الخميس   
   02 04 2026   
   13 شوال 1447   
   بيروت 07:16

النخبة “الإسرائيلية” لا تصدّق نتنياهو: «النصر الاستراتيجي» بعيد المنال

يحيى دبوق- صحيفة الأخبار

تشكّل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران محطّة بارزة في مسار صراع لن يمكن حتماً حسمه بالأدوات العسكرية وحدها، بمعزل عن اختلال ميزان القوى بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، إذ على الرغم من قساوة الضربات التي استهدفت الجانب الإيراني، تبدو إمكانية تحقيق نتائج حاسمة أو «صفرية» إزاءه أمراً متعذّراً، مهما واصل الطرف الآخر التصعيد.

والراجح أن هذا الاستنتاج لم يكُن ليتبلور لدى الطرف الذي بادر إلى الحرب، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا بعد خوضهما إياها، والاصطدام بوقائعها الميدانية. ورغم استمرار الخطاب الرسمي في تقديم صورة مغايرة لتلك الوقائع، بدأت ملامح «العجز» عن الحسم تتجلّى في أروقة التقييم الداخلي الإسرائيلي. وحمل خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أول من أمس، والذي وُصف بـ«خطاب النصر» المزعوم، مؤشرات إلى ذلك التناقض؛ فإعلانه قطع الشوط الأكبر من الحرب تَرافق مع إقرار ضمني بعدم تحقّق الأهداف المُعلنة لها، إذ أشار نتنياهو إلى أن بلوغ هذه الأهداف يحتاج إلى وقت وعوامل داخلية قد تكتمل لاحقاً، قائلاً إن «النظام الإيراني سيسقط عاجلاً أم آجلاً»، في ما بدا أقرب إلى محاولة لتبرير الإخفاق.

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، بدأت النخب والمراكز البحثية الإسرائيلية بإعادة تقييم النتائج بعيداً من الخطاب السياسي المباشر، وذلك في محاولة للتمييز بين الإنجاز الفعلي والصورة التي يُراد تكريسها عنه. وتشير هذه التقييمات إلى انتقال تل أبيب من أهداف عالية السقف، من مثل إسقاط النظام الإيراني عبر العمل العسكري، إلى أهداف ضبابية تفتقر إلى معايير قياس واضحة. وبينما تحقّقت بعض المكاسب التكتيكية عبر الضربات العسكرية، لا يزال تحقيق الهدف الاستراتيجي بعيد المنال، خصوصاً أن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يُنهَ برنامجه النووي، كما لم تتفكّك شبكة حلفائه الإقليميين.

وبحسب تقييم نشره «معهد دراسات الأمن القومي» التابع لجامعة تل أبيب، فإن النجاحات التكتيكية لا تعني بلوغ «النصر» المُخطَّط له. وإذ يرى المعهد أن «الأضرار» التي لحقت بإيران «هامة»، فهو يصفها، في الوقت نفسه، بأنها «مؤقّتة»، في ظلّ احتفاظ طهران بالمعرفة والقدرة على إعادة بناء قدراتها العسكرية. كما يشير التقييم إلى أن التجربة التاريخية تُظهِر ميلاً إيرانياً إلى «التكيّف» مع الضربات، بدلاً من تغيير الاستراتيجية جذرياً.

وفي حين يسعى كلّ طرف إلى تقديم نفسه «منتصراً»، فإن ذلك يعكس بحدّ ذاته حالة «اللاحسم»؛ فالقيادة الإسرائيلية تتحدّث عن إزالة «تهديدات وجودية»، فيما تقدّم إيران نفسها كدولة صمدت في وجه ضربات مشتركة من إسرائيل والولايات المتحدة، واستمرّت في الردّ عليهما. وتُعدّ هذه الازدواجية نتيجةً طبيعية لغياب الحسم، ومؤشراً إلى تحوّل الحرب إلى صراع على الوعي، ودليلاً على جوهر الإخفاق الإسرائيلي – الأميركي في هذه الحرب.

أمّا على المستوى الداخلي الإسرائيلي، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ على الرغم من أن استطلاعات الرأي أظهرت دعماً واسعاً للحرب، في بدايتها، تجاوز 80%، إلا أن هذا التأييد لم يلغِ تصاعد الشكوك بشأن إمكانية تحقيق أهداف كبرى، من مثل إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء تهديده بشكل كامل، علماً أنه مع مرور الوقت، تميل تقديرات النخب، في العادة، إلى تقليص سقف التوقّعات. وفي ما يتعلّق بنهاية الحرب، لا تتوقّع النخبة الإسرائيلية حسمها بالمعنى التقليدي، بل تميل إلى ترجيح سيناريوات مفتوحة. ويتمثّل أحد أبرز هذه السيناريوات في تثبيت ردع متبادل مؤقّت، تتوقف بموجبه العمليات الكبرى، مع بقاء التوتر قائماً في انتظار جولات لاحقة. أمّا السيناريو الثاني، فيتمحور حول التوصّل إلى اتفاق سياسي، وهو احتمال يبدو صعباً في المرحلة الراهنة، في ظلّ فشل واشنطن وتل أبيب في كسر صلابة الإرادة الإيرانية، ولو حتى جزئياً.

وعلى أيّ حال، تؤكد هذه التقديرات أن الخيار العسكري وحده غير كافٍ لتحقيق الأهداف البعيدة المدى، ولا سيما في ما يتعلّق بالبرنامج النووي الإيراني؛ إذ حتى في «أفضل» السيناريوات المُتاحة لواشنطن وتل أبيب، لا يمكن للضربات أن تحقّق أكثر من تأخير المشروع النووي، وهو ما يعيد طرح خيار التفاوض، رغم صعوبة اللجوء إليه بين الأطراف المتحاربة. كذلك، في ما يتعلّق بالنتائج، تكشف الحرب محدودية القدرة على احتواء التصعيد، خصوصاً بعدما أظهرت إيران قدرتها على استخدام أدوات غير تقليدية والتأثير في مجالات حسّاسة من مثل الملاحة والطاقة، وهو ما منحها أوراق ضغط تتجاوز المواجهة المباشرة. ومن شأن ذلك أن يعزّز قناعة داخل إسرائيل بأن أيّ مواجهة مستقبلية ستكون أكثر تعقيداً وتشابكاً وصعوبة، سواء لجهة التخطيط لها واتخاذ قراراتها، أو لجهة خوضها وتقدير نتائجها.

في المحصّلة، تعكس قراءة النخبة الإسرائيلية للحرب، بعد شهر من نشوبها، مزيجاً من الإقرار بالإنجاز الجزئي والوعي بالقيود. فالحرب أضعفت قدرات إيران بلا شك، لكنها لم تُحدِث تحوّلاً حاسماً في قواعد الصراع. كما أن غياب الحسم، وعدم فرض التزامات على طهران، وعدم سقوط النظام، كلّها عوامل تشير إلى تمهيد الطريق أمام إيران لإعادة ترميم قدراتها وتعزيزها، وصولاً إلى إعادة إنتاج التهديد نفسه، والذي قد يتجاوز ما كان عليه عشيّة الحرب.

المصدر: صحيفة الاخبار