السبت   
   16 05 2026   
   28 ذو القعدة 1447   
   بيروت 12:19

خاص | التنافس الأميركي–الصيني وإعادة تشكيل النظام الدولي: التكنولوجيا، الطاقة والممرات

محمد أحمد حمود

أولاً: بين التنافس والتفاهم: العلاقات الأميركية–الصينية في ظل التحولات العالمية

تشهد العلاقات الأميركية–الصينية في المرحلة الراهنة تحولات عميقة تتجاوز منطق التنافس الاقتصادي التقليدي، لتأخذ شكل صراع بنيوي متعدد الأبعاد يتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي وتوازنات القوة العالمية. وفي هذا السياق، تبرز زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أزمات الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما في ظل التوتر حول مضيق هرمز والعدوان الأميركي–الإسرائيلي ضد إيران، بما يعكس ترابط الملفات الإقليمية بالنظام الدولي الأوسع.

لم تعد العلاقات بين واشنطن وبكين محصورة في إطار اقتصادي بحت، بل أصبحت تمتد إلى مجالات استراتيجية تشمل التكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، القوة العسكرية، والممرات البحرية الحيوية مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق هرمز. فالصراع على التكنولوجيا لم يعد مجرد تنافس صناعي، بل تحول إلى أداة مركزية في إعادة تعريف القوة العالمية، في حين باتت القضايا العسكرية والبحرية جزءًا من معادلة الردع المتبادل بين القوتين.

وفي موازاة ذلك، تعكس مبادرة “الحزام والطريق” التمدد الجيوسياسي الصيني من آسيا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، في مقابل محاولات أميركية لإعادة ضبط مسارات التجارة العالمية والحد من النفوذ الصيني المتصاعد. كما يبرز البعد الأوراسي في العلاقة مع روسيا وإيران بوصفه عنصرًا أساسيًا في إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تتقاطع اعتبارات أمن الطاقة والموقع الجغرافي والتحالفات الاستراتيجية في صياغة توازنات جديدة للنظام الدولي.

وانطلاقًا من هذا التشابك بين الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والجغرافيا السياسية، يطرح هذا البحث إشكالية مركزية تتعلق بطبيعة التحول في العلاقات الأميركية–الصينية:

هل نحن أمام إعادة إنتاج للنظام الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة، أم أمام انتقال تدريجي نحو نظام دولي تعددي تتقاسم فيه الصين مركز القيادة مع قوى دولية وإقليمية صاعدة؟ كما يثير البحث تساؤلات فرعية حول حدود الصراع التكنولوجي والعسكري بين القوتين، ودور الممرات البحرية وأمن الطاقة في تشكيل مستقبل النظام الدولي.

ثانياً: خلفية تاريخية للعلاقات الأميركية–الصينية (من القطيعة الى التنافس الإستراتيجي)

تُعدّ العلاقات الأميركية–الصينية من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا وتحولًا في النظام العالمي المعاصر، إذ مرّت بمراحل متناقضة بين العداء والانفتاح ثم الشراكة فالتنافس. ولم تكن هذه العلاقة ثابتة، بل خضعت لتحولات عميقة ارتبطت بتغير موازين القوى وتبدّل المصالح الدولية منذ منتصف القرن العشرين.

بدأت مرحلة القطيعة بين البلدين عام 1949 مع قيام جمهورية الصين الشعبية، حيث اتبعت الولايات المتحدة سياسة عدم الاعتراف ببكين، مفضّلة دعم الحكومة القومية في تايوان، ما جعل العلاقة تدخل في إطار الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي. واستمر هذا الجمود لعقود طويلة اتسمت بانعدام التواصل الدبلوماسي المباشر بين القوتين.

ووفقًا لما يورده موقع History.com، فإن هذا الوضع شهد تحولًا جذريًا في مطلع السبعينيات مع ما عُرف بـ”دبلوماسية كرة الطاولة”، التي مهّدت لزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، والتي شكّلت بدورها نقطة انعطاف تاريخية أنهت مرحلة العزلة وفتحت الباب أمام إعادة بناء العلاقات على أسس براغماتية جديدة قائمة على المصالح المشتركة بدل العداء الإيديولوجي.

