السبت   
   04 04 2026   
   15 شوال 1447   
   بيروت 13:20

خاص | مواجهة تاريخية.. إيران تكسر قواعد الاشتباك التقليدية في مواجهة العدوان الأميركي–الإسرائيلي

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات عميقة في طبيعة الصراع وأدواته، في ظل تصاعد العدوان الأميركي والإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الايرانية، حيث لم تعد هذه المواجهة محكومة بقواعد الاشتباك التقليدية التي سادت لعقود، بل تتجه نحو أنماط أكثر مباشرة وتعقيدًا.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من التساؤلات الإشكالية: هل نحن أمام انهيار فعلي لقواعد الردع التقليدية؟ وهل يعكس هذا التحول انتقالًا نحو توازن قوى إقليمي جديد؟ أم أنه مجرد تصعيد ظرفي ضمن صراع طويل الأمد؟ وما هي تداعيات ذلك على مستقبل النظام الإقليمي وطبيعة الهيمنة الأميركية في المنطقة؟

نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية التوسع العسكري الأميركي خارج الحدود

شكّلت نهاية الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ النظام الدولي، إذ برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى تمتلك مقومات التفوق العسكري والاقتصادي والسياسي. وفي إطار تثبيت هذا التفوق، اعتمدت واشنطن استراتيجية قائمة على الانتشار العسكري الخارجي عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية.

وبالاستناد الى تقرير صدر عن مؤسسة راند الاميركية عام 2016، فقد تحوّلت هذه القواعد إلى أحد أبرز مظاهر الحضور الأميركي في العالم، ولا سيما في مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل أوروبا والشرق الاوسط غير أنّ هذه الظاهرة تطرح مفارقة لافتة فعلى الرغم من رمزية هذه القواعد كأدوات للهيمنة، فإنها لم تتعرض في الغالب لهجمات عسكرية مباشرة من قبل دول معادية.

الحرب الباردة وأساليب الردع

    ارتبط نشوء القواعد العسكرية الأميركية بشكل وثيق ببداية الحرب الباردة، إذ عملت الولايات المتحدة على احتواء التمدّد السوفياتي من خلال إنشاء منظومة عسكرية متقدمة خارج أراضيها. ومع تطور هذه السياسة، لم تعد القواعد مجرد نقاط تمركز عسكري، بل تحوّلت إلى شبكة عالمية متكاملة تتيح لواشنطن قدرة عالية على الانتشار السريع والتدخل في مختلف مناطق العالم.

    وفي هذا السياق، يبيّن David Vine في كتابه Base Nation أن هذه الشبكة لا يمكن اختزالها في بعدها الدفاعي، بل تمثل شكلًا من أشكال “الإمبراطورية العسكرية غير الرسمية” التي تمكّن الولايات المتحدة من بسط نفوذها دون اللجوء إلى نماذج الاحتلال التقليدي.

    كما يؤكد في كتابه The United States of War أن القواعد العسكرية لا تقتصر وظيفتها على مرافقة الحروب، بل تؤدي دورًا فاعلًا في توليدها واستمرارها ضمن بنية النظام الدولي المعاصر. تمت المواجهة عبر الحروب بالوكالة والضغوط الاقتصادية والسياسية دون استهداف مباشر للقواعد الأميركية.

    أما العميد منير شحادة وفي مقابلة مع موقع المنار، يرى أن تجنّب استهداف القواعد الأمريكية كان جزءًا من قواعد اشتباك غير مكتوبة حكمت الصراع لعقود، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى انهيار هذه القاعدة ودخول المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة.

    صعود ايران وتنامي دورها الإقليمي

      برزت إيران كقوة إقليمية ذات تأثير متنامٍ في الشرق الأوسط منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث عملت على تعزيز مكانتها ليس فقط ضمن نطاقها الإقليمي المباشر، بل أيضًا على الصعيد العالمي. فقد أظهرت إيران قدرة واضحة على حشد المناطق وتحريكها كجزء من استراتيجيتها لتعزيز مكانتها الدولية، ما يجعل تأثيرها يتجاوز الحدود الإقليمية التقليدية.

