الجمعة   
   20 02 2026   
   2 رمضان 1447   
   بيروت 18:11

رأي “هيئة التشريع” حول انتخابات المغتربين.. بين القانون والسياسة

أصدرت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل اللبنانية، مؤخرا، رأياً أثار جدلاً واسعاً بخصوص الاستشارة التي طلبها وزير الداخلية أحمد الحجار حول انتخاب اللبنانيين في الخارج.

وقد جاء رأي الهيئة مخالفاً لقانون الانتخاب اللبناني النافذ، إذ اعتبرت الهيئة أنه يجوز للمغتربين انتخاب 128 نائباً في الخارج كما هو الحال في الداخل، بينما ينص القانون الساري على أن للمغتربين الحق في انتخاب 6 نواب فقط يمثلون الاغتراب اللبناني. وقد اعتبر البعض هذا الرأي ذا أبعاد سياسية، ويُظهر تحيّزاً لفئة معينة على حساب نص القانون.

وهذا الرأي الصادر عن الهيئة وما استتبعه من ردود قانونية وسياسية، فتح الباب امام سيل من تساؤلات المنطقية: أي قيمة قانونية لرأي هذه الهيئة بخصوص انتخابات المغتربين؟ وهل فعلاً رأيها يخالف القانون ويتجاوز صلاحياتها؟ وهل يمس هذا الرأي بمبدأ الفصل بين السلطات ويشكل تدخلا بصلاحيات وعمل السلطة التشريعية؟ وهل يمكن اعتبار رأيها تنفيذًا لرغبات بعض الجهات التي تسعى لتطيير الانتخابات كما وصف البعض في لبنان؟ وهل باتت الهيئة أداة سياسية كما رأى آخرون؟ وهل يمكن فهم هذا الرأي من الناحية القانونية مع تبعاته السياسية؟ وهل الرأي مجرد استشارة قانونية بحتة بعيدة عن أي خلفيات أخرى، خصوصاً أن رأي الهيئة ليس ملزماً لأحد ويمكنها إعطاء ما تراه مناسباً بعيداً عن أي التزامات قانونية مباشرة؟

نظرة خبراء الدستور لرأي الهيئة

حول ذلك قال الباحث بالشأن الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل في حديث لموقع قناة المنار الالكتروني إنه “من الثابت أن رأي هيئة التشريع والاستشارات لا يعتبر ملزمًا، ولا يتمتع بأيّ قيمة قانونية، بحيث يجوز للسلطة التنظيمية – طالبة الإستشارة – العمل على خلاف نتيجة الإستشارة، لكونه لا يصدر عن جهة قضائية بحتة، بل عن جهة استشارية”.

ورأى اسماعيل ان “الرأي الصادر عن الهيئة، والّذي ارتكز على المادة ١١١ من قانون الانتخاب في شأن تبرير جواز انتخاب المقترعين من الخارج، أغفل أحكام المادة ١٢٣ من قانون الانتخاب نفسه الّتي اشارت إلى أن العمل بالفصل الحادي عشر – أيّ الفصل المتعلّق بالدائرة ١٦ – يرتبط بالمجمل على اقرار نصوص تطبيقية من قبل السلطة التنظيمية بمفروض عبارة (تحدد دقائق هذا الفصل بمراسيم صادرة عن مجلس الوزراء)، ما يدّل على التلازم بين أحكام المادة ١١١ مع سائر المواد في الفصل الحادي عشر، وبالتالي في ظل عدم اقرار النصوص التطبيقية لا يجوز إجراء العملية الإنتخابية من خارج الأراضي اللبنانية، خلافا لرأي الهيئة التي أكد تجزئة النصوص، في حين أن هذا المبدأ لا يُعمل به حينما ينص القانون على التلازم بين النصوص كما هو الحال في المادة ١٢٣”.

واضاف اسماعيل “بما أن كل أحكام قانون الانتخاب قابلة للتطبيق الفوري باستثناء النصوص المعلّقة على تدخل السلطة التنفيذية أو التنظيمية، فإنّ تبرير العمل بالمادة ١١١ – التي تجيز الاقتراع من خارج الأراضي اللبنانية – يرتبط بصورة حتمية مع شروط المادة ١٢٣، مما يعني أن الهيئة قدّمت رأياً في مسألة معيّنة هي من اختصاص السلطة التشريعية، وبالتالي إنّ حرمان مجلس النواب من أمر يدخل في اختصاصه هو انتهاك للسيادة كما استقر عليه المجلس الدستوري”.

