الثلاثاء   
   02 06 2026   
   16 ذو الحجة 1447   
   بيروت 18:36

قمة روحية إسلامية-مسيحية: العدوان الاسرائيلي على أي منطقة من لبنان هو عدوان على كل البلد

انعقدت القمة الروحية الإسلامية – المسيحية في دار الطائفة – فردان، بدعوة من شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى، وحضور رؤساء الطوائف: البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك جوزف عبسي، الكاثوليكوس آرام الأول كيشيشيان، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي محمود قدور، بطريرك الأرمن الكاثوليك الكاثوليكوس رافائيل بدروس الحادي والعشرين ميناسيان، بطريرك السريان الكاثوليك أغناطيوس يوسف الثالث يونان، رئيس المجمع الاعلى للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان القس جوزف قصاب، رئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في لبنان الأب اندراوس الانطوني، رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان المطران ميشال قصارجي ممثلا بالمونسنيور روفائيل كوبري، البطريرك مار اغناطيوس افرام الثاني للسريان الأرثوذكس ممثلا بالمطران مار إقليميس دانيال كورية، رئيس الطائفة الآشورية الأرثوذكسية في لبنان المتروبوليت مار ميليس زيّا ممثلا بالاب كفركيس يوحنا، مطران الأرمن الأرثوذكس في لبنان شاهي بانوسيان، مطران بيروت للروم الارثوذكس الياس عودة.

كما شاركت الهيئة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي المؤلفة من الوزير السابق عباس الحلبي، حارث شهاب، الدكتور محمد السماك، ميشال عبس، جان سلمانيان، واصف عواضة وغسان الحجار، الى جانب عدد من المفتين والمطارنة والمستشارين والمساعدين.

افتتحت اعمال القمة بدعاء استهل به الافتتاح رئيس اللجنة الدينية في المجلس المذهبي الشيخ عصمت الجردي، والقى شيخ العقل الكلمة الآتية: “يسعدني ويشرفني أن تلتئم القمة الروحية هذه في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت، وكأنها تلتئم في دار أي منكم، شاكرا لكم ثقتكم ومحبتكم وتجاوبكم مع دعوتنا، ومقدرا حضوركم ومشاركتكم الكريمة، آملا أن يكون لمشهد الأخوة الذي يجمعنا أثر في إبراز حقيقة وطننا القائم على التنوع في الوحدة، شكلا ومضمونا، وعلى الأخص في مثل هذه الحال المريرة التي يتعرض فيها لبنان لانتهاك سيادته الوطنية وتهديد كيانه”.

أضاف: “لقد تداعينا معا كرؤساء روحيين إلى عقد هذه القمة، شعورا منا بالواجب الأخلاقي والروحي والوطني، وذلك بهدف تأكيد التضامن في مواجهة المخاطر، وتمتين الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي، والحفاظ على الركائز الاجتماعية والوطنية التي يقوم عليها الوطن، ودعما وحثا للمسؤولين والفرقاء اللبنانيين كافة لتغليب المصلحة الوطنية على ما عداها، وحرصا على التزام مبادئ الميثاق الوطني الذي يجسد ميزة التنوع والتكامل في المجتمع اللبناني، وبغية توجيه رسالة موحدة لدعم الدولة وشد أزرها في مهمة تجاوز المحنة وإنقاذ البلاد وبناء المؤسسات”.