      كما أن مساراتها التاريخية وسياساتها طويلة الأمد، بما في ذلك دعم الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان، أسهمت في توسيع نفوذها الإقليمي وتحقيق طموحاتها الاستراتيجية، كما تقول دراسة لويز فاوست وشاريني ل. جاغتياني (2024) بعنوان “القوى الإقليمية والتطلعات العالمية: دروس من الهند وإيران”، أن إيران لم تعتبر “المناطق” مجرد مساحات جغرافية ثابتة، بل إطارًا ديناميكيًا للبناء الاجتماعي والسياسي، يمكن من خلاله إعادة تشكيل نفوذها بما يخدم أهدافها على المستويين الإقليمي والعالمي.

      ويؤكد الباحثان أن هذه الجهود تمثل مثالًا واضحًا على كيفية ترابط القوة الإقليمية والطموحات العالمية لدى القوى الصاعدة، حيث ترتبط الهيمنة الإقليمية بسعي الدولة للحصول على مكانة أعلى في النظام الدولي.

      دعم إيران لحركات المقاومة

      تشير نصوص الدستور الإيراني، الذي أقرّ عام 1979، إلى تأسيس قاعدة فكرية وسياسية أسست فيما بعد لمفهوم محور المقاومة، قبل بروز المصطلح رسميًا. فقد صاغ الدستور تصورًا ثنائيًا للأخلاق، يتمثل في الخير والشر، كأساس لصراع إيران مع الغرب، الذي يُمثل “الاستكبار العالمي” بقيادة الولايات المتحدة.

      ومن الملاحظ أن الدستور لم يقتصر على الدفاع عن حدود إيران فحسب، بل أشار إلى أن نشاط الدولة يمكن أن يكون عابرًا للحدود للدفاع عن حقوق المستضعفين، داخل إيران وخارجها. كما يعكس الدستور سياسة دعم إيران للدول والجماعات التي تشاركها رؤيتها ومصالحه، في سياق مواجهة النفوذ الغربي، وهو ما شكل الإطار الأيديولوجي لاستراتيجيتها في دعم حركات المقاومة في المنطقة منذ الثورة وحتى اليوم. هذا ما اشارت اليه الكاتبة الايرانية نوروز سنجاري في مقالها، «محور المقاومة عبر عيون إيرانية».

      إذاً ينص الدستور الإيراني لعام 1979 على أن دعم الجمهورية الاسلامية الايرانية لحركات المقاومة ليس مجرد خيار سياسي، بل يستند إلى إطار ديني يسعى لحماية المستضعفين ومواجهة النفوذ الغربي، وهو ما شكل الأساس لاستراتيجية إيران في دعم محور المقاومة منذ إنتصار الثورة وحتى اليوم.

      يرى المحلل السياسي من القدس، فراس ياغي في مقابلة مع موقع المنار أن دعم إيران لحركات المقاومة مسألة عقائدية ومبدئية أكثر من كونه أداة نفوذ إقليمي، فهو جزء من هويتها الثورية منذ الثورة عام 1979 ودفاعها عن المستضعفين في مواجهة ما تسميه الاستكبار العالمي، ممثلاً بالولايات المتحدة وحلفائها. ومن هذا المنطلق، ترى إيران أن دعم المقاومة في المنطقة، بما في ذلك مواجهة الكيان الصهيوني، جزء لا يتجزأ من سياستها الثابتة، بغض النظر عن موقف حلفائها أو العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

      فالمقاومات أصبحت جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي والثقافي للدول، وطبيعة الصراع الإقليمي هي المحدد الرئيسي لهذه السياسة، مما يجعل دعمها أمراً مبدأياً لا حياد عنه.

