يشهد لبنان خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في حجم المتساقطات المطرية والثلجية، في ظل تغيّرات مناخية متسارعة تنعكس مباشرة على الموارد المائية والقطاعات الحيوية، وسط تحذيرات من تداعيات متفاقمة على الأمن المائي والبيئي والمعيشي.
حجم المتساقطات مقارنة بالعام الماضي
وقال رئيس قسم التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية، محمد كنج، لموقع المنار، إن ظاهرة الاحتباس الحراري تُحدث تغيّرات كبيرة في أنماط تساقط الأمطار وتوزيعها، موضحًا أن بعض المناطق باتت تعاني من الجفاف والتصحّر، في حين تشهد مناطق أخرى فيضانات وسيولًا غير مسبوقة وخلال فترات زمنية قصيرة.
وأشار كنج إلى أن ما شهدته مدينة دبي مؤخرًا، ولا سيما في منطقة رأس الخيمة، من أمطار غزيرة وسيول، بالتزامن مع تداول مشاهد لتساقط الثلوج في منطقة حائل في المملكة العربية السعودية، يُعدّ مؤشرًا واضحًا على التطرّف في الظواهر المناخية، لافتًا إلى أن هذه المناطق لم تشهد ظواهر مماثلة منذ عشرات السنين، وفق روايات السكان.
وفي المقابل، لفت كنج إلى غيابٍ لافتٍ للثلوج عن المناطق الجبلية في لبنان، معتبرًا أن هذا الغياب يُعدّ من المؤشرات الأساسية على التغيّر المناخي. وأوضح أن التغيّر لا يقتصر على انخفاض كميات المتساقطات، بل يشمل اختلال توقيتها، حيث باتت الأمطار تسقط بشكل عنيف وسريع بدلًا من تساقطها التدريجي والطبيعي.
وحول ما إذا كانت السنة الماضية الأشد جفافًا خلال تسعين عامًا، أوضح كنج أن العام الحالي يبدو حتى الآن أفضل من السنة الماضية، إلا أنه لا يزال دون المعدلات الطبيعية. وأشار إلى تفاوت واضح في كميات المتساقطات بين المناطق اللبنانية، لافتًا إلى أن مدينة بيروت سجّلت خلال الفترة نفسها من العام الماضي وحتى اليوم كميات أمطار أقل من المعدلات المعتادة، مقارنة بمناطق أخرى مثل زحلة.

وأوضح كنج أن من أبرز تداعيات التغيّر المناخي انخفاض كميات المتساقطات، ولا سيما الثلوج، إضافة إلى الذوبان السريع لها، ما يمنع تكوين مخزون ثلجي استراتيجي يساهم في تغذية الأنهار والمياه الجوفية خلال فصلي الربيع والصيف. وأشار إلى أن هذا الواقع كان واضحًا خلال السنة الماضية، ويتكرر هذا العام مع تأخّر موسم تساقط الثلوج واقتصار التراكم على الجبال المرتفعة جدًا.
وأضاف أن شحّ المياه يؤدي إلى انخفاض المخزونات المائية الجوفية والسطحية، وجفاف عدد من الأنهار، وارتفاع الطلب على المياه، ما ينعكس سلبًا على الأوضاع المعيشية، لا سيما في المدن. كما لفت إلى تأثر القطاع الزراعي نتيجة الاعتماد المتزايد على المياه الجوفية، ما يهدد بنضوبها ويؤثر على توافر مياه الشرب، فضلًا عن تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية المعتمدة على مياه الأنهار، الأمر الذي يزيد الاعتماد على مصادر طاقة بديلة أكثر كلفة وتلوّثًا. وأشار كذلك إلى أن جفاف الأنهار يؤثر سلبًا على التنوع البيولوجي ويزيد من مخاطر حرائق الغابات.
وفي ختام حديثه، شدّد كنج على أهمية اعتماد مجموعة من الإجراءات للحد من تداعيات شحّ المياه، أبرزها تخزين المياه وإنشاء السدود، واعتماد الريّ بالتنقيط في الزراعة، إضافة إلى نشر الثقافة المائية في المدارس والمجتمع، والتعامل مع المياه كمورد محدود وثمين، خصوصًا في ظل اضطرار عدد متزايد من المواطنين إلى شراء المياه لتأمين حاجاتهم اليومية.