وتابع: “إن المسؤولية الملقاة على عاتق كل منا تحتاج إلى نوايا طيبة للتفاهم والحوار، وإلى فكر مستنير للمساءلة والإصلاح وحلحلة العقد، وإلى أيد عاملة قوية لرفع الركام وبناء الدولة من جديد. فلا أحد يرحمنا ويحتضننا إذا لم نرحم بعضنا بعضا وإذا لم نحتضن جميعنا الدولة، ولا قوة شرقية أو غربية تحمي الوطن ما لم يحمه شعبه الواحد الموحد. علينا أن نكون على مستوى المسؤولية والتحدي، نشد أزر بعضنا بعضا، ونحتكم إلى دستور البلاد، ونحيي في شعبنا روح الصمود والثبات وصيغة العيش الواحد المشترك. نحترم حقوق كل منا وتاريخ وتضحيات جميع العائلات اللبنانية وهواجس أبنائها ودماء شهدائها. إذا قاومنا فمن أجل لبنان، وإن تحاورنا فيما بيننا فمن أجل لبنان، وإن تفاوضنا بثقة فلخلاص لبنان، ولاؤنا يجب أن يكون للوطن، نحميه فيحمينا، وللدولة نركن إليها فترعى وجودنا وتصون أمننا”.

وقال: “من البديهي القول إن هناك تباينات في المقاربات والمواقف بين القيادات السياسية، ومن الواجب التأكيد بأننا لسنا هنا لننقل تلك التباينات المعقدة إلى طاولة القمة الروحية، أو لإصدار اتفاقات ملزمة أو قرارات نهائية حول نقاط الاختلاف والتباين. ليس من شأن القادة الروحيين تبني مواقف سياسية والتصلب في الدفاع عنها، في وقت يعقد الشعب اللبناني آماله على وحدتنا لتكون ضمانة للسلم الأهلي والوحدة الوطنية، وينظر اللبنانيون والمراقبون إلى القادة الروحيين باعتبارهم عنوانا للتلاقي الإنساني العقلاني الذي يشكل صمام الأمان للوطن. لذلك نحن اليوم هنا، نلتقي على طاولة المحبة والأخوة، لنطلق كلمة طيبة وموقفا أخلاقيا ورسالة أبوية، ولنتعهد أمام الشعب اللبناني بأننا لن نسمح بقطع حبل المودة الذي يربط فيما بيننا مهما قست الظروف، وبأننا لن ندخل إلى ملعب السياسة لنؤدي أدوارا دفاعية أو هجومية، بل لنكون الحكم العادل والناصح الأمين، أما إذا تخلفنا عن تأدية واجباتنا الوطنية والاجتماعية الأساسية، لا سمح الله، فسينعكس ذلك عند اللبنانيين خيبة أمل وامتعاض، وهذا من المحال”.

أضاف: “إن رسالتنا كمرجعيات روحية هي رسالة إنسانية أخلاقية. نوجه النصح من خلالها ونرفع الصوت تحذيرا وتنبيها، بعقلانية ووعي وحكمة، وبمحبة ورحمة وأخوة، وتلك هي الأقانيم الثلاثة التي تجمعنا، مسيحيين ومسلمين، أما التحديات والسجالات فليست من شأننا ولا من مهامنا، بل إن مهمتنا هي دوما تقريب المسافات وإيجاد المساحات المشتركة وتوسيعها، بضبط الإيقاع فيما بيننا، لا بشحن النفوس وتأجيج الخلافات”.

وتابع: “رسالتنا هي رسالة الشراكة الروحية الوطنية التي لا ينجح إصلاح وإنقاذ إلا تحت مظلتها، وهي الدعوة الدائمة لصون المجتمع وحفظ الوطن، بعيدا عن منطق الغلبة أو الإلغاء، ووفق شراكة متوازنة بين مكوناته، وفي كنف دولة جامعة تشكل الإطار المرجعي للجميع فوق أي انقسام، ونحن جميعنا معنيون بالمساهمة في بناء هذه الدولة، وبالعمل معا لتسخير إمكانياتنا الوقفية والمعنوية لتنمية المجتمع ورعاية العائلات المحتاجة”.