      ويضيف العميد منير شحادة أن اعتماد إيران على دعم حركات المقاومة شكّل لسنوات أداة لإدارة الصراع بشكل غير مباشر، إلا أن هذا النمط لم يعد كافيًا في ظل التصعيد الحالي، ما دفعها إلى الانتقال نحو المواجهة الأكثر وضوحًا.

      مواجهة الضغوط الأميركية والدولية

        شهدت إيران انخفاضًا ملحوظًا في صادرات النفط نتيجة العقوبات الأمريكية الصارمة التي فرضها كل من الرئيسين دونالد ترامب وجو بايدن، ضمن سياسة “الحد الأقصى من الضغط”. تهدف هذه الإجراءات إلى الحد من أنشطة إيران النووية ومنعها من تمويل حركات المقاومة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان وانصار الله في اليمن.

        وبحسب تقرير للصحفي جيريمي هاول، مراسل بي بي سي – الخدمة العالمية، نُشر في 19 فبراير/شباط 2025، على موقع BBC NEWS فقبل فرض هذه العقوبات، كانت صادرات النفط الإيرانية تصل إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، إلا أن العقوبات أدت إلى انخفاضها إلى حوالي 1.2 مليون برميل يوميًا، مع توجيه الجزء الأكبر منها إلى الصين، التي لا تعترف بالعقوبات الأحادية الجانب. ومع ذلك، أجبرت الضغوط الأمريكية الصين مؤخرًا على تقليص وارداتها من النفط الإيراني.

        تشمل العقوبات الأمريكية تجميد أصول المؤسسات الإيرانية، وحظر التعامل مع البنوك الإيرانية، ومنع المؤسسات المالية العالمية من استخدام الدولار الأمريكي في المعاملات مع إيران، ما أدى إلى عزلة شبه كاملة لإيران عن النظام المالي الدولي.

        في مواجهة هذه القيود، لجأت إيران إلى ما يُعرف بـ”أسطول الظل” من الناقلات لنقل النفط بشكل سري، إضافة إلى استخدام شبكات مخفية من البنوك والشركات لتفادي العقوبات المالية. من جانبها، تسعى الولايات المتحدة من خلال هذه الإجراءات إلى قطع التمويل عن وكلاء إيران وتقليص موارد الحرس الثوري الإسلامي.

        استنادًا إلى ما ورد في تقارير BBC News، 3 كانون الثاني/يناير 2020، لم تقتصر الضغوط الأمريكية على الوسائل الاقتصادية والمالية، بل امتدت لتشمل البعد العسكري والأمني، حيث مثّل اغتيال الجنرال سليماني في يناير/كانون الثاني 2020، إثر ضربة جوية أمريكية استهدفته قرب مطار بغداد، تصعيدًا نوعيًا وغير مسبوق في طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

        وقد عُدّ هذا الحدث مؤشرًا واضحًا على تحوّل الاستراتيجية الأمريكية من نهج الاحتواء القائم على العقوبات إلى سياسة تقوم على الاستهداف المباشر للقيادات العسكرية العليا، الأمر الذي عمّق إدراك طهران بأنها تواجه تهديدًا وجوديًا يتجاوز الأبعاد الاقتصادية، ويندرج ضمن مسار أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي.

        ويشير العميد منير شحادة إلى أن استهداف القيادات العسكرية العليا، كما في حالة سليماني، مثّل كسرًا متبادلًا لقواعد الاشتباك، ومهّد لمرحلة الردود المباشرة بين الطرفين.

        حرب الإثني عشر يومًا بين إيران والكيان الاسرائيلي ومشاركة مباشرة للولايات المتحدة الامريكية

        اندلعت حرب الإثني عشر يومًا بين إيران والكيان الاسرائيلي في الفترة من 13 حتى 24 يونيو 2025، في تصعيد عسكري مباشر يمثل امتدادًا للتوتر المزمن بين البلدين على خلفية البرنامج النووي الإيراني والصراعات الإقليمية. بدأت المواجهة بهجوم إسرائيلي مفاجئ في أولى ساعات فجر الجمعة 13 يونيو، أُطلق عليه اسم “عملية الأسد الصاعد”، استهدف عشرات المواقع الإيرانية، بما فيها منشآت نووية رئيسية ومناطق سكنية تضم قيادات عسكرية وعلماء نوويين. كان الكيان يهدف من خلال هذا الهجوم إلى وقف ما وصفته بالتقدم السريع لطهران في تطوير الأسلحة النووية.

