الإثنين   
   18 05 2026   
   1 ذو الحجة 1447   
   بيروت 05:55

العدو يواجه حرب استنزاف تعطل قدرته علــى الردع

تتحوّل الحرب “الإسرائيلية” على لبنان من محاولةٍ لاستعادة الردع إلى معركة استنزاف مفتوحة، تتآكل فيها قدرة “إسرائيل” على تحمّل الكلفة العسكرية والاقتصادية والنفسية، فيما يفرض حزب الله، بأدوات أقل كلفة، معادلة ضغطٍ طويلة الأمد تُربك حسابات الحسم في الجبهة الشمالي.

منذ اندلاع الحرب في 2 آذار 2026، سعى العدو إلى خوض معركة سريعة تعيد تثبيت مفهومه للردع على الجبهة الشمالية وتمنع تحوّل الحرب إلى استنزاف طويل عبر نجاحات سريعة، وقد عبر قادة العدو عن ذلك عبر اعتبارهم أن حزب الله أوقع نفسه في «فخ استراتيجي».. لكن المواجهات كشفت مساراً معاكساً، حيث بدأت جبهة لبنان تتحول تدريجياً إلى عبء عسكري واقتصادي ونفسي متواصل على “إسرائيل”، في ما يشبه «حرب استنزاف عكسي» تتآكل فيها قدرة الاحتلال على تحمّل الزمن أكثر من قدرته على إنتاج الحسم.

ورغم تفوق العدو على صعد كثيرة، وقدرته النارية الهائلة، وكثافة الغارات الجوية وعمليات الاغتيال والتوغلات داخل لبنان، فإن “إسرائيل” لا تدعي أصلاً أنها نجحت عسكرياً، من الحد من تهديد حزب الله العسكري، ولا من إنهاء وتيرة عمليات حزب الله، كما فشلت بعد مرور أكثر من 75 يوماً في تحقيق استقرار ميداني دائم على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. وهو ما جعل جيش العدو يطالب بمزيد من القوات، لكن صحيفة «غلوبس» العبرية قالت إن الجيش طالب برفع ميزانية الدفاع إلى 177 مليار شيكل (نحو 33 مليار دولار) بعد أن كانت محددة سابقاً بـ112 مليار فقط بفعل حجم الاستنزاف المتصاعد.

هذه الأرقام تعكس تحول الحرب من عملية ضغط محدودة إلى مواجهة طويلة الكلفة. وبحسب تقديرات نشرها إعلام اقتصادي عبري، فقد بلغت كلفة الحرب مع لبنان وإيران نحو 47 مليار شيكل، أي ما يقارب 15 مليار دولار خلال أسابيع قليلة فقط، مع تقديرات بأن ترتفع الكلفة كلما طال أمد المعارك. كما قدّرت الحكومة “الإسرائيلية” أن يوماً واحداً من القتال يكلّف نحو 1.5 مليار شيكل (نحو 420 مليون دولار) على المستوى العسكري وحده.

المسيّرات ترفع الكلفة
الكلفة لا تخص العمليات العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضاً الإنفاق الهائل على الدفاع الجوي واستدعاء الاحتياط (وفق صحيفة «ذي ماركر»، تصل تكلفة إبقاء عشرات آلاف جنود الاحتياط في الخدمة إلى نحو 3.2 مليار شيكل شهرياً (نحو 920 مليون دولار)»، وتمويل الإخلاء والتعويضات. وتشير التقارير “الإسرائيلية” إلى أنّ وزارة المالية باتت تواجه تضخماً متسارعاً في نفقات الحرب وعجزاً متزايداً في الموازنة، مع تخصيص عشرات مليارات “الشواكل” الإضافية للجيش خلال أشهر قليلة فقط.

من مفارقات الحرب الحالية، دور المسيّرات الانقضاضية والصواريخ القصيرة والمتوسطة الكلفة التي يستخدمها حزب الله، وهي تُجبر “إسرائيل” على تشغيل منظومات دفاع باهظة الثمن بصورة يومية، ما يحوّل الاستنزاف الاقتصادي إلى جزء أساسي من المعركة. وهذا ما دفع جيش الاحتلال إلى إطلاق خطة إعادة بناء استراتيجية لعشر سنوات بقيمة تصل إلى 350 مليار شيكل (نحو 100 مليار دولار)، استناداً إلى «دروس الحرب في لبنان وغزة وإيران»، بحسب ما نقلته القناة 13 العبرية.