وقال: “مع دعائنا لله سبحانه وتعالى، نوجه الدعوة للمسؤولين للتعاون من أجل خلاص الوطن وإنقاذه، ونناشد الأشقاء والأصدقاء والدول المؤثرة للتدخل الصارم لوضع حدا للاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة، ولرعاية إبرام الاتفاقات الواقعية لإنهاء الحرب، إذ ليس من الواقعي ومن غير المجدي أن نفاوض من موقع ضعف أو انكسار، أو أن نستسلم مذعنين للعدوان، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتعامل بإيجابية مع سبل الخلاص دون أن نغرق في مواجهات مدمرة غير محسوبة النتائج أو نتراشق في ما بيننا ونترك العدو يمعن في هدم ديارنا وجرف قرانا، وعلينا أن نؤكد التفافنا حول الدولة وتأييدها في سعيها لإيقاف الحرب واستعادة الأرض وتأمين العودة الآمنة للنازحين الى ديارهم، ولكن من يضمن التزام إسرائيل بأي اتفاق؟ وهي الدولة العدوانية المتغطرسة، التي تحتم علينا أطماعها أن نبقى متيقظين ومتحدين، وأن نتيقن أن الوحدة الوطنية هي درعنا الأقوى، وأن التضامن الروحي والاجتماعي هو سلاحنا الامضى”.

أضاف: “رسالتنا هي التأكيد بأن التعدد ليس ترفا يجب تخطيه، بل شرف يجب أن نغنيه، على مساحة لبنان الكبير الذي ارتضاه لنا أجدادنا، حيث لا إلغاء لأي مكون لبناني مهما كان حجمه العددي أو لونه العقائدي، ولا تماهي مع المشروع الإسرائيلي المدمر للصيغة اللبنانية، بل جل ما نحتاجه هو عقل هادئ رصين، يعيد إحياء القاعدة الذهبية القائلة بواجب كل عائلة روحية المحافظة على شريكتها في الوطن، ويعيد إحياء الوعي اللبناني بضرورة التفاعل والتشارك لبناء الدولة وتحصين الوجود”.

وختم: “أكرر الترحيب بكم وأرجو الله أن يوفقنا لتحقيق ما نصبو إليه معا، وأشكر كل من ساعدنا في تحقيق هذا اللقاء، من أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة ومن الهيئة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي ومن الجميع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

بعد ذلك ألقيت كلمات لعدد من رؤساء الطوائف، فشكر البطريرك الراعي شيخ العقل على استضافة هذه القمة الروحية، التي “تأتي في وقت دقيق من حياة الوطن”، واستشهد بكلمة من الانجيل المقدس “ما أجمل أن يسكن الأخوة معا”، معتبرا ان هذه القمة “تعكس الأخوّة الحقيقية لصورة لبنان الناصعة، واهمية دوره ورسالته للشرق وللغرب”.

وشدد على “ضرورة تغليب روح الحوار الوطني والتمسك بقيام دولة قوية في لبنان تبسط سلطتها على كامل أراضيها”.

من جهته، وصف مفتي الجمهورية القمة بأنها “قمة الأمل والتفاؤل في زمن التحديات والعواصف والكوارث”. وقال: “يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. إن مشاركة أصحاب الغبطة والسماحة هو مصدر غنى وثراء للقمة، التي تعتبر صمام أمان لوحدة لبنان وشعبه واستقراره وأمانه وسلامته”.

أضاف: “يمر لبنان بظروف خطيرة وصعبة جراء العدوان الإسرائيلي الهمجي الذي يقتل أهلنا وشعبنا في كل لبنان، وهذا يتطلب منا أن نكون موحدين متضامنين لحفظ السلم الأهلي والعيش الواحد، لنستطيع مواجهة هذا العدوان الغاشم على شعبنا، وان التصدي له يكون بوحدة الكلمة والموقف والتكاتف”.

وختم: “كمرجعيات إسلامية ومسيحية، ندعو إلى التمسك بالدولة القوية العادلة ولا غنى عنها، لأن البديل سيكون الفوضى والاقتتال للداخل، ونحن لسنا دعاة ذلك. وندعو إلى الالتفاف حول مؤسساتنا وندعم ونؤيد مواقف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين”.

بدوره، قال نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: “القمة الروحية نرغب من خلالها توجيه رسالة وحدة وطنية جامعة في هذا الظرف الدقيق الذي يتعرض له لبنان، جراء العدوان الإسرائيلي الغاشم والمستمر منذ ثلاثة أشهر”.