        وفي تقرير شامل نشرته وكالة مهر ردّت إيران في مساء اليوم نفسه بعملية “الوعد الصادق 3″، أطلقت خلالها نحو 500 صاروخ باليستي وطائرات مسيّرة على أهداف إسرائيلية عسكرية واستخباراتية وسكنية. تجدر الإشارة إلى أن هذه الحرب جاءت في سياق إقليمي متوتر، إذ شكلت هجمات أكتوبر 2023 على غزة والعدوان الإسرائيلي اللاحق عليها، إلى جانب دعم إسرائيل للفصائل المناهضة لإيران، أرضية لتصعيد مباشر ضد طهران.

        وقد تبادل الطرفان ضربات محدودة في أبريل وأكتوبر 2024، ما أبرز خطورة التحركات الإسرائيلية قبل بدء جولة المفاوضات الإيرانية–الأمريكية في مسقط المقررة يوم 15 يونيو 2025، بعد انتهاء مهلة الشهرين التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني.

        على الصعيد الدولي، شهدت الحرب تدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر، إذ نفذت عدوانًا جويًا مكثفًا على المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان بتاريخ 22 يونيو، باستخدام قاذفات بي-2 وبالتنسيق الكامل مع الكيان الإسرائيلي.

        مثّل هذا العدوان تحولًا نوعيًا في النزاع، إذ دخلت الولايات المتحدة المواجهة المباشرة مع إيران، وفي هذا الإطار، يرى العميد منير شحادة أن هذه الحرب شكّلت نقطة تحوّل استراتيجية، حيث انتقل الصراع من مستوى الحرب بالوكالة إلى الاشتباك المباشر، ما أعاد تعريف طبيعة الردع في المنطقة.وليس فقط من خلال دعم الدفاع الإسرائيلي. وردّت إيران على هذا العدوان الأمريكي بقصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، في خطوة تصعيدية أثارت القلق الدولي من اتساع رقعة المواجهة.

        توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 24 يونيو 2025، إلا أن بعض القضايا العالقة، مثل مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ما زالت تثير التساؤلات بشأن استقرار المنطقة.

        تحوّل الاستراتيجية الإيرانية بين الردع والغموض النووي في ظل تصاعد الاستهداف العسكري

          بعد كل العقوبات والحصار الاقتصادي والمالي على إيران منذ انتصار الثورة عام 1979، لم تحدث أي مواجهات كبيرة باستثناء المواجهة المحدودة بينهما في حرب الاثنين عشر يوماً ،لم يجرؤ أي طرف على استهداف قواعد الولايات المتحدة في المنطقة من أي دولة معادية لإيران. ومع ذلك، ظهرت بعض الأحداث البارزة التي استهدفت مصالح أمريكية في المنطقة:

          أولها استهداف السفارة الأمريكية في بيروت في 18 أبريل 1983،مما أدى إلى مقتل 63 شخصًا، بينهم 17 أمريكيًا، وإصابة أكثر من 120 شخصًا. وثانيها تفجير الخبر في السعودية في 25 يونيو 1996، الذي استهدف مجمّعًا سكنيًا يستخدمه أفراد القوات الجوية الأمريكية في مدينة الخبر، وأسفر عن مقتل 19 أمريكيًا وإصابة حوالي 498 شخصًا.

