الأربعاء   
   08 04 2026   
   19 شوال 1447   
   بيروت 11:50

خاص| كيف فاجأ حزب الله الصديق والعدو بقدراته: المقاومة تُعيق التقدم الإسرائيلي

في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الإسرائيلي حيّز التنفيذ بعد عام ونصف من المواجهات على الحدود اللبنانية الفلسطينية ومعركة أولي البأس. كان الهدف المعلن من الهدنة، التي توسطت فيها الولايات المتحدة، وضع حد لإطلاق النار عبر الحدود ووقف التصعيد العسكري المتبادل، بما يسمح بعودة المدنيين النازحين إلى قراهم في جنوب لبنان ويخفف من الخسائر البشرية والمادية.

واصل العدو الاسرائيلي خروقاته ضد لبنان حيث استمر في شن غارات جوية عنيفة يزعم فيها استهداف مواقع للمقاومة ومنع إعادة ترميم قدراتها.

على مدار خمسة عشر شهرًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار، ظلت الخروقات الإسرائيلية متواصلة دون انقطاع، حيث مارس العدو خلال هذه الفترة آلاف الخروقات الجوية والبرية. وبحلول أوائل عام 2026، أدت هذه الانتهاكات المستمرة، إلى جانب التطورات الإقليمية الكبرى، واغتيال سماحة الامام القائد السيد علي الخامنئي إلى فتح مواجهة جديدة، ردّت المقاومة على عملية الاغتيال والخروقات الإسرائيلية بإطلاق صواريخ نحو شمال الكيان، ما دفع العدو إلى تنفيذ غارات جوية مكثفة على جنوب لبنان وضاحية بيروت، والاستعداد السريع لبدء اجتياح الجنوب وفق خطط كانت قد أُعدّت مسبقًا.

وباعتقاد المسؤولين الإسرائيليين، انهم استطاعوا خلال العامين الأخيرين أن يقضوا على معظم قوة حزب الله في لبنان، وأن المقاومة في لبنان أصبحت في وضع لا يسمح لها أن تشن هجمات على الكيان، وذلك حسب ما صرح رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أن جيش الدفاع الإسرائيلي لا يزال «الأقوى»، وأن العمليات المستمرة تهدف إلى تحييد التهديدات وإقامة «منطقة أمنية» أوسع في جنوب لبنان.

أما عين المقاومة فقد كانت ساهرة، ففاجأت العدو وأثبتت أنها ما زالت موجودة، واستطاعت أن تستعيد زمام المبادرة وتشن هجمات نوعية على القوات الإسرائيلية المتوغلة وإطلاق الصواريخ على الكيان من شماله وصولاً الى جنوبه وأظهرت هذه التحركات قدرة المقاومة على إظهار مهاراتها العسكرية والتكتيكية. وقد أكدت العديد من الصحف الإسرائيلية والعالمية هذا الواقع الميداني الجديد.

وتبرز هنا الإشكالية الرئيسة : كيف استطاعت المقاومة أن تنهض من تحت وطأة الضغط والحصار والتضليل النفسي والإعلامي، الذي رُوج له بأنها فقدت القدرة، لتستعيد زمام المبادرة وتحوّل مسار المواجهة لصالحها؟

أولاً: العقيدة العسكرية الإسرائيلية

تشكل مفاهيم الردع، الحسم، والإنذار المبكر الأسس الرئيسية للعقيدة العسكرية-الأمنية الإسرائيلية منذ خمسينيات القرن الماضي، ورغم الأضرار التي لحقت بها في الحروب السابقة، بقيت ثابتة نسبياً دون تطوير كامل لتلائم المتغيرات الجيوسياسية. ومع مواجهة كيانات ومنظمات غير تقليدية بعد 1937، اضطر الكيان لتطوير آليات قتالية جديدة، إلا أن هذا لم يتحقق فعلياً إلا بعد حرب 2006 في جنوب لبنان، التي فرضت واقعاً جديداً على طبيعة المواجهة وآلياتها.هذا ما ورد ضمن مقال لعبد القادر بدوي-مركز الناطور للدراسات والأبحاث.