أضاف: “إن وطننا بكامل أرضه ومكوناته في خطر شديد، إذا لم نتدارك الموقف على مختلف المستويات الرسمية والشعبية، لإنقاذ لبنان الذي ارتضيناه وطنا لجميع أبنائه. فلا يظنن أحد أنه بمنأى عن المشروع الصهيوني الهادف منذ تأسيس هذا الكيان إلى التوسع والسيطرة والهيمنة على هذه المنطقة”. وتابع: “نحن مع مشروع الدولة، وليس لدينا أي مشروع سياسي منفصل، لأن رأينا في الاجتماع السياسي يتنافى مع المشاريع السياسية القائمة على الاساس الطائفي والمذهبي، لأنها مشاريع عنصرية قائمة على أسس عصبية لا انسانية تتظلل المشروع الصهيوني في قيمه ومبادئه، وهي تتعارض على حد التناقض مع المبادئ الدينية القائمة على اساس القيم والمبادئ الأخلاقية. وعلى الرغم من كل الآلام والجراح التي تثخن أهلنا بسهامها المسمومة على مر الزمن، فإن ذلك لم ولن يثنينا عن التزام هذا الموقف. نحن مع مشروع الدولة القوية التي تحمي حدودها وأبناءها وتصون سيادة الوطن واستقلاله، وتستغل كل عناصر القوة التي تمتلكها من أجل هذا الغرض. نحن مع مشروع الدولة العادلة، دولة المواطنة التي لا تفرق بين أبنائها، لا فضل لأحد منهم على آخر، إلا بمقدار ولائه للوطن. الدولة التي تحترم الطوائف ولا تستقوي ببعضها على البعض الآخر، وانما الدولة التي تنبذ الطائفية، الدولة التي تستكمل تنفيذ اتفاق الطائف بكل مندرجاته ولا تنتقي منه ما يناسبها وتدع ما ليس كذلك”.

وقال البطريرك العبسي: “نريد من لقاءاتنا هذه أن تؤسس لمساحة بحث حقيقية، كيف نخاطب بعصنا بعضا وكيف يحترم بعضنا بعضا، في اللحظة التاريخية الحرجة والمصيرية، لا يجب ان يعلو صوت الانفعال والمشاعر المشحونة على صوت العقل والحكمة. إن الواجب الروحي والأخلاقي يدعونا اليوم أكثر من أي وقت مضى، الى توجيه ابنائنا وبث روح الحوار في نفوسهم تحت وطأة الأزمات ما يجمعنا من قيم روحية سامية سهرنا طويلا على دراستها وتحصيلها وحمايتها قيم جوهرية مثل احترام معتقد الآخر والتراحم والأخوّة الإنسانية الحقة والمواطنة”.

أضاف: “لنضع جميعا لبنان أولا، ولنضع أخي في الوطن أولا، ولنبدأ فورا كل من موقعه ومنطلقه بسحب فتيل التهجير، والتهدئة من النفوس والخطاب لأن النيران اذا اشتعلت لن ترحم أحدا والضرر سينال من الجميع دون استثناء. فلتكن هذه القمة المباركة بداية حقيقية لمسار طويل من التعاون، لا ختاما له، ولنعمل معا بشكل يومي دؤوب لرأب الصدع وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة”.

وقال رئيس المجلس الاسلامي العلوي: “في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، تبرز الحاجة إلى دور المرجعيات الروحية في تعزيز الحوار الوطني والوحدة الوطنية، وترسيخ قيم العيش الواحد ولا اسمّيه المشترك. وتشكل هذه القمة مساحة للتشاور وتوحيد المواقف حول الثوابت الوطنية، بما يسهم في تهدئة النفوس وتحصين المجتمع من الانقسامات والتوترات. كما تؤكد أن مسؤولية حماية الوطن ومواجهة التحديات هي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون جميع المكونات الوطنية”.