وفي عام 1979، شهدت العلاقات مرحلة أكثر تقدمًا مع اعتراف الولايات المتحدة رسميًا ببكين كحكومة شرعية للصين في عهد الرئيس جيمي كارتر، مع الإبقاء على علاقات غير رسمية مع تايوان. ومنذ ذلك التاريخ، استقرت العلاقة على مبدأ “الصين الواحدة”، الذي أصبح حجر الأساس في التفاهمات السياسية بين الجانبين.

ومع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين، دخلت العلاقات مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي المتسارع، حيث تحولت الصين تدريجيًا إلى أحد أهم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. وقد تعزز هذا المسار بشكل كبير بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، ما أدى إلى تعميق الارتباط الاقتصادي بين البلدين ضمن منظومة العولمة.

غير أن هذا التعاون لم يُنهِ التوترات السياسية، إذ بدأت مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي تتبلور مع مطلع القرن الحادي والعشرين، خاصة في مجالات التكنولوجيا، الأمن، والتوسع الجيوسياسي في آسيا والمحيط الهادئ. وهكذا، انتقلت العلاقة من منطق الشراكة الاقتصادية إلى منطق التنافس على قيادة النظام الدولي.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العلاقات الأميركية–الصينية لم تكن يومًا علاقة مستقرة، بل مسارًا متحركًا يجمع بين التعاون والصراع، ويتحدد أساسًا وفق توازنات القوة والمصالح الاستراتيجية، أكثر من ارتباطه بالاختلافات الأيديولوجية.

وفي هذا السياق، برزت الاستراتيجية الأميركية، عبر هنري كيسنجر، القائمة على إيجاد شرخ بين الاتحاد السوفياتي والصين، لذلك عمدت الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقتها مع الصين في عهد ريتشارد نيكسون بهدف عزلها عن الاتحاد السوفياتي. فهناك دائمًا هدف أميركي يقوم على إبقاء القوى الصاعدة أو القوى العالمية متفرقة، حتى لا تقف في مواجهة الولايات المتحدة. أمّا اليوم، فإنّ تقارب الصين وروسيا وإيران يشكّل تحدّيًا للولايات المتحدة، لأن هذه القوى باتت متفقة بدل أن تكون متفرقة.

ثالثاً: القمة الأميركية – الصينية: صراع النفوذ وإعادة تشكيل النظام الدولي

في ظلّ تصاعد التوترات الدولية وتداخل الأزمات الإقليمية مع التنافس بين القوى الكبرى، تكتسب القمة بين واشنطن وبكين أبعادًا تتجاوز إطارها الثنائي التقليدي، لتتحول إلى محطة مفصلية في إدارة النظام الدولي.

في هذا الإطار، تشير الكاتبة Cate Cadell في صحيفة The Washington Post إلى أن القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ التي عقدت في سياق دولي بالغ التعقيد، تتصدره تداعيات الحرب في إيران وأزمة الملاحة في منطقة الخليج، ولا سيما في مضيق هرمز. ويُبرز المقال أن هذه التطورات دفعت الملف الإيراني ليصبح جزءًا أساسيًا من أجندة القمة، إلى جانب القضايا التقليدية مثل التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

وفي هذا الإطار، يتحدث الخبير في الشؤون الأميركية علي مراد لموقع المنار الإلكتروني، حيث يشير إلى أن الصين تنظر إلى تمدد النفوذ الأميركي، خصوصًا في محيطها الآسيوي، باعتباره تهديدًا مباشرًا لمشروعها الصاعد، فيما تسعى واشنطن إلى كبح هذا الصعود عبر أدوات متعددة تشمل التكنولوجيا والتحالفات العسكرية والضغوط الاقتصادية.