إضافة إلى ذلك، أقرّ الكنيست “الإسرائيلي” في آذار الماضي ميزانية دفاع قياسية مع زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري. وبلغ إجمالي الإنفاق المقترح لعام 2026 نحو 850 مليار شيكل (نحو 240 مليار دولار)، فيما وصفت وسائل إعلام إسرائيلية مخصصات وزارة الدفاع بأنها «الأكبر في تاريخ “إسرائيل” الحديث». كما وافقت حكومة نتنياهو قبل أيام على تخصيص نحو 700 مليون دولار لتطوير تقنيات وأنظمة حماية للجنود من المسيّرات التابعة لحزب الله، بعد تصاعد الخسائر الناتجة عن الهجمات الجوية بالطائرات المسيّرة في جنوب لبنان.

أزمة ثقة متفاقمة
أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فتبدو الجبهة الشمالية أمام أزمة ثقة متفاقمة. فحال الاستنفار الدائم، وصفارات الإنذار المتكررة، واستمرار النزوح الجزئي من المستوطنات الحدودية، كلها عوامل بدأت تنعكس بوضوح على النقاش الداخلي “الإسرائيلي”. ولم يعد السؤال الأساسي داخل الإعلام العبري يدور فقط حول «كيفية ضرب حزب الله»، بل حول قدرة الحكومة على إعادة المستوطنين إلى حياتهم الطبيعية وضمان الأمن طويل الأمد في الشمال.

المشكلة الإسرائيلية لم تعد مرتبطة بحجم النيران القادمة من لبنان، بل بطبيعة الحرب نفسها. إذ تجد إسرائيل نفسها اليوم أمام نمط قتال يقوم على الضغط التراكمي والاستنزاف طويل الأمد. ومع مرور الوقت، يتحول غياب الحسم بحد ذاته إلى أزمة ردع، لأن استمرار العمليات رغم كثافة القصف والاغتيالات يوحي بأن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يكفي وحده لإنهاء التهديد.

من هنا، تبدو الحرب الحالية أقرب إلى صراع على «القدرة على الاحتمال» أكثر من كونها مواجهة تقليدية على السيطرة الميدانية. فكل يوم إضافي من الحرب يضيف كلفة جديدة على الاقتصاد والجيش والمجتمع “الإسرائيلي”، ويحول الجبهة الشمالية تدريجياً من ملف أمني قابل للاحتواء إلى أزمة استراتيجية مفتوحة على الزمن.

الاستنزاف.. متبادَل
ولفهم طبيعة المواجهة الحالية، يمكن إضافة بُعد أساسي يتمثل في أن «الاستنزاف المتبادل» نفسه يُعدّ، وفق منطق الحروب اللامتماثلة، نقطة تُحسب لصالح حزب الله أكثر مما تُحسب لـ”إسرائيل”. فالحروب غير المتماثلة لا تُقاس عادةً بحجم القوة النارية أو التفوق التكنولوجي فقط، بل بقدرة الطرف الأضعف على منع الطرف الأقوى من تحقيق الحسم السريع وفرض كلفة متواصلة عليه مع مرور الوقت.
وعليه، تبدو المقارنة بين إمكانيات الطرفين شديدة الدلالة. يعد جيش الاحتلال من أكثر الجيوش تطوراً في المنطقة، مستفيداً من تفوق جوي واستخباري ومنظومات دفاع متعددة الطبقات، إضافة إلى دعم أميركي واسع. في المقابل، يعتمد حزب الله على تكتيكات الحرب اللامركزية والمسيّرات والصواريخ والكمائن النارية. ورغم محدودية كلفتها المادية مقارنة بالقدرات “الإسرائيلية”، فإن هذه الأدوات تتيح له فرض استنزاف تدريجي وإرباك مستمر على الجبهة الشمالية.

وتظهر الشواهد الميدانية منذ آذار 2026 أن “إسرائيل”، رغم تفوقها العسكري الساحق، لم تتمكن من وقف عمليات المقاومة اليومية أو إعادة الاستقرار الكامل إلى الجبهة الشمالية، وهو ما دفع وسائل إعلام عبرية إلى الحديث عن «حرب استنزاف مفتوحة» بدل الحديث عن حسم قريب. كما نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مسؤولين عسكريين “إسرائيليين” خشيتهم من تحوّل الشمال إلى «نزيف دائم» يستنزف الجيش والاقتصاد والاحتياط لمدة طويلة.

