أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بملف جيفري إبستين تسليط الضوء على واحدة من أخطر الفضائح الأخلاقية والسياسية في تاريخ الولايات المتحدة، بعدما كُشف عن شبكة علاقات واسعة ضمّت شخصيات نافذة من السياسة والمال والإعلام، وارتبطت باتهامات خطيرة تتعلق بالاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، ولا سيّما القاصرين.
وتضمّنت الوثائق القضائية والإعلامية أسماء شخصيات رفيعة المستوى، من بينها رؤساء سابقون ووزراء ورجال أعمال، مع تداول اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن دائرة معارف إبستين، رغم نفيه أي تورّط في الجرائم المنسوبة إليه.
وتكشف الفضيحة منظومة نفوذ عالمية متشابكة، قدّمت نفسها حاميةً للقيم وحقوق الإنسان، فيما تُلاحقها اتهامات بالفساد الأخلاقي واستغلال السلطة والإفلات من العقاب، وهي ذاتها المنظومة المتورطة في سياسات أدّت إلى كوارث إنسانية في المنطقة والعالم، بينها العدوان على غزة والاعتداءات على لبنان والحروب في الشرق الأوسط.
ورغم هذا السجل الحافل بالانتهاكات والازدواجية، لا تزال هذه القوى تتصدّر الخطاب الدولي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتواصل حملاتها السياسية والإعلامية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت عناوين الدفاع عن حقوق الشعب الإيراني.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مصداقية الخطاب الغربي، وقدرته على تنصيب نفسه حكمًا أخلاقيًا على شعوب أخرى، في ظل صراع يُنظر إليه على أنه مواجهة بين مشروع هيمنة قائم على القوة والازدواجية، ومشروع يرفع شعار الاستقلال ومناهضة النفوذ الغربي ودعم القضية الفلسطينية.
حول كل ذلك قال أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي الدكتور علي فضل الله “هذا هو وجه الغرب طوال الوقت، لكنه كان بارعًا، بحكم سيطرته على الأصول الإعلامية خلال المئتي سنة الأخيرة، بشكل أو بآخر، في بثّ سردية تجعله يبدو نظيفًا أو مرتبًا في نظر الآخرين، لكنه يعرف حقيقته”.
عن حقيقة الغرب.. والتناقض الفاضح بين الخطاب والتطبيق
ورأى فضل الله في حديث خاص لموقع قناة المنار الالكتروني ان “من الأمور اللافتة للغاية أن فضائح بهذا الحجم، ونحن نتحدث عن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة، وعن عشرات السنين، إذا ما راقبنا ردّ الفعل الشعبي في المجتمعات الغربية عليها، نجد أنه وإن كان يتم إثارة الموضوع أحيانًا وبشكل ساخر، فإن ردّ الفعل الشعبي ما زال مروّعًا، بمعنى أنه غير موجود”، واضاف “نعم، هناك انتقاد هنا أو هناك، لكنه لم يؤدِّ إلى ثورة شعبية، ولم يؤدِّ إلى انتفاضة، ولا حتى إلى نقد حاد واسع النطاق”، واعتبر ان “هذا أمر خطير جدًا، نحن أمام مجتمعات أصبحت مخرّبة، المجتمعات التي صوّتت للشذوذ في زمن ما بالموافقة هي مجتمعات تتجه نحو خيارات معينة، ولا تمتلك خطوط دفاع قيمية حقيقية”.

وقال فضل الله “هذا يذكّرني بخطاب لمايك بومبيو، عندما كان وزيرًا للخارجية الأميركية، وقبل ذلك مديرًا لوكالة الاستخبارات المركزية CIA))، وهو خطاب مسجّل وموجود بالفيديو، يقول فيه: نحن نكذب، نقتل، ونغش، ويقدّم ذلك على أنه جزء من المجد الأميركي، ويصفّق له الجمهور”، وتابع “نحن نتحدث عن مجتمعات بلغت حدًّا هائلًا من التردّي، ومن التناقض الفاضح بين الخطاب الذي تقدّمه عن القيم وحقوق الإنسان والحريات، وبين واقع لا يشبه هذا الخطاب إلى هذا الحد”.
وشدد فضل الله على ان “ما نشر يشكل هو فضيحة، مثل غيرها من الفضائح، فكل فترة تظهر فضيحة، تضعف بشكل كبير ما يُسمّى (القوة الناعمة) للغرب، لأن جزءًا كبيرًا منها قائم على خداع الشعوب وتضليلها، وعلى تقديم نفسه بوصفه موطن التكنولوجيا، والحداثة، والتطور، والعمران، والفنون، والجامعات”، واضاف “لم يعد هذا الخطاب يقنع أحدا”.
واوضح الدكتور فضل الله “عندما نصل إلى مسألة حقوق الإنسان في القانون الدولي، فإن أكثر اتفاقية حصلت على موافقات وتصديقات هي اتفاقية حقوق الطفل عام 1989، لأن الطفل واضح أنه ضعيف ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، وبالتالي يحتاج ليس إلى حماية واحدة بل إلى حمايتين، ولا خلاف على ذلك”، وتابع “مع ذلك، هذا هو الأداء: اعتداء على الأطفال، أكل للبشر، وأسوأ أنواع السلوك الإنساني”، واضاف “هذا يذكّرني أيضًا بكلام توم باراك، الذي ورد اسمه مع إبستين، عندما خاطب الصحافة اللبنانية وقال: تصرّفات حيوانية”.
الساقط أخلاقيًا لا ينصب نفسه وصيًا على الشعوب..
واكد فضل الله ان “هؤلاء أبعد ما يكونون عن فهم الإنسان، أو حتى عن رفع الشعارات القيمية والأخلاقية. وهؤلاء غير مؤهلين أصلًا، لا قيميًا ولا أخلاقيًا، ولذلك سيسعون إلى تجاوز هذه الفضيحة كما تجاوزوا غيرها سابقًا، وخلال فترة سيحوّلون الانتباه إلى قضايا أخرى”، وتابع “لكن يجب الانتباه إلى أن الزمن تغيّر، وأن الوعي تغيّر، وأن ما كانوا يسمّونه (الأيقونة المثالية) التي بهروا بها الشعوب الأخرى لم يعد صالحًا”، وشدد على انهم “لم يعودوا مؤهلين أصلًا لادّعاء الدفاع عن الحريات أو غيرها من الأمور”.

وقال فضل الله “على الصعيد الأخلاقي والأسري، الانهيار وصل إلى كل شيء، حيث تنكشف هذه المجموعات وهذه الجماعات أكثر فأكثر، وهذا يجعلها أكثر توترًا وتوحشًا، يستغلّون حقوق البشر والحيوان خطابًا من أجل النفوذ والهيمنة”، واوضح “طبعًا، هناك فرق شاسع بين الخطاب المثالي والواقع على الأرض”، واضاف “إذا عدنا إلى تاريخ ما يُسمّى خطأ الاستعمار، فنحن نتحدث عن خمسين مليون قتيل، من حاسب على ذلك؟”، واضاف “تستطيع الحكومات الغربية أن تنتهج سياسات تقتل شعوبًا بمئات الآلاف، ثم تعود وتتنصّل وتقول: لا علاقة لنا. لكن من الواضح تمامًا أن الأمور تنكشف، وهم أنفسهم لم يعودوا يظهرون اهتمامًا حقيقيًا بهذا الانكشاف”، وتابع “أليس جوزيب بوريل قد قال منذ فترة، وهو مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن أوروبا حديقة والعالم غابة؟”.
وقال فضل الله إنه “رغم كل هذه الجرائم، يزعم هؤلاء أنهم يدافعون عن الشعب الإيراني”، وسأل “كيف يمكن لمن ينصب نفسه حَكمًا أخلاقيًا أن يمارس هذا القدر من النفاق؟”، وتابع “خذ مثال الجيش الإسرائيلي، حين يخرج بنيامين نتنياهو ليقول إنهم: الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، في حين أن أكبر قسم لدراسات (أخلاق الحرب) موجود في الجامعة العبرية”، ولفت الى ان “هناك فجوة مروّعة بين ما يفعلون وما يقولون”، واضاف “لقد باعوا كذبة (الهولوكوست) طويلًا باعتبارها نجاحًا أخلاقيا، بينما الواقع مختلف تمامًا، ببساطة، هؤلاء لا يملكون الأهلية التي تخوّلهم تنصيب أنفسهم حكّامًا أخلاقيين على الشعوب الأخرى”.
يبقى أنّ على الشعوب التنبه لكل المخططات الشيطانية التي تُحاك للنيل من الإنسانية في مختلف المجالات، وعدم الانجرار وراء ما تريده القوى الاستكبارية، وذلك عبر التمسك بالقيم الأخلاقية والدينية والروحية التي ترفع من سمو الفرد وتماسك الأسرة والمجتمعات.
المصدر: موقع المنار
