كشفت تطورات الصراعات الدولية خلال السنوات الأخيرة عن تحولات متسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، وسط تقديرات متزايدة بأن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً لحسم النزاعات أو فرض السيطرة على الدول المستهدفة.
ونشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” مقالاً للصحفي ياروسلاف تروفيموف قال فيه إن تطور التكنولوجيا التي تُساوي بين الدول القوية والضعيفة جعل حروب الغزو التقليدية صعبة، وربما غير ممكنة بعد الآن، كما أنها كشفت أن القوى العظمى لا تملك القوة التي كانت تظنها.
بعد توليه منصبه العام الماضي، روّج الرئيس ترامب، دون تردد، لرؤية تقوم على مبدأ “القوة هي الحق” لإعادة تشكيل النظام الدولي حول منطقة نفوذ أمريكية، وهي رؤية لا تختلف كثيراً عن رؤية روسيا أو الصين.
وبدا المستقبل وكأنه مُصاغٌ وفقاً لمقولة شهيرة للمؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس: “الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون كما يجب عليهم”.
هذا القول، الذي نطق به الغزاة الأثينيون لسكان جزيرة ميلوس المنكوبين عام 416 قبل الميلاد، برز بشكل لافت في خطاب رئيس البنك المركزي الكندي مارك كارني الذي أحدث صدى واسعاً في مؤتمر دافوس الدولي في ذروة الخلاف الأوروبي مع ترامب بشأن خططه للاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية.
وأضاف: “على ما يبدو الآن أن الضعفاء ليسوا بالضعف الذي اعتقده الكثيرون؛ فالأقوياء أيضاً لا يستطيعون فعل ما يحلو لهم.
وعلى الرغم من إنفاق الجيش الأمريكي جزءاً كبيراً من ذخائره بعيدة المدى وقتله عدداً من القيادة الإيرانية، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق نصر استراتيجي على قوة “متوسطة” كإيران.
يقول عالم السياسة الفرنسي نيكولا تينزر: “إذا اتحدت القوى المتوسطة، فبإمكانها مواجهة القوى العظمى. لا تستطيع أي منها فعل ذلك بمفردها، لكن لديها مجتمعةً وسائل لفرض القرارات، سواء عسكرياً أو بموجب القانون الدولي. هناك مجال للتحرك، وإن لم يكن ذلك سهلاً”.
التاريخ دليل على مخاطر غطرسة القوى العظمى. ففي عام 416 قبل الميلاد، انتهى رفض الخضوع لأثينا، القوة العظمى في العصور القديمة، نهاية وخيمة لسكان جزيرة ميلوس.
وكما ذكر ثوسيديدس، فقد قُتل جميع رجالهم، واستُعبد الأطفال والنساء. ومع ذلك، في نهاية المطاف، ارتدت هذه النزعة الإمبراطورية الغاضبة على أثينا: فقد خسرت الحرب الأوسع نطاقاً للسيطرة على اليونان.
المصدر: وول ستريت جورنال