ووفقًا لدراسة أور براك، وهي باحثة اسرائيلية مختصة في الشأن العسكري، نُشرت على موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) تحت عنوان : From “Decision” to “Victory”: Resolving the Confusion in Israeli Military Terminology حيث تقول ان العقيدة العسكرية الإسرائيلية تعكس تمازجًا بين سعي الجيش إلى الحسم السريع واستراتيجية الاستنزاف التدريجي.

فقد بينت الباحثة أن مصطلح “الحسم” ظل غامضًا ومثارًا للارتباك بين القيادات العسكرية والإعلامية، إذ لا يوجد معيار محدّد لتحديده في سياق الحرب، بينما ركّز مؤسسو الجيش الإسرائيلي، وعلى رأسهم بن غوريون، على مفهوم “النصر” كهدف نهائي يعكس تحقيق الأهداف الاستراتيجية وليس مجرد إجراء أو موقف عسكري محدد. وعند تولي أفيف كوخافي رئاسة هيئة الأركان، تم العمل على إعادة تعريف النصر بشكل واضح ضمن الخطط متعددة السنوات للجيش، مع اعتماد مبدأ المرونة والتكيف مع الميدان، بحيث يمكن الجمع بين تنفيذ عمليات حاسمة سريعة عند توفر التفوق العسكري، والاستنزاف التدريجي للخصم في الحالات الأكثر تعقيدًا، وهو ما يعكس التوجه الحديث للعقيدة الإسرائيلية في مواجهة أعداء غير تقليديين.

ثانياً: تفكيك الحرب النفسية والإعلامية

الحرب النفسية تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية بوسائل غير عسكرية، مثل التأثير في الرأي العام وزعزعة ثقة الخصم وإرباك بيئته الاجتماعية لإضعاف إرادته. في لبنان، استمرت هذه الحرب ضد المقاومة بتغير أدواتها وفق الظروف السياسية والعسكرية، وتصاعدت بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 لتحقيق أهداف لم تحققها العمليات العسكرية، وفق تقرير صحيفة الأخبار 29 تشرين الثاني 2025.

وفي مقابلة مع موقع “المنار” الإلكتروني يصف الدكتور علي أحمد وهو باحث في الاعلام السياسي هذه المرحلة بأنها مرحلة “الصبر الاستراتيجي” والصبر من أجل التعافي، حيث تمحور الهدف الأساسي حول إعادة ترميم القدرة، وقراءة تجربة الحرب السابقة لاستخلاص الدروس والعبر وبناء استراتيجية جديدة. وقد اقتضى ذلك تحمّل الضربات التي كان ينفذها العدو الإسرائيلي، باعتبار أن هذه المرحلة أشبه بعملية جراحية مؤلمة لكنها ضرورية للوصول إلى التعافي وإعادة بناء الجهوزية.

اعتمد العدو الإسرائيلي أساليب مشابهة لتكتيكات القوات الأميركية في حرب فيتنام، مستخدمًا المُسيّرات وبثّ الرسائل الصوتية لإثارة الرعب بين المواطنين والمقاومين.

ولزيادة الضغط النفسي والجسدي على المقاومة وبيئتها، لجأ العدو إلى اغتيالات محددة استهدفت أفرادًا وعائلات، رافقت هذه العمليات حملة إعلامية داخلية هدفت إلى بث التهديد وزرع الشقاق بين الجيش اللبناني والمقاومة، كما ظهر في تقارير بعض القنوات والصحف اللبنانية مثل نداء الوطن. الأخبار، 29 تشرين الثاني 2025.

في المقابل، يشير الدكتور علي أحمد أن هذه الظروف أنعكست سلبًا على البيئة الشعبية، خاصة في ظل الضغط النفسي والإعلامي الكبير، إضافة إلى ما رافق ذلك من أحداث مرتبطة ببيئة المقاومة، والقرارات التي صدرت، والضغوط التي بدأت مع تشييع السيد الشهيد، والحصار الذي فُرض على هذا المشهد، وعدم مشاركة الدولة فيه، وصولًا إلى منع الطيران الإيراني من الهبوط في لبنان، فضلًا عن الضربات المتكررة التي طالت المدنيين. وقد أسهم ذلك في تكوين حالة من القلق والترقب لدى الناس، في ظل شعور متزايد بثقل المرحلة.