          أدركت إيران، في أعقاب حرب الإثني عشر يوماً، أنها باتت مستهدفة عسكرياً بشكل مباشر، ولم يعد الأمر يقتصر على الحصار والعقوبات الاقتصادية أو محاولات زعزعة النظام عبر ما يُعرف بالثورات الملوّنة. يقول ياغي كما تبيّن لها أنها تتحرك ضمن بيئة إقليمية معادية على نحو شبه كامل، الأمر الذي فرض عليها إعادة النظر في مقارباتها الاستراتيجية، ويؤكد العميد منير شحادة أن هذا التحول يعكس إدراكًا إيرانيًا بأن بيئة الصراع تغيّرت، وأن الحفاظ على الردع يتطلب الانتقال إلى أدوات أكثر مباشرة ووضوحًا.

          ثم يتابع ياغي بالقول وانطلاقاً من ذلك، رأت إيران أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتم إلا عبر الارتكاز على استراتيجية مزدوجة، تجمع بين البعدين العسكري والاقتصادي، إلى جانب التمسك بحقها في تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية وفقاً لأحكام القانون الدولي، ولا سيما ضمن الإطار الذي ترعاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تجيز استخدام الطاقة النووية للأغراض المدنية.

          وفي هذا السياق، ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن إيران سارعت إلى إجراء تقييم شامل لتجربة حرب الإثني عشر يوماً، وخلصت إلى اعتماد سياسة أكثر غموضاً حيال منشآتها النووية ومخزونها من اليورانيوم المخصب، باعتبار أن هذا الملف يشكّل الهدف الأول لأي استهداف عسكري محتمل، كما يُستخدم ذريعة رئيسية لتبرير الضغوط والاعتداءات عليها.

          المواجهة المباشرة وكسر المحظور

          شكّل العدوان الذي بدأ في 28 شباط/فبراير 2026 منعطفًا حادًا في مسار التوتر بين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة، والولايات المتحدة و”الكيان الإسرائيلي” من جهة أخرى، إذ تجاوزت المواجهة حدود الضغوط التقليدية لتدخل مرحلة الاشتباك المباشر. ومثل اغتيال الإمام السيد علي خامنئي في 28 شباط/فبراير نقطة تحوّل مفصلية وخطيرة في مسار الصراع الإقليمي، وجدت طهران نفسها أمام اختبار استراتيجي حاسم دفعها إلى الرد بطريقة غير مسبوقة.

          تجلّى هذا الرد في استهداف قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، في خطوة عُدّت كسرًا لقواعد الاشتباك التي حكمت الصراع لعقود، ويعتبر العميد منير شحادة أن استهداف القواعد الأمريكية بشكل مباشر يمثّل أخطر تحول في مسار الصراع، إذ ينقل المواجهة من مرحلة الضبط غير المباشر إلى مرحلة الاشتباك المفتوح.

          وحملت دلالات عميقة على تحوّل في العقيدة العسكرية الإيرانية، وانتقالها من سياسة الرد غير المباشر إلى المواجهة العلنية، بما يعكس سعيها لترسيخ معادلة ردع جديدة في الإقليم. وأظهر رد إيران مستوى غير مسبوق من الجرأة والاتساع الاستراتيجي، ويشير العميد منير شحادة إلى أن هذا المستوى من الجرأة يعكس ثقة متزايدة بالقدرة على فرض معادلة ردع جديدة، حتى في مواجهة قوة عظمى. ما شكّل صدمة للمحللين والمراقبين الدوليين، إذ تجاوزت الحدود التقليدية للاستجابة العسكرية واستهدفت بشكل مباشر البنية التحتية الحيوية العسكرية والمدنية التي كانت تُعد محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.

          وأكد المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء” العسكري أن إيران ستستهدف جميع محطات توليد الكهرباء، منشآت الطاقة والمياه، البنية التقنية، وكذلك الشركات والبنوك والسفن التجارية التابعة للولايات المتحدة و”الكيان الاسرائيلي” في المنطقة، في خطوة تعكس استراتيجية شاملة للمواجهة والردع، وليس مجرد رد تكتيكي محدود.