النظرة النيابية لرأي الهيئة

من جهته، قال عضو كتلة “التنمية والتحرير” النائب قاسم هاشم، في حديث خاص لموقع المنار الإلكتروني إن “المبدأ أن هيئة التشريع هي هيئة استشارية، ورأيها لا يغير بالموقف أي شيء، لأن الأمر يتعلق بقانون أقره المجلس النيابي، ولا يمكن أن يعدله أو يغيره إلا المجلس النيابي، ولا أحد غيره يمكنه أن يقوم بذلك، لا مجلس الوزراء ولا أي هيئة أخرى”.

وأوضح هاشم أن “هذا الرأي، طبعا، ليس أكثر من رأي غير ملزم، ولكن نحن لا نريد أن يكون هناك أي طغيان على رأي هيئة التشريع والاستشارات، وأن لا يكون هناك أي تدخل في عملها”، وشدد على أن “هذا التدخل غير مقبول من أي جهة أتى”، وتابع: “نحن لا نريد أي سجال مع أحد، فالبلد لا يحتمل أي سجالات مع أحد، لكن أيا كانت الجهة التي أوعزت للهيئة فهي تعرف تمامًا أن هذه الهيئة رأيها غير ملزم لا بالشكل ولا بالمضمون”، وأكد أن “مثل هذه الرسائل السياسية لا يمكن أن تمر على المجلس النيابي، فهو سيد نفسه، فهو الذي يصدر القوانين أو يعدلها”.

ولفت هاشم إلى أن “على مجلس الوزراء أن يصدر المراسيم التطبيقية لقانون الانتخاب النافذ”، وأضاف: “نحن مصرون على إجراء الانتخابات في موعدها”.

بكل الاحوال مهما حصل من أخذ ورد في ملف الانتخابات النيابية، يبقى الفيصل في هذا الامر هو ما قرره المجلس النيابي بكل ما يتعلق بهذا الاستحقاق سواء على صعيد القانون او غيره من التفاصيل، وبالسياق، اكد رئيس المجلي النيابي نبيه بري مؤخرا “كنت، وما زلت، أصر على إتمام الانتخابات في موعدها، وأن تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها بتسهيل إنجازها بدلاً من أن يضع البعض العراقيل في وجهها…”.

ماهية هيئة التشريع والإستشارات

نشأت هيئة التشريع والاستشارات عام 1949 لتشكل إحدى وحدات المديرية العامة لوزارة العدل، وينظمها حالياً قانون وزارة العدل الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 151 تاريخ 16/9/1983 والمعدل بالمرسوم الاشتراعي رقم 23 تاريخ 23/3/1985. وتختص الهيئة بإعداد وصياغة الاستشارات القانونية والتشريعية، حيث تنجز سنوياً أكثر من 800 استشارة، وتشكل مرجعية مهمة للوزارات والإدارات اللبنانية في القضايا القانونية والتشريعية.

ورئيس الهيئة، هو قاضي عدلي من الدرجة السابعة على الأقل أو إداري بدرجة مماثلة، ويعين بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل. وهو الرئيس مسؤول عن إصدار الآراء الاستشارية وتوقيعها، وعضو في الهيئة الاستشارية العليا، وله أن يفوض بعض صلاحياته لمعاونيه بموافقة الوزير.

ويعاونه عدد من القضاة في إعداد وصياغة الاستشارات ضمن اختصاصاتهم، ويعينون بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل، بينما يتولى عدد من المساعدين والموظفين إتمام الاعمال الادارية والقانونية.

ومن مهام الهيئة: -إعداد وصياغة مشاريع القوانين والمراسيم والقرارات التنظيمية والتعاميم والمصادقة على المعاهدات والاتفاقات الدولية عند الطلب.
-تقديم اقتراحات تعديل واستحداث النصوص القانونية.
-تفسير النصوص القانونية وإبداء الرأي في العقود والأعمال التي تكون للدولة علاقة بها.
-إبداء الرأي في الخلافات بين إدارات الدولة أو بينها وبين الغير.
-منح شهادات العرف وإثبات مضمون القانون اللبناني للسلطات الأجنبية عند الطلب.
-إبداء الرأي في المصالحات التي تزيد قيمتها عن عشرة آلاف ليرة قبل إقامة الدعوى.

أما طبيعة الرأي القانوني للهيئة فهو استشاري وليس إلزامياً، وتتمكن الجهة الطالبة للاستشارة مخالفتها بقرار معلل.

المصدر: موقع المنار