ثالثاً: تكتيكات الاستنزاف الميداني

خلال هذه الفترة، التزم حزب الله الصمت، حسب ما يقول الدكتور علي أحمد انطلاقًا من قناعته بأن الحرب المقبلة آتية لا محالة، وأن المطلوب هو الصبر ضمن خطة مدروسة. وكان الهدف الاستراتيجي واضحًا: إعادة بناء القدرة، بحيث يكون عند لحظة اندلاع المعركة أمام مشهد مختلف قادر على تغيير المعادلات. وفي هذا السياق، برز مفهوم “التعافي” كأداة خطابية لطمأنة الناس، رغم استمرار الضغوط وتزايد الاعتداءات.

وفي مقابلة مع موقع “المنار” الإكتروني أوضح العميد المتقاعد في الجيش اللبناني إلياس فرحات، منذ دخول حزب الله المواجهة في 3 آذار، اتضحت خطة العمليات في الميدان، أولًا على جبهة الحدود البرية، ثم عبر قصف أهداف في عمق الكيان المحتل.

مع انطلاق الهجوم البري للعدو الإسرائيلي على جنوب لبنان، سعى العدو إلى تحقيق اختراق سريع انطلاقاً من تقديرات مسبقة رجّحت ضعف قدرة المقاومة على الصمود. وقد دفع بأربع فرق عسكرية إلى الجبهة الشمالية، وبدأ مناورة ميدانية مركّزة في القطاع الشرقي بهدف السيطرة على شريط حدودي يمتد من العديسة إلى الخيام وفرض واقع عسكري جديد. في المقابل، واجهت المقاومة هذا الهجوم باستراتيجية مزدوجة تقوم على كسر التوغل البري واستنزاف القوات المهاجمة، بالتوازي مع استهداف العمق الاستراتيجي للعدو، ما أدخل المعركة في مسار تصاعدي اتسم بالتعقيد وتبدّل الأهداف الميدانية.

أما على مستوى البيئة الشعبية، فقد لعب الميدان الدور الحاسم في إعادة تشكيل الوعي، يتابع الدكتور علي أحمد إذ تحوّل الرهان على الأداء الميداني إلى عنصر أساسي في تثبيت القناعة بجدوى الصبر.

وبحسب تقرير صدر عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير(UFEED) تحت عنوان شهر من المواجهة-مبادرة حزب الله – نيسان 2026 يُظهر تقييم الأداء التكتيكي خلال شهر من المواجهة أن المقاومة نجحت في بناء نموذج قتالي متكامل قائم على المرونة والقدرة على التكيّف مع طبيعة الميدان، حيث انتقلت بسلاسة بين الدفاع والهجوم، ووظّفت تكتيكات غير متماثلة بفعالية عالية في مواجهة قوة عسكرية تقليدية متفوقة.

يُظهر التقرير أنّ المحاور القتالية شهدت تنوّعًا تكتيكيًا يعكس نضجًا عملياتيًا واضحًا. ففي محور الخيام، طُبّق نموذج “الدفاع العنيد” عبر قتال حضري استند إلى استغلال البيئة العمرانية لعزل القوات المتوغلة واستنزافها، ما حدّ من فعالية التفوق الناري وحوّل المعركة إلى حرب مدن مكلفة.

أما في محور الطيبة – القنطرة، فقد برز تكتيك “مناطق القتل” من خلال تهيئة ممرات إجبارية للمدرعات وتنفيذ كمائن مركبة بالعبوات والصواريخ الموجهة، ما أدى إلى استنزاف القوة المدرعة وتحويلها من عنصر حسم إلى نقطة ضعف. وفي هذا السياق، يشير العميد المتقاعد إلياس فرحات إلى أنه على “الجبهة البرية، يعتمد حزب الله نمط “الدفاع المتحرك”، خلافًا للدفاع الثابت الذي فرضته ظروف معركة 2024. في هذا النوع من القتال، لا توجد مراكز ثابتة، بل تُدار المعركة عبر المناورة بالقوى، واستدراج العدو إلى الكمائن أو “مناطق قتل” ثم الإطباق عليه”حيث نجحت المقاومة في تدمير أكثر من مائة دبابة في الطيبة وعديسة والقنطرة ودير السريان، وصولًا إلى عيناتا وعيثرون وعيتا الشعب.

وفي محور عيترون – بنت جبيل، اعتمدت المقاومة نموذج “الدفاع النشط” عبر الجمع بين الصد المباشر والمبادرة الهجومية، بالتوازي مع توظيف البعد الجوي من خلال استهداف الطائرات المسيّرة، ما عزّز قدرتها على فرض المبادرة العملياتية.

في القطاع الغربي الساحلي، اعتمدت المقاومة “الدفاع المتحرك” عبر استدراج القوات لكمائن متعددة الطبقات، ما أفشل محاولات الالتفاف. وفي محور مركبا – حولا، طُبّق نموذج “الأرض المحرمة” عبر قصف استباقي واستنزاف مستمر منع تثبيت أي مواقع. أما في محور القوزح – دبل – بيت ليف، فبرز “الدفاع التدميري المتحرك” من خلال القتال القريب داخل الأحياء، ما حيّد فعالية المدرعات وأوقع خسائر كبيرة.

ويعكس هذا الأداء قوة تكتيكية قائمة على اللامركزية، تكامل النيران، استثمار الجغرافيا، دقة الاستخبارات، وتأثير نفسي ناتج عن استنزاف وتدمير قدرات العدو.

في المقابل، يكشف هذا التقييم عن إخفاقات تكتيكية واضحة لدى العدو، تمثلت في سوء استخدام المدرعات ضمن بيئة قتالية غير ملائمة، وضعف التنسيق بين الأسلحة المشتركة، إضافة إلى تكرار الوقوع في الكمائن وعدم القدرة على التكيّف مع نمط الحرب غير التقليدية. وفي هذا الإطاريوضح العميد فرحات أن العدو عمد إلى استدعاء لواء غولاني من غزة، ثم لواء ناحال، والفرقة 35 والفرقة 162، بهدف الوصول إلى الليطاني أو تشكيل منطقة عازلة… إلا أنه فشل في تحقيق أهدافه، ليس نتيجة تغيير في قراره، بل بفعل المقاومة الشديدة والحرفية القتالية التي أظهرها حزب الله.

في مقال بعنوان “Israel se adentra por quinta vez en el lodazal libanés”، المنشور على موقع صحيفة El País، يقدّم الكاتبان خوان كاباسيس فيغا (Joan Cabasés Vega) وأنطونيو بيتا (Antonio Pita) قراءة تحليلية للعملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان عام 2026، معتبرَين أنها تمثّل حلقة متكررة ضمن نمط تاريخي من التدخلات العسكرية التي غالباً ما تنتهي بحروب استنزاف طويلة ومعقّدة. ويشير المقال إلى أن هذه العملية تُعدّ الخامسة منذ عام 1978، حيث تكرّر إسرائيل في كل مرة الأهداف ذاتها المرتبطة بتأمين الحدود والقضاء على التهديدات المسلحة، دون تحقيق نتائج حاسمة، ما يؤدي إلى استمرار الصراع.

وفي السياق ذاته، يلفت الكاتبان إلى أن حزب الله، رغم تراجع قدراته مقارنة بالفترات السابقة، لا يزال يمتلك ترسانة عسكرية معتبرة ويعتمد أساليب حرب غير تقليدية، ما يجعل المواجهة معه معقّدة ويزيد من احتمالات انزلاق إسرائيل مجدداً إلى حرب استنزاف طويلة.

رابعاً: نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي

تُعدّ الوحدة الصاروخية الركيزة الاستراتيجية للمقاومة، إذ تمنح حزب الله القدرة على استهداف عمق العدو بصواريخ دقيقة، كعامل توازن نسبي مع التفوق الجوي الإسرائيلي. وتهدف هذه الوحدة إلى قصف مستوطنات الجليل ودفع السكان للنزوح، كما أظهرت جهوزيتها بقصف أهداف بعيدة مثل تل أبيب وحيفا وغلاف غزة، ما يعكس تحوّل الحزب من حرب العصابات إلى قوة هجينة منظمة، وأصبح سلاحه الصاروخي نموذجًا معتمداً لدى محور المقاومة إقليميًا. يوضح العميد فرحات أن حزب الله وضع هدفًا يتمثل في قصف مستوطنات الجليل وإرغام سكانها على النزوح، في سياق الرد على الرواية الإسرائيلية التي أعلنت زوال الخطر.

ويشير تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بعنوان “Home front North” ركّز على المخاطر الكبيرة التي تواجه الجبهة الداخلية الإسرائيلية في حال اندلاع حرب شاملة مع حزب الله، مما زاد الضغط على القدرات الدفاعية والاجتماعية في إسرائيل. وتوقع التقرير أن تتعرض البنية التحتية والسكان المدنيون لأضرار جسيمة، ما كان سيقلل قدرة الدولة على التعافي بسرعة بعد الحرب.

وأشار إلى أن استمرار الحرب في أكثر من جبهة، لا سيما مع حزب الله وحلفائه، شكّل تحديًا كبيرًا لمرونة المجتمع الإسرائيلي واستقراره النفسي والاجتماعي، مع تراجع مستويات الثقة والتماسك الوطني نتيجة الضغوط المرتبطة بالحرب المستمرة. وحذر من الاعتماد الكلي على الدفاعات القائمة، مؤكدًا ضرورة إدراك حجم التهديد من حزب الله واحتمال تصعيده في الشمال. ودعا التقرير إلى تعزيز استعدادات الجبهة الداخلية وتقليل الثغرات في الدفاع المدني.

خامساً: القراءات الإسرائيلية – صدمة التقدير

دخل حزب الله الحرب إلى جانب إيران، ليشكّل نقطة تحوّل حاسمة في النظرة الإسرائيلية لطبيعة التهديد الذي يمثّله الحزب. فقد أسفرت التطورات الميدانية عقب عملية “أولي البأس” 2024 عن تفنيد الرواية الإسرائيلية السابقة، التي افترضت أن الحزب تلقى ضربة قاصمة وأصبح شبه منهار. هذا الواقع أجبر القيادة العسكرية والسياسية والإعلامية في إسرائيل على مراجعة تقديراتها بشأن قدرة الحزب على الصمود، ومرونة قيادته، وكفاءته التكتيكية.

وبحسب تقرير صدر عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير(UFEED) بتاريخ 27-03-2026 تحت عنوان قدرات حزب الله – نظرة عبرية يبرز التحولات في الرؤية الإسرائيلية شملت: الانتقال من فرضية الانهيار إلى إدراك الصمود البنيوي، حيث أكدت المعطيات الميدانية أن الحزب، رغم اغتيال قياداته وتدمير جزء من بنيته، حافظ على هيكل قيادي منظم وقدرة على السيطرة، واستمر أمين عام الحزب الجديد، الشيخ نعيم قاسم، في الحفاظ على تماسك القيادة واستمرارية القرار. كما ظهر أن الحزب يمتلك قدرات عسكرية فعّالة، بما في ذلك عشرات آلاف الصواريخ ووحدات نوعية مثل الطائرات المسيّرة، وقدرة على شن حرب استنزاف طويلة مع إطلاق رشقات مكثفة تصل أحيانًا إلى 500 صاروخ يوميًا، ما كشف فشل استراتيجية الضربات المكثفة الإسرائيلية.

يشير التقرير إلى أن التصور الإسرائيلي للحرب انتقل من فكرة الحسم السريع إلى إدراك أنها مواجهة طويلة ومعقدة، قد تمتد لأشهر أو سنوات، وتتطلّب حملات برية واسعة النتائج غير مضمونة. كما أصبح واضحًا أن لبنان لم يعد جبهة ثانوية، إذ تمكن حزب الله من فرض ضغط استراتيجي مباشر على الداخل الإسرائيلي وإلحاق أضرار ملموسة بالشمال ومناطق العمق.

إنّ وسائل الإعلام في الكيان لاحظت أنّ حزب الله ما زال يمتلك قدرة على القتال والصمود حتى بعد الحرب السابقة، وهذا الأمر أدّى إلى تغيّر نظرة وتقديرات القيادة في تل أبيب تجاه قوته .وفي تقرير نشر في صحيفة يسرائيل هيوم ـHow Hezbollah prepared for the IDF entry into Lebanon أشار إلى أن الحزب، رغم الضربات الثقيلة التي تلقّاها في 2024، استخدم فترة ما بعد وقف إطلاق النار لإعادة بناء نفسه وصياغة عقيدة قتالية جديدة، ما أجبر المؤسسة الأمنية على إعادة النظر في تقدير قوته وقدرته على مواجهة الجيش الإسرائيلي. هذه التغطية توضح أن قدرة الحزب على التكيف والرغبة في خوض مواجهة ممتدة أثارت قلقًا واسعًا في أوساط الأمن والسياسة في إسرائيل .يمكن الاطلاع على التقرير على هذا الرابط: –

كما أظهر تحليل في الموقع الإخباري الإسرائيلي الشهير تحت عنوان: صمود حزب الله يكشف حدود الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية ـHezbollah’s resilience exposes the limits of Israel’s military strategy (Ynetnews) أن إسرائيل توقعت رد فعل من حزب الله بعد استهداف إيران، لكنها لم تتوقع حجم الصمود أو مدى التزام الحزب باستمرار القتال، ما دفع إلى تسليط الضوء على أن الهجمات لم تُنهِ قدراته التي تم ترميمها بدعم إقليمي.

وفي فترة لاحقة، ذكرت تقارير دولية نقلًا عن المصادر الأمنية الإسرائيلية أن الحزب استمر في إعادة تسليح نفسه وإعادة توزيع مخزون الصواريخ والطائرات المسيّرة في مواقع عدة شمال نهر الليطاني، مما أثار مخاوف من أن القتال لن يكون قصيرًا وأن المواجهة قد تمتد وتصبح أكثر تعقيدًا، وهو ما بدا واضحًا في التغطيات الإسرائيلية والتحليلات الأمنية.

خاتمة:

تكشف هذه المرحلة، الممتدة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 حتى تجدد المواجهة في عام 2026، عن تحوّل نوعي في ديناميات الصراع، حيث فشلت المقاربة الإسرائيلية القائمة على الضربات المكثفة والحرب النفسية في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، مقابل نجاح حزب الله في اعتماد نموذج “الصبر الاستراتيجي” لإعادة بناء قدراته واستعادة زمام المبادرة.

لقد أظهرت المواجهة أن القدرة على التكيّف، وإدارة الاستنزاف، ونقل المعركة إلى عمق الخصم، تمكّنت من تقويض فرضيات الحسم السريع، وفرض معادلة ميدانية جديدة قائمة على توازن الردع النسبي. كما بيّنت أن البيئة الشعبية، رغم الضغوط، استعادت تماسكها تحت تأثير النتائج الميدانية، ما عزّز من صلابة الجبهة الداخلية للمقاومة.

وعليه، يمكن القول إن هذه المواجهة لم تقتصر على كونها جولة عسكرية، بل شكّلت اختبارًا استراتيجيًا أعاد رسم قواعد الاشتباك، ورسّخ الانتقال من منطق الحسم السريع إلى منطق الصراع الطويل والمعقّد، حيث يصبح الصمود وإدارة الزمن عاملين حاسمين في تحديد مآلات الصراع.

محمد احمد حمود
باحث في التاريخ

المصدر: موقع المنار