ويستند هذا المنطق أيضاً إلى تجارب تاريخية مشابهة في الحروب اللامتماثلة، حيث لا يحتاج الطرف الأضعف إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي بقدر ما يحتاج إلى الصمود ومنع خصمه من فرض أهدافه السياسية والعسكرية. وهو ما عبّر عنه الباحث “الإسرائيلي” في شؤون الأمن القومي إيال زيسر حين أشار في مقالة تحليلية إلى أنّ «الخطر الحقيقي يكمن في الحرب الطويلة التي تستنزف إسرائيل دون حسم واضح».

وعليه، فإن مجرد انتقال إسرائيل من موقع «الضربة الحاسمة» إلى موقع «إدارة الاستنزاف» يحمل دلالة استراتيجية مهمة بالنسبة إلى حزب الله. فكلما طال أمد الحرب دون قدرة “إسرائيل” على إنهائها أو إعادة الشمال إلى حال الاستقرار الكامل، تراجعت فعالية التفوق العسكري التقليدي، وازدادت أهمية عنصر الزمن بوصفه سلاحاً بحد ذاته.

صراعات نتنياهو ومستوطني الشمال: مناطق عسكرية ووعود مالية
برغم التعتيم الكبير الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الأحوال العسكرية والمدنية في المستوطنات الشمالية نتيجة المواجهات مع حزب الله، إلا أن ضغط المستوطنين يتعاظم ضد الحكومة على خلفية مطالبتهم بإصدار قرار حكومي يقضي بتمويل عملية نزوحهم إلى مناطق بعيدة عن ساحة المعركة. وهو ما يرفضه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وكذلك قادة جيشه. والسبب يتعلق في جانب منه بالمتطلبات المالية لمثل هذا القرار، لكن الجانب السياسي هو الأهم، إذ تعتبر إسرائيل عملية النزوح نجاحاً لحزب الله.

وفي ظل الجداول حول المساعدات التي تعرضها الحكومة على المستوطنين، أمر نتنياهو أمس بسحب بند من جدول أعمال حكومته، يتعلق بخطة تخصيص ميزانية لإعادة إعمار وتطوير الجبهة الشمالية، البالغة قيمتها 5 مليارات “شيكل” (1.3 مليار دولار)، واعداً ببحثها في “اجتماع حكومي احتفالي استثنائي” يُعقد في المنطقة الشمالية. وهو قرار جاء بعد فشل التوصل إلى اتفاق حول بنود الخطة التي اعتبرها المستوطنون غير ملبية للاحتياجات الملحة للمنطقة.

ورغم ضخامة الأرقام، فإن المعنيين في كيان العدو يقدرون بأنها لن تحقق نتائجها إلا بعد سنوات، ولا تقدم حلولاً فورية لمئات آلاف المستوطنين الذين يعيشون في ظل تدهور أمني مستمر. ويطالب قادة هؤلاء بصرف ميزانية إضافية متأخرة منذ أكثر من عام بقيمة 3 مليارات “شيكل” (1 مليار دولار) لإعادة الإعمار، وسط مخاوف من عجز “حكومة نتنياهو” عن تنفيذ القرار قبل احتمال حلّها.

ويترافق ذلك، مع توجيه المستوطنين اتهامات للحكومة بأنها تعمل على “تطبيع الواقع الأمني الخطير” عبر إبقاء التعتيم على حجم هجمات حزب الله، والتي تجسدت مؤخراً في سقوط طائرة مسيّرة مفخخة في بساتين كيبوتس “ساسا” بالجليل الأعلى على بعد أمتار من العمال دون تفعيل صفارات الإنذار، مما عمّق انعدام الشعور بالأمان في وقت مددت فيه الولايات المتحدة “وقف إطلاق النار” الروتيني لمدة 45 يوماً إضافية.

علماً أن قيادة العدو الشمالية فرضت إغلاقاً عسكرياً على كل الساحل، إلا أن الخلافات تفجرت مع المستوطنين جراء إصرار جيش العدو على إبقاء موقع سياحي قرب الناقورة مفتوحاً كمنطقة مدنية، رغم تعرضه لقصف مباشر بطائرة مسيّرة أسفر عن إصابة ثلاثة موظفين، وسط اتهامات لجيش العدو بالمخاطرة بأرواح الزوار وتبني قرارات ذات أبعاد سياسية وليست أمنية.

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية