الأحد   
   31 08 2025   
   7 ربيع الأول 1447   
   بيروت 20:45

عن قائد علّمنا كيف يكون السلاح زينة…

“لبنان دون الجنوب أسطورة، وإن لبنان مع جنوب ضعيف جسم مشلول، وإن لبنان دون قوة الجنوب مغامرة تاريخية، إن الجنوب القوي سياجٌ للبنان واللبنانيين”.

الإمام السيد موسى الصدر في رسالة إلى النواب اللبنانيين في 4/12/ 1969

ككثيرين من فقراء لبنان في فترة الستينيات، اختار السيد عبد الكريم نصرالله رفع صورة للسيد موسى صدر الدين الصدر على أحد جدران دكانه المتواضع في حي شرشبوك  أحد الأحياء الشرقية الأكثر فقرًا في العاصمة اللبنانية بيروت. تحولت تلك الصورة لاحقاً إلى مصدر إلهام لابنه البكر حسن، تحديداً العبارة المرفقة التي كانت تمثل فكر ومسار صاحبها إلى حد كبير “أمل المحرومين وصرخة مستمرة في وجه الطغاة”.

بعد سنوات، تحديداً في 31 آب/اغسطس عام 1978، غُيّب السيد الصدر. بقي نهجه صرخة مستمرة في وجه الطغاة، كما تحوّل مقاومةً لكل أشكال التخلف والحرمان الاجتماعي، إلى جانب مشاريع التقسيم والاقتتال الطائفي والمذهبي، والأهم مقاومة بكل الوسائل لـ “شر مطلق” غرسه الغرب المستعمر وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية في هذه المنطقة لاستضعاف شعوبها: “اسرائيل”.

أما حسن، ذلك الصبي ابن حي شرشبوك الذي شهد على مظاهر الفقر بين أبنائه على اختلاف انتماءاتهم، وقد أشعل فيه ذلك ثورة تهدف إلى العدالة الاجتماعية على طريقة الإسلام المحمدي الأصيل، نهج السيد موسى نفسه، كبر وأصبح سيداً كملهمه.

كما حمل خيار مقاومة كل مظاهر الظلم قولاً وفعلاً، وفي مقدمتها عدو بلده “اسرائيل”، ليصبح قائداً لحزب تبنى مبادئ السيد الصدر في التصدي للمشروع الصهيوني في ظل غياب أي دور للدولة وقتها لأسباب عدة.

هو الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الشهيد العظيم الذي قاد مقاومة طوال أربعين عاماً، منذ عام 1982، داحراً الاحتلال عن الجنوب، والإرهاب التكفيري لاحقاً المهدد لمظاهر التقدم والتعايش، رافعاً لواء الوحدة، مسانداً المظلومين في قطاع غزة غير آبه بكل تهديدات المستكبرين، ومنادياً العرب حتى الرمق الأخير بأن “اسرائيل” خطر عظيم يجب منعه وردعه حتى لا يسيطر على المنطقة.

 كأنه يتحدث بلسان السيد الصدر قبل 47 عاماً، إذ كان يرى الأخير في المقاومة “خيراً مطلقاً” في وجه “شر مطلق” وأن التخلف عنها سيؤدي بنا إلى الذلة والمسكنة، كما تقول الآية الكريمة (112) في سورة آل عمران.

هنا في ذكرى تغييبه عن هذه الأمة قائداً وملهماً، نعود إليه، ونحن تعصف بنا مشاريع التقسيم والاقتتال الأهلي والاحتلال والاستسلام والتطبيع وبيع فلسطين.

كيف يكون السلاح زينة للرجال؟

في 15 نيسان/أبريل عام 1974، وقف الإمام السيد موسى الصدر في مدينة صيدا الجنوبية، قائلاً “نحن نريد الجنوب صخرة تتحطم عليها أحلام “اسرائيل” وتكون نواة تحرير فلسطين وطليعة المحاربين ضد “اسرائيل””.