يضيف مراد أن القمة الأميركية–الصينية تأتي بوصفها محاولة لإدارة هذا الصراع لا حسمه، إذ يدرك الطرفان أن الاقتصاد العالمي مترابط إلى درجة تجعل المواجهة الشاملة مكلفة للطرفين. ومن هنا، تتحول القمم إلى مساحة لتثبيت “توازن تنافسي” بدل الانزلاق إلى صدام مباشر. غير أنّ جوهر الإشكالية يبقى قائمًا: هل نحن أمام إعادة إنتاج للأحادية الأميركية بصيغة معدلة، أم أمام انتقال تدريجي نحو نظام دولي تعددي تتقاسم فيه الصين مركز القيادة مع الولايات المتحدة وقوى صاعدة أخرى؟

أما موقع China Daily يتناول زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين بوصفها محطة دبلوماسية ضمن سياق معقّد من التنافس والتعاون بين بكين وواشنطن، ويرى المقال أن هذه الزيارة تعكس حاجة متبادلة للحوار من أجل تفادي اضطراب أكبر في الاقتصاد العالمي، حيث تسعى الصين إلى تعزيز الاستقرار في العلاقات الثنائية عبر “الحوار الاستراتيجي”، مع اعتماد مقاربة متوازنة في القضايا الدولية، بما في ذلك الملف الإيراني، من خلال تجنّب التصعيد المباشر والحفاظ على مصالحها المتعددة.

ويخلص المقال إلى أن الزيارة تعبّر عن مرحلة “إدارة التنافس” بين القوتين، حيث تتداخل فيها عناصر الصراع والتنسيق الجزئي بدل المواجهة أو الشراكة الكاملة.

رابعاً: إيران في الاستراتيجية الصينية – الروسية: عقدة الطاقة والجغرافيا السياسية

تحتل إيران موقعًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، ليس فقط بوصفها مصدرًا للطاقة، بل كعنصر جيوسياسي في مواجهة التمدد الأميركي في أوراسيا. فبالنسبة لبكين، تشكل إيران حلقة أساسية في مشروع “الحزام والطريق”، كما تمثل حاجزًا استراتيجيًا يمنع وصول النفوذ الأميركي إلى آسيا الوسطى، القريبة من المجال الحيوي الصيني، وفي هذا السياق، يشير الباحث علي مراد، إلى أن روسيا، تنظر بدورها إلى إيران باعتبارها امتدادًا جغرافيًا لأمنها القومي، خاصة في ظل موقعها المطل على بحر قزوين وقربها من حدود الجنوب الروسي. لذلك، فإن أي تحول في إيران باتجاه الغرب أو سقوطها ضمن النفوذ الأميركي سيعني اختراقًا مباشرًا للمجال الأوراسي الروسي–الصيني المشترك.

ويتابع مراد ويضيف أن هذا التقاطع في المصالح يفسر مستوى التنسيق غير المعلن بين موسكو وبكين في دعم استقرار إيران، ليس انطلاقًا من اعتبارات أيديولوجية، بل من منطق توازن القوى ومنع إعادة تطويق أوراسيا من قبل الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور نبيل سرور أن إيران تحتل موقعًا محوريًا في التوازنات الجيوسياسية الدولية، إذ تمثل في الحسابات الصينية والروسية أكثر من مجرد دولة إقليمية، لتتحول إلى ركيزة في مشروع تعددية الأقطاب ومواجهة الهيمنة الأميركية. فإيران تُعدّ حلقة أساسية في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، كما تشكل حاجزًا جغرافيًا واستراتيجيًا يمنع تمدد النفوذ الأميركي نحو آسيا الوسطى، القريبة من المجال الحيوي الصيني.

وتبرز أهميتها أيضًا يضيف الدكتور سرور من خلال موقعها في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، ما يمنحها قدرة تأثير مباشرة على أسواق الطاقة الدولية. كما تمتلك إيران شبكة من التحالفات الإقليمية غير المتمركزة التي تمنحها عمقًا استراتيجيًا خارج حدودها، وتحوّلها إلى عنصر ضغط في معادلات الأمن الإقليمي.

أما روسيا، فتنظر إلى إيران باعتبارها امتدادًا لأمنها القومي في الجنوب، نظرًا لموقعها على بحر قزوين وقربها من الحدود الروسية، ما يجعل أي تغيير جذري في وضع إيران تهديدًا مباشرًا للمجال الأوراسي المشترك بين موسكو وبكين.

ويذهب باحثون إلى التأكيد أنّ إيران واجهت الولايات المتحدة بقدراتها الذاتية، من خلال النظام الصاروخي المحلي الصنع ونظام الدفاع الجوي، بعيدًا عن المبالغات التي يصوغها بعض المحللين حول وصول ترسانات روسية وصينية إلى طهران.

وعليه، فإن إسقاط إيران أو إضعافها بشكل كبير لن يكون حدثًا إقليميًا فقط، بل سيحمل رسالة استراتيجية إلى الصين وروسيا مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على تفكيك أهم حلفاء المحور الأوراسي، ما يعني إمكانية تهديد خطوط الطاقة الصينية، وإعادة رسم موازين الردع في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما يعزز منطق الهيمنة الأميركية في النظام الدولي.

خامساً: التفوق التكنولوجي والعسكري في الصراع الأميركي–الصيني

في ظل تصاعد التنافس الأميركي–الصيني، برز التفوق التكنولوجي والفضاء السيبراني بوصفهما عنصرين أساسيين في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.

في دراسة بعنوان”الإحلال الاستراتيجي: سعيُ الصين إلى أدوات الضغط والإكراه في عصر المعلومات” نشرتها الباحثة فيونا كانينغهام عام 2022 في مركز مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية التابع لجامعة Harvard University، تتناول الباحثة التحول في الاستراتيجية الصينية تجاه الولايات المتحدة، ولا سيما بعد حادثة القصف الأميركي للسفارة الصينية في بلغراد عام 1999. وترى الدراسة أنّ بكين أدركت محدودية قدرتها على مواجهة التفوق العسكري الأميركي التقليدي، ما دفعها إلى تطوير أدوات بديلة في إطار ما تسميه «الإحلال الاستراتيجي».

وتوضح الدراسة أنّ الصين اتجهت إلى الاستثمار في أدوات عصر المعلومات، مثل الهجمات السيبرانية، والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، والقدرات الصاروخية الدقيقة، بهدف خلق قدرة ردع وضغط استراتيجي في مواجهة واشنطن، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي. كما تشير الباحثة إلى أنّ الصين سعت إلى الجمع بين هذه القدرات التكنولوجية ووضعيتها النووية الردعية من أجل تعويض الفجوة التقليدية مع الولايات المتحدة، دون الانزلاق إلى مواجهة نووية مباشرة.

وتخلص الدراسة إلى أنّ الصراع الأميركي–الصيني لم يعد قائمًا فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل أصبح مرتبطًا بالتفوق التكنولوجي والسيطرة على الفضاء المعلوماتي والقدرات السيبرانية، بوصفها أدوات رئيسية في إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام الدولي المعاصر.

في هذا الإطار يرى الباحث علي مراد أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها عبر تقييد وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد الحيوية، خصوصًا في مجال الرقائق الإلكترونية، الذي يُعد العمود الفقري للصناعات العسكرية والذكاء الاصطناعي. في المقابل، تعمل بكين على تطوير بدائل محلية وتقليل الاعتماد على الغرب، مع الاستثمار المكثف في البحث العلمي والتكنولوجيا المتقدمة.

هذا الصراع لم يعد اقتصاديًا فقط، بل تحول إلى ما يشبه “اقتصاد الحرب الباردة الجديدة”، حيث تصبح التكنولوجيا ساحة المواجهة الأساسية بين القوتين، بما يعكس انتقال التنافس الدولي من المجال العسكري التقليدي إلى المجال الرقمي والمعرفي.

ووفق ما يراه الباحث في الشؤون الأمريكية الدكتور علي رزق في حديثه لموقع المنار الإلكتروني، فقد شهدت الصين منذ وصول شي جين بينغ إلى الحكم تحولًا ملحوظًا في مقاربتها للقدرات العسكرية، إذ انتقلت من التركيز التقليدي على الاقتصاد كركيزة أساسية لقوتها إلى تعزيز متزايد للقوة العسكرية، من دون أن تتخلى عن مركزية البعد الاقتصادي. وقد تجسد هذا التحول في تطوير الجيش الصيني وتحديث بنيته بشكل واسع، إلى جانب الاستثمار في مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، الذي بات جزءًا أساسيًا من منظومة الاستعداد لأي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة.

سادساً: بحر الصين الجنوبي وتايوان: صراع الممرات البحرية والهيمنة العسكرية

يمثل بحر الصين الجنوبي أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة المتجهة إلى الصين. لذلك تعتبره بكين جزءًا من أمنها القومي، وتسعى إلى فرض سيطرة تدريجية عليه، في مواجهة اعتراضات إقليمية ودولية.

