الثلاثاء   
   06 01 2026   
   16 رجب 1447   
   بيروت 22:24

فنزويلا في مواجهة التصعيد الأمريكي – نفط وثروات واستراتيجية الصراع

تتواصل فصول التصعيد بين الولايات المتحدة وفنزويلا في سياق توتر متصاعد يجمع بين الضغط السياسي، العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية المباشرة، ما يعكس رغبة واشنطن في توسيع نفوذها على ثروات البلاد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية.

وتعتبر الحكومة الفنزويلية هذه التحركات انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية وللقانون الدولي، معتبرة أن الذرائع الأمريكية، سواء تحت عنوان دعم «الديمقراطية» أو «مكافحة المخدرات»، تخفي وراءها أهدافًا اقتصادية وجيوسياسية واضحة، امتدادًا لسياسة تاريخية تهدف إلى إخضاع دول أمريكا اللاتينية واحتواء استقلاليتها.

تمثل فنزويلا حجر الزاوية في معادلة الطاقة العالمية، إذ تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يقدر بأكثر من 300 مليار برميل، معظمها في حزام أورينوكو الغني بالنفط الثقيل. هذا المخزون الهائل يجعلها هدفًا استراتيجيًا للقوى الكبرى، لا سيما في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية والحاجة المتزايدة للنفط خارج مناطق التوتر التقليدية.

ويشير المحللون إلى أن واشنطن تنظر إلى النفط الفنزويلي كرافعة لتعزيز أمنها الطاقوي وتقليص اعتمادها على مصادر أخرى، إضافة إلى حرمان خصومها الدوليين، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، من إقامة شراكات استراتيجية مع كاراكاس في قطاع الطاقة.

إلى جانب النفط، تمتلك فنزويلا احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، تُعد من الأهم في نصف الكرة الغربي، وثروة معدنية متنوعة تشمل الذهب والحديد والبوكسيت والألماس والكولتان، وهو معدن نادر يستخدم في الصناعات التكنولوجية والإلكترونيات الحديثة.

وتؤكد تقارير اقتصادية أن هذه الموارد، التي لا تزال أجزاء واسعة منها غير مستغلة بالكامل، تمثل عامل جذب رئيسي للشركات العابرة للقارات، فيما تتهم كاراكاس الولايات المتحدة بمحاولة فتح الطريق أمام هذه الشركات عبر إضعاف الدولة اقتصاديًا وسياسيًا وفرض واقع يسمح بإعادة السيطرة على القطاعات الاستراتيجية التي جرى تأميمها في السنوات الماضية.

اعتمدت واشنطن سياسة «الضغط الأقصى» على فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، من خلال فرض عقوبات على قطاع النفط والبنك المركزي وشخصيات سياسية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية في البلاد، في ما تصفه الحكومة الفنزويلية بـ«الحرب الاقتصادية» الهادفة إلى كسر إرادة الشعب ودفعه للقبول بالتدخل الخارجي.

من جانبها، تؤكد الإدارة الأمريكية أن خطواتها تهدف إلى دعم «الديمقراطية» و«حماية حقوق الإنسان»، إلا أن منتقدين داخل وخارج الولايات المتحدة يرون أن هذه الشعارات تتناقض مع الواقع، خاصة مع تصريحات علنية لمسؤولين أمريكيين عن أهمية الموارد الفنزويلية للاقتصاد الأمريكي.

لا يقتصر الصراع على البعد الثنائي بين واشنطن وكاراكاس، بل يمتد إلى توازنات إقليمية ودولية أوسع. ففنزويلا حليف مهم لعدد من القوى الصاعدة، وتشكل رمزًا لتيار سياسي في أمريكا اللاتينية يرفض الهيمنة الخارجية. ويخشى مراقبون من أن أي تصعيد عسكري مباشر قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفتح باب صراعات أوسع تمس أمن الطاقة العالمي.

في هذا السياق، تؤكد فنزويلا تمسكها بسيادتها الوطنية وحقها في إدارة مواردها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح يرفض منطق القوة ويصون سيادة الدول، محذرة من أن استمرار العدوان الأمريكي لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وتهديد السلم الإقليمي والدولي، وهو ما يضع العالم أمام اختبار حقيقي لجدية الالتزام بالقانون الدولي وحماية حقوق الدول المستقلة.

المصدر: يونيوز