ثم وقف في الصرفند بعد عام تقريباً، معلناً في خطاب، أن “التدريب على حمل السلاح واجبٌ كتعلمِ الصلاة، واقتناؤه، ولو بعت فراشك، واجبٌ كاقتناء القرآن، والله يشهد أنني تدربت على السلاح وأقتني منه عندي”.

لم يكن ذلك الموقف، أي الدعوة إلى حمل السلاح والتحضير لمقاومة “اسرائيل”، لأن “لبنان دولة مواجهة فلا يمكن إلا أن يكون منيعاً يدافع عن شعبه وعن أرضه، كما أنه دولة تحدّ ٍأمام “أسرائيل” نتيجة لموقعه الجغرافي”، لم يكن الأول من نوعه للسيد الصدر.

روى عضو هيئة الرئاسة في “حركة أمل” (أسسها الإمام الصدر عام 1974) خليل حمدان، في حديث لموقع المنار، أن “الإمام الصدر بتاريخ 4 نيسان 1974، من على منبر الجامع العمري الكبير في مدينة صيدا، خلال احتفال حاشد شارك فيه النائب معروف سعد، وممثل الأزهر الشريف الشيخ فهيم أبو عباه، وجّه انتقادًا مباشرًا للدولة اللبنانية بسبب تقصيرها في الدفاع عن الجنوب وحرمان أبنائه من حقوقهم”، مشيراً إلى أنه أي السيد موسى وقتها “أسف لذهنية السلطة اللبنانية التي كانت تتمسك بشعار “قوة لبنان في ضعفه”، فلم يوفّروا الغطاء اللازم للجيش للقيام بمسؤولياته الوطنية، مكتفين باللجوء إلى مجلس الأمن عند كل اعتداء”.

وأكد حمدان أنّ مقولته الشهيرة التي أطلقها في ذلك الحفل “السلاح زينة الرجال” “ما زالت تتردد حتى اليوم كتعبير صادق عن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون في مواجهة الاعتداءات الصهيونية، وأنّ الدفاع عن النفس حق مشروع وواجب وطني”.

ومن هذا المنطلق، قال حمدان، إن الإمام أنشأ أفواج المقاومة اللبنانية  “أمل”، بمتابعة شخصية منه وإشراف ميداني مباشر للشهيد الدكتور مصطفى شمران، الذي نجح في بناء قاعدة صلبة لهذه المقاومة. وقد أثمرت هذه الجهود حضوراً للمقاومة في أكثر من ساحة وميدان، على امتداد الساحل والداخل اللبنانيين، في مواجهة المشروع الصهيوني.

وفي السياق، لفت حمدان إلى أن الإمام المغيب “كان يمتلك رؤية واضحة للواقع اللبناني، إضافة إلى إدراكه حجم التحديات الكبرى التي يواجهها الوطن. فمنذ ما قبل قدومه إلى لبنان في أواخر عام 1959، حمل تصوراً شاملاً لمسؤولياته، وعند وصوله بدأ بمعالجة قضايا أساسية، في مقدّمها مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، خصوصاً على القرى الأمامية من كفرشوبا إلى الهبارية وكفركلا وحولا، وصولاً إلى بنت جبيل والناقورة والعمق اللبناني، حيث ارتكب العدو المجازر وواصل اعتداءاته اليومية”.

وفي الوقت نفسه، واجه الإمام الصدر قضية الحرمان المزمن الذي كانت تعاني منه مناطق واسعة في لبنان. فلا يكاد يخلو خطاب له من الدعوة الصريحة إلى التصدي للعدوان الإسرائيلي، وإلى ضرورة إزالة الحرمان. فقد اعتبر أنّ “تثبيت الناس في أرضهم وتأمين مقومات صمودهم يشكلان الركيزة الأساسية في مواجهة الأعداء”، حسبما أشار حمدان.

عليه، بنى الإمام الصدر مشروعه منذ تلك الفترة وحتى لحظة تغييبه على أساسين متلازمين: مطالبة الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، والعمل الجاد لإزالة الحرمان الاجتماعي والاقتصادي لكل اللبنانيين منفتحاً على مختلف الطوائف والمكوّنات، فكان يحاضر في الكنائس كما في المساجد.