في دراسة صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (Council on Foreign Relations – CFR) عام 2026، ضمن مادة تحليلية أعدّها باحثو المركز حول علاقات الصين وتايوان، تُعرض تايوان بوصفها إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في العلاقات الأميركية–الصينية، نظرًا لأهميتها الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية في شرق آسيا.

وتشير الدراسة إلى أنّ الصين تعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتؤكد التزامها بإعادة توحيدها مع البرّ الصيني، بما في ذلك خيار استخدام القوة. كما توضّح أنّ التوتر تصاعد منذ عام 2016 مع ازدياد النزعة التايوانية نحو الاستقلال، ما دفع بكين إلى تكثيف الضغوط العسكرية والسياسية على الجزيرة عبر المناورات العسكرية وسياسات «المنطقة الرمادية» التي تهدف إلى الإكراه دون حرب مباشرة.

وتبرز الدراسة أيضًا البعد الاقتصادي الاستراتيجي لتايوان، كونها مركزًا عالميًا لصناعة أشباه الموصلات، ما يجعلها عنصرًا حاسمًا في سلاسل الإمداد التكنولوجية العالمية. كما تؤكد أنّ الولايات المتحدة تنظر إلى تايوان كجزء أساسي من استراتيجية احتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يجعل أي تصعيد حولها قابلًا للتحول إلى مواجهة دولية واسعة تؤثر في توازن النظام الدولي.

في المقابل، يقول الباحث علي مراد ان الولايات المتحدة تعتمد استراتيجية “حرية الملاحة” لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بهدف تطويق الصين والحد من تمددها البحري. ويتداخل هذا الصراع بشكل مباشر مع قضية تايوان، التي تُعدّ نقطة اشتباك استراتيجية بين الطرفين، حيث تنظر إليها بكين كجزء من أراضيها، بينما تدعمها واشنطن سياسيًا وعسكريًا كأداة لاحتواء الصين.

هذا التداخل بين بحر الصين الجنوبي وتايوان يجعل من منطقة المحيطين الهندي والهادئ بؤرة التوتر الرئيسية في النظام الدولي، وقد تكون الشرارة المحتملة لأي تحول استراتيجي كبير في ميزان القوى العالمي.

في هذا الإطار يقول الدكتور سرور أن بحر الصين الجنوبي يشكل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره أكثر من نصف التجارة العالمية، وثلث الشحن البحري الدولي. كما تعتمد الصين عليه بشكل مباشر في تأمين ما يزيد عن 80% من وارداتها الطاقوية، ما يجعله شريانًا حيويًا لأمنها الاقتصادي والوطني.

من الناحية الجيوسياسية، يشكل هذا البحر نقطة التقاء بين المحيطين الهندي والهادئ، ما يمنحه أهمية عسكرية مضاعفة، إذ إن السيطرة عليه تعني التحكم بخطوط التجارة العالمية وقدرات الانتشار البحري في آسيا.

يتجلى الصراع بين الصين والولايات المتحدة في هذا المجال من خلال تضارب الرؤى: فبكين تعتبر أجزاء واسعة من البحر ضمن سيادتها التاريخية، وقد أنشأت جزرًا اصطناعية وقواعد عسكرية لتعزيز نفوذها، بينما ترفض واشنطن هذه الادعاءات، وتؤكد على مبدأ “حرية الملاحة”، مع نشر قواتها البحرية بشكل دوري في المنطقة.

وبين هذا وذاك، يتحول بحر الصين الجنوبي إلى ساحة احتكاك دائمة، ليس فقط حول السيادة، بل حول مستقبل النظام البحري العالمي، حيث تسعى الصين إلى تأمين عمقها البحري ومنع تطويقها، فيما تعمل الولايات المتحدة على منع تحوله إلى “بحيرة صينية”، حفاظًا على توازن القوى في آسيا.

