قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (الأحزاب: 59)
انطلاقاً من هذا المفهوم القرآني الذي صاغ للحجاب إطاراً إنسانياً وأخلاقياً رفيعاً، بوصفه سياجاً للكرامة، وحصناً للهوية، وعنواناً للانتماء الواعي؛ لم يكن الحجاب يوماً مسألة شكلية أو عُرفاً اجتماعياً عابراً، بل هو قضية قِيَميّة كبرى تمسُّ جوهر بنية المجتمع واتجاهه الحضاري.
لقد أثبتت التجربة الإنسانية أنّ المجتمعات التي همّشت الحجاب وقيم العفاف لم تحصد إلا مزيدًا من الاضطراب وتفككا في الأمن الاجتماعي، في حين شكّل الالتزام الواعي بالحجاب في المجتمعات الإسلامية عامل وقارٍ واستقرارٍ وطمأنينة داخلية، ومدعاة تميّزٍ حقيقي للمرأة، خلافًا لما تروّج له الخطابات المادية السطحية التي تصوّر الحجاب قيدًا أو سجنًا، بل هو مساحة حرية تحرر الروح من قيود الاستهلاك و”تسليع” الجسد.
ولأن الحجاب يمثّل قضية اجتماعية محورية، لما يحمله من أبعاد تمسّ الهوية، والقيم، ودور المرأة، كان لا بدّ من مقاربة تربوية واعية تتجاوز الخطاب الوعظي التقليدي إلى بناء الفهم العميق والاقتناع الراسخ.
أربعون عاماً من البناء: المسار التكاملي للجمعية
من هنا، انطلقت تجربة جمعية كشافة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، الممتدة لأكثر من أربعين عامًا، في تعزيز ثقافة الحجاب والعفاف واللباس الشرعي، ضمن مشروع تربوي متكامل يرافق الفتاة في رحلة نموها، عبر محطات استراتيجية:
- التأصيل المعرفي: تهيئة الفتاة نفسياً وفكرياً قبل سن التكليف لفهم الحجاب كـ”شرف تكليف” وقربى للمحبوب.
- الاحتفاء بالتكليف الشرعي: تحويل لحظة التكليف إلى محطة وجدانية مضيئة عبر احتفاليات فنية ترقى لمستوى الحدث بأساليب فنّية راقية.
- المواكبة التربوية بعد التكليف: عبر برامج متخصّصة مثل «نجمات البتول (ع)»، تعزّز اللباس والسلوك الشرعي.
- ترسيخ مبدأ الأسوة الحسنة: من خلال القائدات الملتزمات اللواتي اتخذن من السيدة الزهراء والسيدة زينب (عليهما السلام) نموذجًا وقدوة.
وفي ظلّ تصاعد حملات التشويش الإعلامي والثقافي، واشتداد موجات التغريب، وهيمنة منطق «الموضة» على وعي الفتيات، ومع اشتداد الحرب الناعمة التي تستهدف الثقة بالذات وتشويه المفاهيم، برزت الحاجة الملحّة إلى وقفة مسؤولة تتسم بالعلمية والمنهجية.
من هنا، يأتي مؤتمر: «الحجاب… أصالة وتحدّيات»، ليكون استجابة تربوية رائدة، يهدف إلى تأصيل المفهوم وربطه بالعقيدة والهوية، وليكون:
- مساحة حوار وتفكير وتكامل رؤى لمناقشة التحديات المعاصرة بوعي وبصيرة.
- منبرًا للمواجهة الفكرية في وجه التشويش الإعلامي والثقافي بالحجّة والمنطق.
- مختبرًا للحلول العملية لتبادل الخبرات والتجارب وتطوير البرامج التي تعزّز الحجاب الشرعي وتحمي الفتيات من الانزلاق نحو التغريب والضياع.
خاتمة
إن كشافة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ليست مجرّد مؤسّسة تربوية، بل حركة قيميّة تسعى إلى صناعة الأمل، وبناء الإنسان، وتحصين الهوية، إيمانًا بأنّ التربية الأصيلة هي الأساس المتين لأي نهضة حقيقية.
إنّا نؤمن بان ما نزرعه اليوم في وعي فتياتنا، سنحصده غدًا مجتمعًا واثقًا، نقيًّا، عصيًّا على الانحراف.
ستبقى كشافة الإمام المهدي (عج) منارةً للعفاف، وحصنًا للقيم، ومصنعًا لأجيال تعرف قدرها، فتُرضي ربّها، وتحفظ كرامتها، وتبني أجيالًا تسمو… وتُمهِّد.
المصدر: كشافة الامام المهدي
