الإثنين   
   23 03 2026   
   3 شوال 1447   
   بيروت 14:30

أسرار الصمود الطاقوي في إيران: بنية تحتية تتحدى الحرب والعقوبات

بينما تنصرف التحليلات الغربية والإقليمية إلى رصد الترسانة الصاروخية الإيرانية أو الطموحات النووية، ثمة جيش صامت يعمل تحت الأرض وفوق الجبال، يشكّل حائط صدٍ لا يقل أهمية عن منظومات الردع الصاروخية، إنها الشبكة الوطنية للكهرباء والغاز. ومع تصاعد نبرة التهديدات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة باستهداف المنشآت الحيوية الإيرانية كرد استراتيجي، يبرز السؤال الملحّ: هل تملك طهران عمقاً إنشائياً يمتص الصدمة، أم أن بنيتها التحتية هي خاصرتها الرخوة؟

هندسة الحلقات: تحصين الشبكة ضد الشلل

لم تكن هندسة الكهرباء في إيران يوماً مجرد ترف تقني، بل صيغت بعقيدة دفاعية صرفة. تعتمد إيران نظام الشبكة الحلقية (Ring Network)، وهي منظومة صممها مهندسون إيرانيون لتكون مضادة للصدمات الكبرى. تتوزع الشبكة على خمس حلقات جغرافية كبرى (الشمالية، المركزية، الجنوبية، الغربية، والشرقية)، تترابط عبر خطوط نقل فائقة الجهد (400 كيلو فولت).

هذا التصميم الشبكي المعقد يعني تقنياً أنه لا توجد نقطة سقوط واحدة (Single Point of Failure). ففي حال خروج محطة توليد في أقصى الشمال، يمكن للشبكة المناورة فوراً لتعويض العجز من الجنوب أو المركز عبر مسارات بديلة. وبامتلاكها نحو 150 مجمعاً إنتاجياً تضم 700 وحدة متنوعة، يتضح الفارق الشاسع في العمق الاستراتيجي بين إيران والكيان الإسرائيلي الذي يعتمد على محطات توليد محدودة العدد ومكشوفة جغرافياً.

الردع بالبنية التحتية: سلاح امتصاص الضربة

تتجاوز إيران المفهوم التقليدي للدفاع لتطرح ما يمكن تسميته الردع عبر مرونة البنية التحتية. تدرك طهران أن الهدف من أي ضربة لمنشآت الطاقة هو إثارة السخط الشعبي وشلّ الحياة اليومية، وهنا تتدخل استراتيجية إدارة الأحمال لإفراغ الضربة من محتواها السياسي والاجتماعي:

 عزل الصناعة لحماية المجتمع: بمجرد حدوث عطل أو استهداف، تقوم خوارزميات الطوارئ بفصل الإمداد تلقائياً عن الصناعات الكبرى (الفولاذ، السيارات، البتروكيماويات).

 المعادلة الصفرية للضرر السكني: إيقاف مجمع واحد مثل فولاد مباركة يوفر طاقة كافية لتعويض خروج محطة توليد كاملة، مما يضمن بقاء الإنارة في المنازل والمستشفيات والمرافق الحيوية.

 إحباط أهداف العدو: عندما يدرك المخطط العسكري أن قصف محطة بمليارات الدولارات لن يؤدي إلا إلى تعطيل مؤقت لخط إنتاج فولاذ بينما تستمر حياة المواطن العادي طبيعية، فإن القيمة العسكرية للضربة تنخفض إلى حدها الأدنى، وهذا هو جوهر الردع.

التوأمة الحيوية: الغاز كقلبٍ نابض للكهرباء

لا يمكن فهم قوة شبكة الكهرباء الإيرانية بمعزل عن شبكة الغاز، فهما توأم سيامي استراتيجي. تُعد إيران الثالثة عالمياً في طول خطوط أنابيب الغاز، وتستحوذ على 35% من إجمالي أنابيب النقل في الشرق الأوسط، حيث تحتل إيران المرتبة الثالثة عالمياً من حيث طول خطوط أنابيب نقل الغاز (نحو 5,000 كيلومتر قيد الإنشاء أو التطوير باستثمارات تناهز 17.8 مليار دولار)، متفوقة على دول متقدمة كروسيا وكندا في مشاريع التوسع الغازي.

هذا الترابط العضوي هو الضمانة؛ فالغاز الطبيعي هو الوقود الأساسي للمحطات الحرارية. وبفضل شبكة الغاز الحلقية أيضاً ومخازنها الضخمة، تمتلك المحطات الإيرانية استمرارية في التغذية تجعل من الصعب جداً قطع شريان الحياة عن مراكز التوليد، حتى في ظل استهداف بعض العقد التكتيكية.

إن صمود هذه المنظومة ليس مجرد فرضية؛ فقد اجتازت الشبكة الإيرانية بنجاح اختبارات قاسية، من الهجمات السيبرانية الإسرائيلية-الأمريكية المتكررة، إلى عقوبات خانقة منعت قطع الغيار لأربعة عقود، وصولاً لضربات تعرضت لها الشبكة خلال العدوان الحالي، ومع ذلك لم تشهد انهياراً شاملاً كالذي شهدته شبكات دول كبرى مثل تكساس الأمريكية في 2021.

اللامركزية الاستراتيجية: ورقة الطاقة الشمسية

في السنوات الأخيرة، سارعت إيران نحو دمج محطات الطاقة الشمسية الكبرى في شبكتها الوطنية. بعيداً عن الجانب البيئي، يمثل هذا التوجه قمة اللامركزية الأمنية. محطات الطاقة الشمسية الموزعة لا تحتاج إلى أنابيب غاز يمكن تفجيرها، ولا إلى خطوط نقل عملاقة يسهل رصدها، مما يجعلها احتياطياً مرناً يصعب شلّه في أوقات النزاع المسلح.

في المحصلة، يواجه أي قرار باستهداف البنية التحتية الإيرانية حائطاً هندسياً صلباً أُسس على عقيدة الاستعداد للأسوأ. إن التكامل بين مراكز التحكم اللامركزية (DCS) ومعايير الأمان العالمية (N-1) يجعل من استهداف الشبكة مغامرة غير مضمونة النتائج. قد تنجح الصواريخ في إحداث ثقوب، لكنها لن تنجح في تمزيق النسيج الشبكي الذي صُمم ليمتص الصدمة ويحولها إلى مجرّد عطل فني عابر في سياق قدرة الشبكة على التعافي، وليس في حجم الأضرار.

المصدر: موقع المنار