القائد الذي رأى

“شخصية آسرة، لامعة، وقائدًا شعبيًا يتمتع بكفاءة عالية وكاريزما فريدة”، هكذا وصف النائب السابق للأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني سعدالله مزرعاني، في تصريح لموقع المنار، الإمام الصدر.

مزرعاني الذي التقى الصدر أوائل الستينيات، طالباً في الكلية العاملية في بيروت، ثم التقاه لاحقاً بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1976، كصحافي في جريدة “النداء” اللبنانية، في الكلية نفسها حيث كان السيد مشاركاً في اعتصام هناك، لفت إلى أن الإمام “تناول قضية الحرمان في لبنان، التي لم تقتصر على الجنوب وحده، بل شملت أطراف البلاد كافة، في مقابل الامتيازات والصلاحيات المركّزة في مناطق محددة”.

وأوضح أن “مقاربته انطلقت من زاوية الخلل في آليات عمل النظام السياسي اللبناني القائم على التمييز بين الأطراف والمركز”، لافتاً إلى أن ” “الإمام الصدر، خاض المعركة من داخل توازنات النظام السياسي، فأسس حركة سياسية واسعة الامتداد، حظيت باهتمام إعلامي كبير، وتُوجت بإنشاء “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” إلى جانب المؤسسات الممثلة للطوائف اللبنانية. ومن هذا المنطلق، قاد حملة لمواجهة الحرمان وإنصاف الفئات المهمّشة، فاستقطب جمهورًا واسعًا من مختلف المناطق، وطرح المطالب بقوة، ليصبح قطبًا بارزًا في الحياة السياسية اللبنانية”.

استشرف الإمام حقاً مخاطر المشروع الصهيوني على لبنان. رأى فيه مشروعاً يستهدف وحدته الوطنية وعيشه المشترك واقتصاده وحرياته، محذّراً من محاولة الاحتلال اللعب على وتر حماية الأقليات، تماماً كما يفعل الآن في المنطقة لتطبيق مشروعه التقسيمي وشرعنة وجوده.

في هذا الإطار، قال عضو المكتب السياسي لحركة أمل حسن قبلان، في حديث لموقع المنار، أنه “انطلاقاً من طبيعة المشروع الصهيوني الاحتلالي والإقصائي، دعا الإمام الصدر إلى مقاومة حضارية تستند إلى ثقافة الشعب وإيمانه وانتمائه الوطني والقومي، فضلاً عن مطالبته بدعم الجيش وتجهيزه لحماية الجنوب”، مضيفاً أنه “أول من وضع قضية القدس والمخاطر التي تهدد المسجد الأقصى في صدارة الاهتمامات، معتبراً أنّ الاحتلال لا يشكل خطراً على الفلسطينيين واللبنانيين والعرب فحسب، بل على الإنسانية جمعاء وأمنها وسلامها العالميين”.

وها هي أحداث المنطقة الآن وأطماع العدو خير مصداق على ذلك.

في ذكرى عاشوراء الإمام الحسين (ع)، في 12 كانون الثاني/يناير عام 1976، أعلن الإمام أن “الاعتداء على لبنان وبخاصة جنوبه، سيقابل بمعركة تبدأ ولا تنتهي مهما كان تفاوت القوى واختلاف الموازين”.

يبقى التمني أنه علم، أن هذا ما حدث. ثلةٌ ممن آمنوا بربهم فزادهم هدى، مع قائد أحبّه حباً حقيقياً، خاضوا المعركة التي رآها البعض ضرباً من الجنون وانتصروا. وصموا قوة العدو التي لا تقهر بعار الهزيمة، فأصابه هوس محوها كأنها لم تكن، ولن يفلح، لأنها “معركة لا تنتهي” ولأن صرختك بوجه الطغاة باقية بصوت سيد المقاومة الشهيد وصوت من خلفه، والآلآف من المجاهدين المقاتلين الآن ولاحقاً، حتى يمنّ الله على الذين استضعفوا في أرضه.

المصدر: موقع المنار