أن قضية تايوان لا تُقرأ بمعزل عن مسار التحولات الكبرى في النظام الدولي يضيف الدكتور سرور، بل بوصفها عقدة استراتيجية تختصر تداخل السيادة بالتكنولوجيا وبموازين الردع بين الصين والولايات المتحدة. فتصاعد التوتر حولها يعكس، وفق قراءته، انتقال الصراع من مجرد تنافس إقليمي إلى اختبار مباشر لحدود الهيمنة الأميركية وصعود الصين، بما يجعل أي انفجار في هذا الملف قابلًا لإعادة تشكيل النظام الدولي برمته خلال السنوات المقبلة.

سابعاً: الحزام والطريق: التمدد الاقتصادي الصيني من آسيا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية

تعتمد الصين في توسعها العالمي على استراتيجية “الحزام والطريق”، التي تمثل الإطار الأكبر لإعادة ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكات النقل والبنية التحتية. وقد نجحت بكين في توسيع نفوذها الاقتصادي من خلال الاستثمار في الموانئ والطرق والاتصالات، بدل اللجوء إلى القوة العسكرية.

في دراسة منشورة على موقع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPSS) عام 2020 بعنوان “مبادرة الحزام والطريق: تحليل”، حيث تشير الدراسة إلى أنّ مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقتها الصين عام 2013، تهدف إلى تعزيز النفوذ الاقتصادي الصيني عبر إنشاء شبكات واسعة من الممرات البرية والبحرية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. كما توضح أنّ المشروع يقوم على توسيع الاستثمارات في البنية التحتية والموانئ والطاقة والاتصالات، بما يعزز الترابط الاقتصادي بين الصين والدول المشاركة ويكرّس حضورها كقوة اقتصادية عالمية صاعدة.

وتضيف الدراسة أنّ المبادرة لا تحمل بعدًا اقتصاديًا فحسب، بل تنطوي أيضًا على أبعاد جيوسياسية، إذ تسهم في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية من خلال تعميق الاعتماد المتبادل بين الصين وشركائها، ومنح بكين نفوذًا طويل الأمد في مناطق استراتيجية تمتد من آسيا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية.

ومن جهة أخرى، يضيف الباحث مراد أنّ هذا التمدد الصيني في أفريقيا وأميركا اللاتينية استفاد من تراجع الثقة بالسياسات الغربية، ما دفع العديد من الدول إلى النظر إلى الصين كشريك تنموي بديل. وقد ساهم ذلك في تعزيز الحضور الاقتصادي والسياسي لبكين في هذه المناطق، الأمر الذي أثار في المقابل قلق الولايات المتحدة، ودفعها إلى إطلاق مشاريع ومبادرات مضادة تهدف إلى تقليص النفوذ الصيني وإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

وبذلك، يتضح أنّ مبادرة «الحزام والطريق» لم تعد مشروعًا اقتصاديًا بحتًا، بل تحوّلت إلى أداة جيوسياسية لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي وإعادة توزيع موازين القوة الدولية.

في هذا السياق، يذهب الدكتور نبيل سرور إلى أنّ مبادرة «الحزام والطريق» تُعدّ من أبرز المشاريع الجيوسياسية للصين في العصر الحديث، إذ أسهمت في تحويل بكين إلى فاعل اقتصادي عالمي مركزي عبر ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا بشبكات واسعة من الموانئ والبنية التحتية والممرات التجارية.

اقتصاديًا، أدت المبادرة إلى تعزيز موقع الصين كأكبر شريك تجاري لعدد من الدول النامية، وتوسيع استثماراتها في القطاعات الحيوية، بما خلق أشكالًا من الاعتماد الطويل الأمد على الاقتصاد الصيني، إضافة إلى المساهمة في تدويل اليوان كعملة صاعدة في النظام المالي العالمي.

سياسيًا، يرى سرور أنّ المبادرة عززت مكانة الصين كقوة عالمية بديلة من خلال بناء شبكات تعاون ومؤسسات متعددة الأطراف، مثل منتدى التعاون الصيني–الأفريقي، ومبادرات التنمية والأمن العالمي، إلا أنّ هذا التوسع الاقتصادي لم يتحول بالضرورة إلى اصطفاف سياسي كامل مع بكين، إذ ما تزال العديد من الدول تنتهج سياسة التوازن بين الصين والغرب. وفي المقابل، أدت هذه الدينامية إلى ردود فعل غربية مضادة عبر إطلاق مشاريع موازية للحد من النفوذ الصيني، ما جعل من «الحزام والطريق» عنصرًا في تشكل نظام دولي تنافسي يميل نحو الثنائية القطبية بين الغرب والصين، بدل أن ينتهي إلى هيمنة أحادية مستقرة.