أضاف: “ان اجتماعنا اليوم يكتسب أهمية خاصة من خلال التركيز على المشتركات التي تجمع اللبنانيين، والدعوة إلى الحوار والتفاهم ونبذ خطاب الكراهية، بما يعزز الاستقرار والسلم الأهلي”.

بدوره، قال البطريرك كيشيشيان: “نوافق على الكلمات التي صدرت في القمة، لقد تحدثت عن الإنجيل المقدس، وعن اذا تداعى عضو في الجسم تداعى له سائر الأعضاء بالحمى، لذا نأمل للشهداء الذين قضوا في لبنان هم اخواننا وأخواتنا في الأمور الصعبة، واننا ندين كل عمل من قبل إسرائيل”. أضاف: “القمة رسالة لكل الناس والجميع واحد موحد، كل اعمال اسرائيل ليست ضد الجنوب بل ضد كل لبناني، رسالة للدول العربية لتأييد لبنان وسعيه لإنهاء الأزمة، رسالة لنثبت اننا مع الدولة. في الأسبوع الماضي التقى صاحب القداسة بقداسة البابا في الفاتيكان، وعبر عن تأييده الكامل للبنان والفاتيكان والدوائر فيها تؤيد لبنان، دائما وكل يوم كنا نبحث قضية لبنان، وهذه فرصة لتقوية الدولة اللبنانية والوقوف الى جانبها”.

ثم كانت مداخلات لعدد من رؤساء الطوائف، ليناقش بعد ذلك البيان الختامي للقمة.

وبعد اعلان شيخ العقل عن ختام الجلسة، شكر امين السر في المجلس المذهبي المحامي رائد النجار امام الاعلام باسم شيخ العقل الحضور والجهود التي بذلت لإنجاح القمة وإنجاز البيان الختامي، ثم تلا الوزير السابق عباس الحلبي باسم لجنة الحوار البيان الختامي للقمة الروحية، وجاء فيه:

“انطلاقا من الواجب الروحي والأخلاقي والوطني، التأمت القمة الروحية المسيحية – الإسلامية، يوم الثلاثاء الموافق في الثاني من شهر حزيران 2026 في دار طائفة الموحّدين الدروز في بيروت، بمشاركة الرؤساء الروحيين المسيحيين والمسلمين، وفي ختام القمة صدر البيان التالي: تداعى أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة الى عقد قمة روحية، رافعين الصلاة والدعاء إلى الله العلي القدير على نية لبنان وشعبه ولا سيما الشهداء والمصابين، وسائلينه أن يحفظ الوطن ويمنحه الأمن والاستقرار والسلام، معلنين تمسّكهم بالمبادئ الوطنية والروحية الجامعة، ومؤكدين على الثوابت التالية:

أولا: إن استفراد العدو الاسرائيلي مناطق محددة من لبنان في الجنوب والبقاع وبيروت قتلا وتهجيرا وتدميرا واحتلالا، لا يعني أن المناطق الأخرى من لبنان تعيش في أمن وسلام. فالعدوان الاسرائيلي على أي منطقة من لبنان هو عدوان على كل لبنان وعلى اللبنانيين جميعا. ثم إنه عدوان ينتهك سيادة الوطن وأمنه واستقراره وليس فئة محددة منه.

