أعباء استراتيجية. ومع دخول سلاح الطائرات المسيّرة كعنصر كاسر للتوازن، والردع الإيراني المباشر كغطاء استراتيجي، وتآكل الثقة بين الجبهة الداخلية والقيادة، أصبح المشهد الإقليمي يتجه نحو ترسيخ واقع أمني جديد تفتقر فيه القوة العسكرية الغاشمة لفعاليتها التاريخية، وتصبح فيه احتمالات اللجوء إلى تسويات سياسية هي المخرج الوحيد للهروب من استنزاف طويل الأمد يهدد ركائز الكيان البنيوية.
للاطلاع على الجزء الأول، اضغط هنا.
المصدر: موقع المنار