ثامناً: نحو نظام دولي جديد بين التنافس وإعادة تشكيل موازين القوة

تُظهر مجمل المعطيات التي تناولها هذا البحث أنّ العلاقات الأميركية–الصينية لم تعد تُفهم في إطار تنافس ثنائي تقليدي بين قوتين اقتصاديتين فحسب، بل أصبحت تمثل مسارًا مركّبًا لإعادة تشكيل بنية النظام الدولي المعاصر.

لقد بيّنت الدراسة أنّ التحول في طبيعة العلاقة بين واشنطن وبكين انتقل من مرحلة القطيعة الأيديولوجية خلال الحرب الباردة، إلى مرحلة التعاون الاقتصادي في ظل العولمة، ثم إلى مرحلة التنافس الاستراتيجي المتعدد الأبعاد في القرن الحادي والعشرين. وفي هذا السياق، لم يعد الاقتصاد وحده محددًا للعلاقات، بل برزت التكنولوجيا، ولا سيما أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني، كأحد أهم ميادين الصراع على الهيمنة العالمية، حيث أصبح التفوق التكنولوجي مرادفًا للتفوق الجيوسياسي.

كما أظهر البحث أنّ الممرات البحرية الحيوية، مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق هرمز، تشكّل نقاط ارتكاز أساسية في معادلات الأمن العالمي وأمن الطاقة، الأمر الذي يربط بين الصراعات الإقليمية والنظام الدولي الأوسع. وقد ساهمت قضية تايوان في تعميق هذا البعد الاستراتيجي، باعتبارها نقطة تماس مباشرة بين مشروع صعود الصين واستراتيجية الاحتواء الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وفي موازاة ذلك، برزت مبادرة «الحزام والطريق» كأداة مركزية في التمدد الجيوسياسي الصيني، من خلال ربط آسيا بأفريقيا وأميركا اللاتينية عبر شبكات اقتصادية وبنية تحتية واسعة، ما أسهم في تعزيز النفوذ الصيني عالميًا، وأثار في المقابل ردود فعل أميركية وغربية تهدف إلى إعادة ضبط مسارات التجارة والنفوذ الاقتصادي العالمي. وهكذا، لم تعد هذه المبادرة مشروعًا اقتصاديًا بحتًا، بل تحولت إلى عنصر فاعل في إعادة تشكيل التوازنات الدولية.

كما بيّن البحث أنّ البعد الأوراسي، من خلال العلاقة مع روسيا وإيران، يكتسب أهمية متزايدة في هذا السياق، حيث تتقاطع اعتبارات أمن الطاقة والموقع الجغرافي والتحالفات الاستراتيجية في صياغة محور بديل يسعى إلى موازنة النفوذ الغربي، بما يعكس تعقيد المشهد الدولي الراهن.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن النظام الدولي يشهد مرحلة انتقالية غير مكتملة، تتسم بتراجع الأحادية القطبية الأميركية دون الوصول إلى تعددية مستقرة. فالمشهد الراهن يعكس حالة من “التوازن التنافسي” بين القوى الكبرى، حيث تتداخل عناصر الصراع والتعاون في آن واحد، دون حسم نهائي لاتجاه النظام العالمي.

وعليه، فإن الإشكالية المركزية التي يطرحها هذا البحث تبقى مفتوحة على المستقبل: هل يتجه العالم نحو إعادة إنتاج الهيمنة الأحادية بصيغة جديدة، أم نحو نظام دولي تعددي تتوزع فيه مراكز القوة بين الولايات المتحدة والصين وقوى صاعدة كإيران التي أصبحت تتجه لتقترب من القوى العالمية بعد ورقة مضيق هرمز؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على مسار التطورات في مجالات التكنولوجيا والطاقة والممرات الاستراتيجية، بوصفها المفاتيح الحقيقية لإعادة تشكيل النظام الدولي في السنوات المقبلة.

المصدر: موقع المنار