ثانيا: إن اللبنانيين، على تنوّع انتماءاتهم وعائلاتهم الروحية، يشكلون عائلة وطنية واحدة، يجمعها مصير مشترك ورسالة مشتركة، وهم جميعا معنيون بالدفاع عن بلدهم في إطار الدولة الحاضنة، حيث إنها الممثّل الشرعي الوحيد لهم، وهي مسؤولة عن الدفاع عنهم، وعن رد العدوان بقواها الذاتية وصمود شعبها، مستفيدة من صداقاتها وتحالفاتها العربية والدولية، ومن قوة الشرائع الدولية التي يقوم عليها النظام العالمي وميثاق الأمم المتحدة الذي كان للبنان شرف المساهمة في صياغته. ومن أسس وقواعد رد العدوان، التمسك بأهداب الوحدة الوطنية بين العائلات اللبنانية تحت مظلة الدولة الواحدة والدستور الواحد والميثاق الوطني الجامع. وفي هذا الشأن استذكر أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة بتقدير بالغ دعوة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر إلى اعتماد لغة الرجاء والحوار والوحدة، ويجددون التمسك برسالة لبنان التاريخية كأرض للقاء والحرية والتعددية والعيش المشترك، والعمل معا من أجل إنجاح مسيرة الإصلاح والإنقاذ وبناء دولة العدالة والمؤسسات، ليبقى لبنان منارة رجاء في الشرق، ونموذجا للسلام والتلاقي بين الشعوب والثقافات، وحاملا لرسالته الحضارية والإنسانية في خدمة قضايا الحق والعدالة والسلام في محيطه العربي والعالم.

ثالثا: إن الصوت الواحد والموحّد لأصحاب السماحة والغبطة والسيادة كان وسيبقى صوت الوحدة الوطنية التي تشكل رسالة الخير والمحبة بين اللبنانيين جميعا، والى العالم كله، بِما يعزز المودّة بين العائلات الروحية اللبنانية.

رابعا: إن أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة يؤكدون أن مواجهة العدوان الذي تعرض له لبنان – وما يزال – تتطلب وحدة وطنية راسخة عميقة وشاملة متجذرة في كيان الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، وينبثق منها، القرار الوطني السيادي الحر والجامع، بما يصون وحدة اللبنانيين ويحفظ مصالحهم ويرفع لواء رسالتهم المشتركة في العيش معا، أخوة متحابّين.

خامسا: إن الانتماء الوطني الصحيح يحتّم على الجميع رفض أي قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة وتعريض الوحدة الوطنية لخطر التشرذم والتمزّق. فلبنان واحد، أرضا وشعبا من أقصى جنوبه الى أقصى شماله. واللبنانيون، جميع اللبنانيين، عائلة واحدة بكل ما تزخر به من تنوع وتعدد”.

وخلصت القمة إلى التوصيات التالية:

“- التأكيد على اعتماد الحكمة والشورى في مقاربة القضايا المصيرية التي تواجه لبنان، وفي اتخاذ القرارات المرتبطة بموقف لبنان من النزاعات الإقليمية والدولية، بما يكفل استقلالية القرار الوطني، ويصون انتماءه العربي ودوره الحضاري، ويجنّبه تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية.

  • الالتفاف الوطني حول الدولة، وفق ما ينص عليه الدستور والميثاق الوطني، وما تقتضيه الشراكة الوطنية بين العائلات الروحية، وضرورة شد أزرها لتمكينها من القيام بواجباتها وتحمل مسؤولياتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، والتصدي للتحديات الوجودية التي تهدد الوطن وتنذر بعواقب وخيمة نتيجة توغل العدو الإسرائيلي في الداخل اللبناني، واستباحة أرضه وسيادته.

-مناشدة الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية والإنسانية الوقوف الى جانب لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، ومساندته في مواجهة النتائج الكارثية للعدوان الصهيوني والتصدي لأطماعه التوسعية، من خلال دعم المتضررين والمهجرين، وتأمين مقومات الصمود الكريم لهم، والمساهمة في إعادة إعمار القرى والبلدات المدمرة، بما يعيد الحياة إلى المناطق المنكوبة ويعزز ثبات المواطنين في أرضهم وتمسكهم بجذورهم.