          وأشار تقرير لموقع Egypt Independent إلى أن إيران أظهرت من خلال هذا الرد قدرة على توسيع نطاق هجماتها الاستراتيجية بشكل يفوق التقديرات الأمريكية، مما يعكس مستوى الصدمة الذي أحدثه ردها المفاجئ.

          في مقابلة مع موقع المنار، أشار الدكتور جمال واكيم، أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، إلى أن ردّ إيران على العدوان الأمريكي–الإسرائيلي فاق التوقعات كافة، وأن صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب لم يكونوا يتوقعون حجم هذا الردّ أو اتساع نطاقه الاستراتيجي. وبيّن واكيم أن التقديرات الأمريكية السابقة كانت تفترض أن الرد الإيراني سيكون محدودًا وسرعان ما ينحسر، فيما أظهرت الوقائع أن طهران اختارت ردًا شاملاً ومباشرًا، ما شكّل مفاجأة واستفزازًا لأطراف النزاع، وغيّر من قواعد الاشتباك التقليدية في المنطقة.

          أما المحلل السياسي من القدس، فراس ياغي، فيقول للمنار إن تجرؤ إيران على استهداف الأصول الأمريكية كان مفاجأة كبيرة للأمريكيين وحلفائهم، إذ لم يتوقعوا أن تمتلك إيران الجرأة للقيام بذلك، رغم قدرتها العسكرية. وأوضح أن الرد الإيراني لم يقتصر على الأصول العسكرية بل شمل ضرب أهداف غير عسكرية بشكل مباشر، ما يكشف عن استراتيجية مبادرة غير تقليدية تتجاوز مفهوم الرد التقليدي. وأكد ياغي أن هذه الخطوة أظهرت نقاط ضعف الولايات المتحدة في المنطقة، ومهدت لتحوّل استراتيجي يسمح لدول الإقليم بتحديد أمنها وعلاقاتها بعيدًا عن النفوذ الأمريكي–الإسرائيلي.

          وفي المحصلة، يرى العميد منير شحادة أن ما يجري لا يقتصر على تصعيد عسكري عابر، بل يمثل إعادة صياغة شاملة لقواعد الاشتباك في المنطقة، وانتقالًا نحو توازن ردع جديد يتسم بعدم الاستقرار والانفتاح على احتمالات متعددة.

          خاتمة

          إن التحولات الراهنة في طبيعة العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران تكشف عن نهاية الحقبة التي كانت تهيمن فيها قواعد الاشتباك التقليدية، حيث كان الاستهداف المباشر يُعتبر خطاً أحمر لا يُمسّ.

          وقد جاءت الضربات الإيرانية الأخيرة لتفاجئ الجميع، بما في ذلك القوى العظمى، عبر استهداف الأصول الأميركية بشكل مباشر ودون إنكار، وهو ما يعكس قدرة إيران على تحدي التوقعات وإعادة رسم موازين الردع الإقليمي.

          إن هذا الصمود الإيراني، على الرغم من الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة، يثبت أن القوة لا تُقاس بالهيمنة التقليدية وحدها، بل بقدرة الفاعل على إلحاق الأذى بالخصم مع أقل تكلفة ممكنة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استمرارية استراتيجيته.

          كما أن هذه الدينامية الجديدة تشير إلى أن الحرب لم تعد حكراً على المواجهات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وتجارية وسياسية، ما يجعل إدارة الحرب أكثر تعقيداً وتؤسس لمرحلة من الردع المتبادل غير المستقر.

          وفي هذا السياق، فإن إيران قد فرضت واقعاً جديداً في المنطقة، حيث أصبحت القدرة على المفاجأة والمواجهة الذكية أداة رئيسية في إعادة تشكيل موازين القوى، وهو ما قد يغير قواعد النظام الإقليمي ويعيد تعريف مفهوم الهيمنة التقليدية.
          محمد أحمد حمود
          باحث في التاريخ

          المصدر: موقع المنار