مسؤولية الدولة في المجلس النيابي
من جهته، قال عضو لجنة الطاقة والمياه النيابية، الدكتور حسين الحاج حسن، في تصريح لموقع «المنار»، إن لبنان، بوصفه جزءًا من منطقة الشرق الأوسط، يتأثر بتغيّر المناخ كغيره من دول العالم، ولكن بحدّة أشدّ. وأوضح أن البلاد تتعرّض لموجات تصحّر وتأثيرات مباشرة ناجمة عن تغيّر المناخ، ما أدّى إلى تراجع معدلات المتساقطات كمًّا ونوعًا.
وأضاف أن تساقط الثلوج أصبح أقلّ بكثير مما كان عليه سابقًا، كما تراجعت كميات الأمطار بشكل ملحوظ، لافتًا إلى خلل واضح في توزيع الهطولات، حيث انخفض عدد أيام الشتاء مقابل تركز الأمطار خلال فترات قصيرة وبغزارة أعلى، ما أحدث خللًا في المخزون المائي.
وأشار الحاج حسن إلى أن هذه التطورات تأتي بالتوازي مع زيادة الطلب على المياه نتيجة النمو السكاني من جهة، والنمو الاقتصادي والاستهلاكي من جهة أخرى، ما أوجد اختلالًا واضحًا بين كميات المتساقطات المتاحة وحجم الطلب المتزايد.
وأوضح أن لبنان أخفق خلال العقود الماضية في معالجة هذه الإشكالية نتيجة عوامل عدة، أبرزها الأسباب السياسية والانقسامات وغياب التمويل، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وسوء الإدارة، ما انعكس سلبًا على قدرة الدولة على تنفيذ الحلول المطلوبة. وأضاف أن مشاريع السدود لم تنجح، وبقيت أزمة العجز المائي قائمة، كما أن معظم مشاريع نهر الليطاني متعثّرة أو معطّلة في مراحلها المختلفة.

ولفت إلى أن الدولة تُعدّ الجهة الأساسية المكلّفة بإدارة هذا الملف، إلا أن ضعف الحوكمة والقدرات وسوء الإدارة أدّى إلى تفاقم الأزمة، في ظل تدهور شبه كامل في بيئة المياه. وأوضح أنه كان يُفترض أن تشكّل بعض المشاريع، ومنها مشروع سد بسري، خطوة أساسية لمعالجة العجز، ولا سيما في ظل الحاجة المتزايدة مع تراجع المتساقطات، إلا أن غياب رؤية واقعية متكاملة حال دون التنفيذ الفعّال.
وختم بالقول إن موضوع السدود جرى شيطنته عمومًا، وسد بسري خصوصًا، عبر حملات إعلامية طويلة حوّلته إلى مادة خلافية حادة، في وقت يواجه فيه لبنان أزمة مياه حقيقية، وأزمة تمويل حقيقية، ونقصًا فعليًا في كميات المياه المتوافرة للاستخدام المنزلي والزراعي والصناعي، مؤكدًا أن البلاد تقف اليوم أمام تحدٍّ كبير يتمثّل في تأمين مصادر مستدامة للمياه ومعالجة الخلل القائم بين العرض والطلب.
أمام هذا الواقع المقلق، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل سيتمكّن لبنان من تحويل أزمة المياه إلى فرصة لإعادة بناء سياساته المائية على أسس علمية ومستدامة، أم سيستمرّ التعاطي معها بوصفها أزمة ظرفية، إلى أن تصل البلاد إلى مرحلة تهديد فعلي للأمن المائي والمعيشي؟
المصدر: موقع المنار