  • تأييد الدولة في سعيها الدؤوب، عبر علاقاتها العربية والدولية، وتحت مظلة الشرعية الدولية، من أجل بلورة حلول تحفظ حقوق لبنان وتصون سيادته فوق كل حبة تراب من أرضه، والعمل الحثيث لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار والانسحاب التام لجيش العدو من الاراضي اللبنانية.
  • الدعوة إلى تعزيز ثقافة الولاء للوطن وقدسية الدفاع عنه وعن وحدته ضد أي عدوان، بما يعني ذلك من واجب الركون إلى الجيش اللبناني ومساندته للقيام بدوره الأساسي كسياج حافظ للوطن ولسيادته ووحدته الوطنية.
  • التأكيد على واجب الالتزام بالدستور والتمسك بفلسفته الوطنية الجامعة، والدعوة إلى التعاون لترجمة مضمون خطاب القسم لرئيس الجمهورية اللبنانية والبيان الوزاري لحكومة الإصلاح والإنقاذ، وإلى ترسيخ ميثاق الشراكة الروحية الوطنية بين العائلات اللبنانية، والتأكيد على أحقية الدولة في بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية كافة.
  • تجديد التمسك برسالة لبنان التاريخية بوصفه وطن الحرية والكرامة الإنسانية والتعددية الخلاقة والعيش المشترك، والعمل معا على ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح والتلاقي بين جميع أبنائه، واستكمال مسيرة الإصلاح والإنقاذ الوطني، وبناء دولة العدالة والقانون والمؤسسات، بما يلبي تطلعات اللبنانيين إلى مستقبل آمن ومستقر ومزدهر، مع ما تستوجبه تلك المهمة الشريفة من حوار وتفاهم وطنيين. -التأكيد على احترام الأديان والشرائع الدينية والمقامات الروحية والرموز الدينية والوطنية وصون كرامتها، ورفض أي إساءة إليها، لما تشكله من قيمة روحية ووطنية جامعة، والدعوة إلى التشدد في تطبيق القوانين المرعية الإجراء بحق كل من يعتدي على المقدسات أو يهدد السلم الأهلي ويعبث بوحدة المجتمع اللبناني.

-الدعوة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة الصادقة والولاء للبنان، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، ومساندة الجيش اللبناني والقوى الشرعية في أداء رسالتها الوطنية، بما يحفظ السيادة والاستقرار ويحصن الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات والمخاطر”.

بعد ذلك استضاف شيخ العقل المشاركين في القمة الى مائدة الغداء، التي حضرها المشاركون ونخبة من المدعوين من رجال الدين والقضاة، والقى خلالها كلمة عبر فيها عن امتنانه لنجاح القمة، شاكرا الحاضرين باسمائهم، وقال: “لقد أثبتنا معا اليوم أننا نحمل رسالة أخلاقية روحية واحدة جديرة بالتضحية والعمل الدؤوب، وأكدنا للمجتمع المحلي والدولي من خلال بيان القمة الختامي وموقفنا الوطني الموحد، أننا على قدر واف من المسؤولية في احتضان الوطن وتحصين السلم الأهلي ورعاية الوحدة الوطنية، إلى جانب الرؤساء الأكارم والقادة الوطنيين كوليد جنبلاط الذي يقوم بدور وطني وسيط وجامع، وأهل الفكر والإيمان والغيرة والحمية، وأننا مع الدولة السيدة المسؤولة نشد أزرها لتتمكن من القيام بواجبها الوطني والاجتماعي والأمني والسيادي”.

أضاف: “بوركتم أيها الأحبة، مشاركين في القمة، وضيوفا على مائدة الأخوة والمحبة، أهلا بكم في داركم التي تعتز بعلاقاتها الطيبة معكم ومع جميع أبناء الوطن، وتفخر بأن تكون دائما بخدمتكم وخدمة المجتمع اللبناني، علنا نتمكن معا من إضاءة شمعة الأمل وطرد كابوس الظلام واليأس والألم، والسير معا في ما يرضي الله سبحانه وتعالى ويحفظ شعبنا الغالي ووطننا الحبيب. بارك الله طعامكم وشرابكم، وأهلا وسهلا بالجميع”.

وختاما جرى التقاط الصورة التذكارية للرؤساء الروحيين والضيوف على درج دار الطائفة الدرزية الخارجي، فيما اعلن شيخ العقل عن مبادرات سيقوم بها بالتنسيق مع الرؤساء.

المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام