الخميس   
   05 11 2026   
   24 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 15:50

“حلف مكة” بين الواقع والمتوقع.. وسط تحولات وجبهات مشتعلة (تحديات – فاعلية – مصير) – الجزء الثاني

في هذا الجزء من ملف “حلف مكة الدفاعي” سنتناول مدى الفاعلية؟ الواقعية التنفيذية؟ التحديات والعقبات الشاخصة حاليا ؟ رسم مسار ومصير ومستقبل الحلف وما يمكن ان يحققه من نتائج؟ بالاضافة الى نظرة أبرز الفاعلين المعنيين، ايران ، الكيان الاسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية الى الاتفاق وانعكاساته؟

واللافت ان دول هذا الحلف قامت بإحداث أول اختراق في جدار النزاع والتصعيد في المنطقة على خط التصلب السعودي ضد ايران، وقد اعتبرت خطوة على طريق محاولة تغيير المشهد في المنطقة. فقد تداعى الى طهران بتاريخ 26/10/2026 كل من وزير الدفاع السعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية للتباحث بشأن الظروف الأمنية في المنطقة وتسوية النزاعات والتصعيد.

وقد اختتم الاجتماع الذي امتد لساعات بإعلان مشترك أكد على التفاهم مع الجمهورية الاسلامية حول قضايا اساسية منها، بحسب ما اعلنت الخارجية الايرانية، التوسع الاستعماري الاسرائيلي ونهج التدمير والتهجير الجماعي للفلسطينيين واللبنانيين. في حين صرّح أمين عام المجلس الاعلى للامن القومي الايراني محسن رضائي عن أسباب الزيارة الثلاثية بالقول: “أخبروني انهم قادمون ليهنؤني بالمنصب الجديد، وليناقشوا معنا ترتيبات أمن المنطقة، وقد اتفقنا على تشكيل لجان فنية ستعمل على ترتيب اجندة العمل قبل اي اجتماع لاحق”.

هذا في الوقت الذي رشَحت معلومات من أعضاء “الوفد الثلاثي” لاتفاقية مكة تقول، بأن الهدف الاساس هو تنسيق وتضافر الجهود لتحييد اي مرافق حيوية او بنى تحتية سعودية في حال اندلاع أي تصعيد حربي جديد بين أميركا وإيران في ظل استعار الجبهة بين السعودية وأنصار الله اليمنية.

إلا أن ما بين توقيع الاتفاق والبدء بتنفيذه والنتائج الممكنة، تقف تحديات محيطة متوقعة، مصدرها طرف أو أكثر ممن يعتاشون على عدم الاستقرار والأزمات الإقليمية، وقد لا يكون اجتياز هذه الاختبارات الصعبة بالأمر السهل في منطقة معقّدة وملتهبة كالشرق الأوسط.

عقبات محتملة يمكن أن تتسبب في إجهاض الكثير من الآمال المعلّقة على هذا الحلف منها :
• التباين في الأولويات الوطنية التي قد تختلف بين عضو وآخر، حيث تضع بعض الدول الملفات الاقتصادية أو أمن البحار والمضائق في المقدمة، بينما تركز أطراف أخرى على مكافحة أطراف إقليمية معينة.
• خصوصية جيوبوليتيكية وتهديدات مختلفة لكل عضو: إذ لا يمكن أن تجتمع هذه الدول الثلاث على قلب رجل واحد وخطة واحدة ومشروع مشترك واحد، إنما تجمعها قواسم مشتركة وتقاطعات وعند أي خلل في تركيبتها لا بد أن يهتز الحلف .
• تأثر الحلف بالضغوط والتقلبات الدولية، حيث يرتبط بقاء واستمرار الحلف بمدى استقرار علاقات الدول الاعضاء باالقوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا. بالإضافة إلى مصالح وردود أفعال القوى الإقليمية المنافسة أو المتضررة من نشاطه في حال كان فاعلاً والتي قد ترى في الحلف تهديداً لموازين القوى الجديد واهم هذه الاطراف كيان العدو.
• التحول من “اتفاق دفاعي” الى “حلف” يعني توسيع العضوية وإدخال أعضاء جدد بتوجهات وسياسات خارجية قد تكون مختلفة ضمن خارطة الطريق المستقبلية. وهذا ما قد يعقّد عملية اتخاذ القرار ويُضعف الانسجام الداخلي للحلف، اذ كلما اتسعت دائرة العضوية اتسع هامش التنوع والاختلاف في الاولويات والمحاذير .
• غياب القواعد البنيوية المتقدمة، فضلاً عن اختلاف العقيدة القتالية والمدارس العسكرية لجيوش الدول الثلاث ، ما يجعل دمج منظومات الاتصال، والقيادة، والسيطرة أمراً لي سهلاًً ويحتاج الى سنوات من التدريب المشترك والربط التقني.
• وجود ضبابية في استراتيجية التهديد الموحّد. فعدم وجود تعريف مشترك للعدو أو مصدر الخطر يربك العمل العسكري واستراتيجية الدفاع. فما يعد تهديداً حيوياً لطرف قد لا تراه الأطراف الأخرى تهديدا يستدعي الاستنفار والتفعيل الدفاعي العملياتي (حال اليمن حاليا، اذ اقتصرت الجهود الدفاعية المشتركة على محدودية اهمها كميات قليلة من السلاح وبعض المنظومات وخبراء هم قلة ولم تتجاوز حدود المملكة دفاعا عنها من دون ضربات هجومية).
• الافتقار للمناورات والتدريبات التراكمية بين جيوش الدول الثلاث. فبناء قدرات دفاعية حقيقية يستلزم تاريخاً طويلاً من التنسيق والتخطيط والتدرّب المشترك والشامل على سيناريوهات مواجهة الحروب، والدفاع الجوي، والإنزال؛ وهو ما يفتقر إليه الحلف ما يثير تساؤلات عدة.
• مشكلة جدية في آليات اتخاذ القرار العسكري المشترك، والقيادة المشتركة للعمليات .ففي ظل غياب قيادة عسكرية موحدة ومفوضة، سيتطلب اتخاذ قرار التحرك الدفاعي توافقاً سياسياً بطيئاً من عواصم الدول الثلاث، ما يجرّد الحلف من عنصر السرعة والردع الفوري. وهذا الامر واجهه الحلف في حرب السعودية ضد انصار الله خلال شهر اكتوبر 2026 لجهة القرار بالتجزئة وضعف الثقة بين تركيا والسعودية عندما طلبت الاولى تزويدها بالمعلومات الاستخبارية السعودية وان يكون لها “أكسس” على “داتا” غرفة العمليات الاستخبارية فرفضت المملكة.

هل يتحول “الإتفاق الدفاعي” الى حلف واقعي؟ وكيف؟

لا بد من التوقف مليًا عند حقيقة “اتفاقية الدفاع المشترك” ومآلاتها لتشخيصها ان كانت تعتبر حلفًا كامل الاوصاف والمضامين ك”الناتو” و “وارسو” سابقا ؟ أم هي مجرد اتفاق تعاوني عسكري ردعي وسياسي-اقتصادي وخدمات استثمارية عسكرية ومالية؟

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ترتقي الاتفاقية بالفعل الى مصافي الأحلاف الدولية وتسلك مسالك مشابهة؟ لجهة طبيعة الحلف العسكري ذو القيادة العسكرية الموحدة وكيانه وتشكيل قوة عسكرية مشتركة أم يبقى في إطار التنسيق والتعاون والدعم ومشاركة الخبرات؟

فالقيمة الأساسية للاتفاقية في مرحلتها الراهنة تبدو مرتكزة على التعاون والتنسيق الردعي بقرار موحد جماعي لتوفير حماية دفاعية للسعودية من داخل اراضيها فقط. بالاضافة الى تطوير التعاون الدفاعي لجهة بيعها بعض الاسلحة ومساعدتها بخبرات مدروسة ومحدودة وتهيئة الأرضية لمزيد من التنسيق الأمني والسياسي.

فتغيير المسمى من “اتفاق مكة” إلى “حلف مكة”، يعكس الانتقال من مجرد تفاهم سياسي أو إطار تعاوني محدد، إلى رابطة دفاعية هيكلية ذات صفة استراتيجية دائمة. هذا التوصيف يفرض على الأطراف إلتزامات أمنية وعسكرية متقدمة تتجاوز الصياغات الدبلوماسية التقليدية.

فالمفهوم الأساس لأي “اتفاق” يقوم على انه : إلتزام قانوني أو سياسي بين طرفين أو أكثر ينظم مسألة محددة، ويهدف إلى تنظيم علاقة أو تسوية قضية معينة، وتكون التزامات الأطراف فيه مرنة ومحصورة في بنود النص فقط. وقد يكون مؤقتاً أو مشروطاً بإنجاز هدف محدد ينتهي بعد تحقيقه أو بانقضاء مدته الزمنية.

أما مفهوم الحلف فيقوم على أنه:

• رابطة عميقة ومتصلة تمتد بين دول أو كيانات تجمعها مصالح كبرى مشتركة، وتستهدف التأثير في توازن القوى الموجود أو مواجهة أخطار وتهديدات خارجية جدية، أو تحقيق أمن جماعي، أو حماية النفوذ والاستقرار الاستراتيجي للأطراف المشاركة.
• يتطلب درجات عالية من التنسيق العسكري والأمني والسياسي، ويفترض التزاماً بالدفاع المشترك أو التحرك الجماعي عند تعرض أحد الأعضاء لخطر. ويتسم بالديمومة طويلة الأمد، وغالباً ما يتضمن إنشاء هيئات دائمة أو أمانة عامة وقيادة عسكرية مشتركة وهيكلية وتشكيلات مستقلة وواضحة محددة المهام .

في هذا السياق يأتي كلام هاكان فيدان وزير الخارجية التركي الذي أكد في أكثر من مرة بُعيد التوقيع توجه الدول الاعضاء نحو تحويل الاتفاقية الى حلف، عندما أعلن عن البدء بتشكيل الهيكل الأساس وتطوير بنية عملية تشير الى أن المشروع يتجاوز الإعلان السياسي إلى مرحلة المأسسة العسكرية والأمنية المتكاملة. هذه النظرة تشير إلى العمل على بناء آليات قيادة وتنسيق ميداني وتبادل استخباري منتظم بين الدول الثلاث.

هل يستكمل المسار نحو مأسسة عسكرية ميدانية؟

وفق ما سارت عليه الأمور حتى الآن على هذا التوجه والسياق فقد عقدت عدة اجتماعات تأسيسية وتنسيقية معلنة في السعودية وتركيا وتم إقرار دعم وتزويد المملكة بأسلحة حديثة محددة وخبراء في القيادة والعمليات.

وحسب التقدير من باكستان وفق ما عكسه الصحافي المتخصص بالشؤون الباكستانية روح العباس حسين في حديثه لموقع المنار ، فإن المسار الحالي يشير إلى مأسسة تدريجية لحلف دفاعي على المستويين القيادي والعملياتي لكن دونها تحديات وعقبات. وليس المطلوب إعداد الحلف ليكون قوة هجومية مشتركة على غرار الأحلاف العسكرية التقليدية؛ إنما ستظل حدود هذا التحول محكومة بالتوافق السياسي بين الدول الثلاث وباختلاف حساباتها تجاه الصراعات الإقليمية.

على الصعيد نفسه، فإن هذا التخطيط لمأسسته وتوسعته والذي يطرحه كركيزة لترتيبات أمنية إقليمية أوسع نطاقاً. هذه الركيزة تهدف إلى إعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة واستقطاب أطراف أخرى تبحث عن مظلة دفاعية مشتركة.

فاعلية الحلف وواقعيته :
حتى الآن، ومن خلال مراقبة مسار الأحداث المتصاعدة في جبهة شبه الجزيرة العربية بين حلف السعودية ضد الدولة اليمنية بقيادة حركة انصار الله، لم يظهر حقيقةً أن الدول الثلاث ومعهم مصر مؤخرا تقاتل فعلًا جنبا الى جنب. أما مستقبلاً فتشير ترجيحات الخبراء الى أن ذلك لن يحصل بالرغم من خطورة الوضع الذي تمر به السعودية وتصاعد حدة المعارك ونوعية الاستهدافات.

وهذا ما سيشكل تحديًا جديًّا للحلف، اذ ظهر بوضوح ان مشاركة تركيا وباكستان ومعهم مصر مؤخرا هي رمزية مدروسة ومحدودة هدفها دعم شكلي مقابل مصالح اقتصادية ومالية وسياسية ارضاء السعودية. اذ تتوقف هذه الدول عند طبيعة وهدف وكيفية الدفاع بوجه الهجمات أولًا ، وثانياً عند طبيعة المصالح التي يهددها في الدولة المستهدفة (السعودية حالياً).

وفي حال صحّت فرضية حصول تصعيد إيراني واسع ومباشر ردًا على السعودية بسبب مشاركتها اللوجستية مع الامريكيين في حرب ضدها، فبحسب الاتفاق المعلن، هذا يستدعي دعمًا عسكريًّا تركيًّا وباكستانيًّا ، فهل تتحرك الدولتان في اي عمل عسكري ضد ايران؟ وماذا عن امنهما المشترك والقضايا الاستراتيجية المشتركة بين كل منهما والجمهورية الاسلامية الايرانية؟ فوفق الخبراء هذا امر مستبعد .

وكذلك لن يكون الأمر سهلاً في حال نشوب حرب هندية – باكستانية مثلًا، والتي ستكون أكثر تعقيدًا. فمن غير المتوقع او الممكن دخول السعودية وتركيا حربًا شاملة ضد قوة نووية وعسكرية واقتصادية وبشرية عملاقة مثل الهند، خاصة أن البلدين تربطهما بالهند علاقات جيدة. لكن مع ذلك، هذه فرضيات نظرية، لأن واقع الأحداث قد يحمل المفاجآت أحيانًا .

وبحسب ما أكده الباحث في الشؤون التركية د. محمد نورالدين لموقع المنار فإنه “من المستبعد أن تتحول الاتفاقية الى حلف عسكري فاعل وانخراط أي دولة في الدفاع الفعلي والشامل عن الدولة الأخرى العضو .فلكل طرف حساباته التي تتناقض مع حسابات الأعضاء الآخرين في الحلف”.

بعد الحرب الأميركية/الإسرائيلية ضد إيران، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي على قناعة بأن الاتكال الوحيد على أمريكا في حمايتها، يعد مقامرة ومخاطرة بأمنها. وبات من الضروري مراجعة هذا الخيار، في ظل رئيس أمريكي متقلب المزاج متناقض القرارات وغريب الأطوار لا يراعي أدنى قواعد ادارة الحكم والعلاقات الدولية والديلوماسية وكذلك لا يراعي مصالح حلفائه ولا يُولي مخاوفهم الأمنية أي اعتبار. هذا ما يفسر ضرورة وجود قوة أخرى موازية تحقق الاستقرار وتبعث على الاطمئنان.

التحديات تَحول بين القدرة والفاعلية

“حلف مكّة” هو ذو تركيبته عجيبة، فهو يجمع بين دول ذات أجندات متباينة وحتى متعارضة أحيانا، وقد وُلد حاملاً عيوباً من شأنها أن تكبّل قدرتَه على الفعل حالياً ومستقبلاً.

فمن المهم أن تجتمع قوى اقليمية كبرى بوزن باكستان وتركيا والسعودية ومصر إن انضمت رسميًا الى الحلف، لكن الأهم هو تحويل قدرات وامكانات هذه الدول الى واقع وسلوك دفاعي عملي مشترك. فالاختلاف في الأولويات والرؤى ومصادر التهديد يحدّ من امكانية ترجمة القدرات الكامنة في هذه الاتفاقية إلى إطار دفاعي فاعل؛ لا بل يدفع في اتجاه بقائها ضمن حدود تحالف سياسي-أمني يرتكز، بالدرجة الأولى، على تبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب والمناورات المشتركة، والدفاع الجوي والصاروخي، والتصنيع الدفاعي المشترك.

وبحسب د. نورالدين فإن “طبيعة الاتفاق هي عسكرية وتقوم بالدرجة الأولى على تضافر الجهود لمساعدة السعودية بإمكانات معينة، وما عدا ذلك، ليس له وجود”.

ووفق الباحث في الشؤون السعودية والأمريكية علي مراد في حديث لموقع المنار، فإن “أقصى ما يمكن ان تحصل عليه السعودية من اتفاق مكة هو “المعلومات والتنسيق الاستخباريين، والطائرات المسيّرة التركية بيرقدار وسواها من الوسائل القتالية التي لا ترى تركيا حرجا في بيعها للرياض. وكذلك مساعدتها بخبرات من بعض المستشارين العسكريين الباكستانيين والأتراك في بعض القواعد السعودية، وتحشيد مواقف هيئات ومؤسسات ومنظمات باكستانية وتركية تتبنى الموقف السعودي اعلاميًا وسياسيًا، كجبهة إسناد للتصديق على بيانات السعودية وسرديتها عن المواجهة مع صنعاء”.

ولن تحصل المملكة على أكثر من ذلك، وهذا من مصاديق المأزق الكبير الذي تمر به حاليًا وهي تفقد صادراتها ومنشآتها النفطية، فيما قواعدها الكبرى في العمق تتعرض للقصف ردًا على غارات طائراتها ضد اليمنيين وتحريك الجيوش من العناصر المرتزقة ضد أنصار الله في جبهات القتال داخل اليمن .من هنا، تظل فكرة الدفاع المشترك التلقائي والشامل محدودة التطبيق عملياً .

وعليه، تبدو مجالات التعاون الأكثر واقعية وقابلية للتفعيل متمثلة في تبادل المعلومات الاستخباراتية ، والتدريب العسكري ورفع الجاهزية والكفاءة القتالية، وتعزيز قدرات الدفاع عن أراضي الدول الأعضاء في مواجهة الهجمات المباشرة، إلى جانب تطوير التصنيع الدفاعي المشترك ونقل التكنولوجيا، ولا سيما في إطار التعاون التركي–الباكستاني، مع الاستفادة من الدعم والتمويل الخليجي .

خصوصيات قوى الحلف تخلق تحديات

تركيا تملك صناعات دفاعية متقدمة وجيشًا قويًّا، وباكستان تملك قوة عسكرية كبيرة و ترسانة نووية تقدر ب 170 رأس نووي، بينما توفر السعودية التمويل والوزن الجغرافي والاقتصادي. كما أن انضمام دول الخليج قد يمنحها ردعًا إضافيًّا وتنويعًا لشراكاتها الأمنية، لكنه قد يجرها أيضًا إلى صراعات لا تريدها، بسبب اختلاف مصالح دول مجلس التعاون وتباين رؤاها السياسية.

وربما تكون الإمارات هي الحال الأصعب، نظرًا لما يربطها بالهند من شراكة دفاعية متقدمة وعميقة، وما تقيمه من علاقات إستراتيجية وأمنية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي. فالمعضلة الأمنية السعودية وفق المملكة تتمحور أساسًا حول إيران، وهي نظرة لا تشاطرها إياها الدولتان الأخريان لما تربطهما بإيران من قضايا استراتيجية لا يمكن المساس بها .

فباكستان حليف تاريخي لايران وتربطه به مصالح اقتصادية استراتيجية متزايدة جلها التبادل الاقتصادي والطاقة وطريق الحرير وحدود جغرافية طويلة وحساسة ديموغرافيا وعرقيًا اذ تتشاركان الموقف من الجماعات الانفصالية في إقليم سيستان وبلوشستان المشترك بين البلدين . كما تشتركان في الديمغرافيا الدينية والمذهب الشيعي الجعفري اذ تقدر الكتلة الشيعية ما بين 25 و 30 مليون مواطن باكستاني هم موجودون في معظم مفاصل القرار والنظام . وعليه فلن تقوم بأي عمل مضر بإيران، حتى ان الامر لا يصل الى مجرد التفكير به .

أما تركيا، ووفق وكالة الاناضول فقد حاولت اجهاض، خططًا إسرائيلية لاستخدام القوى الكردية الإيرانية “رأس حربة” في محاولة كانت معدة للإطاحة بنظام الجمهورية الاسلامية الإيرانية من خلال اتصالاتها بالرئيس ترمب، وكان ذلك خلال الأيام الأولى من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران قبل ان يتبين بحسب الرئيس الأميركي ان الأكراد انفسهم لم يلتزموا باستخدام السلاح الذي تم تهريبه لهم . وفي حين تبقى الهند مصدر التهديد الرئيس في العقيدة الدفاعية الباكستانية، تتحرك تركيا ضمن بيئة أمنية تواجه فيها تحديات من جانب إسرائيل واليونان خصوصًا.

وفي كلتا الحالين، لا تتشارك السعودية وتركيا النظرة نفسها؛ إذ ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية كبيرة مع الهند، التي تمثّل ثاني أكبر شريك تجاري لها بعد الصين، بقيمة إجمالية بلغت 50 مليار دولار عام 2025 . كما ترتبط السعودية بعلاقات متينة مع اليونان، وتوجد قوات عسكرية يونانية في السعودية، أرسلت لدعمها خلال الحرب على إيران، واعترضت صواريخ أطلقها اليمنيون في تموز و آب 2026.

من هنا، فإن الدول الثلاث تسعى للمأسسة، ولكن ذلك أمر صعب ودونه عقبات استنادا لظروف كل بلد وفق ما أكده الباحث والكاتب د.نورالدين . فعمل الحلف كما يراه سيقتصر على التنسيق والمساعدات التقنية وتوفير مقاتلين مأجورين للسعودية ضد أنصار الله من قبيل الفصائل التكفيرية في سوريا والعراق كداعش وفلول علي عبدالله صالح وبعض التيارات المتطرفة.

مصير ومستقبل وسط التحديات

من المتوقع عمليًا أن تُضاف اتفاقية مكة إلى الترتيبات الأمنية القائمة بدلاً من أن تحلّ محلها. ويمكن لها أن تتكامل مع علاقات السعودية بالولايات المتحدة وشركاء آخرين، وان تتضافر مع الأطر القائمة داخل مجلس التعاون الخليجي، ومع عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، والشراكات الدفاعية الدولية لباكستان، فضلاً عن العلاقات الأمنية الثنائية بين الدول الثلاث.

ولعل العلامة الفارقة التي تميز الاتفاقية نظرياً هي عدم ارتباطها بقوة عظمى تهيمن عليها أو بحلف عالمي، ما كان سيجعلها رهينة لمصالحها وقراراتها. وفي أوقات الأزمات، قد يسهّل ذلك التشاور السياسي بوتيرته السريعة، ويعزّز التنسيق الإقليمي، ويتيح استجابة تتمتع بقدر أكبر من الحركة المفترضة الإقليمية.

ويبدو حتى الآن أن أنقرة وإسلام أباد تريان أن يقتصر الدعم والتعاون الدفاعي على تقديم بعض الاسلحة والخبرات والمشورة . وليس من ضرورة لأي تحرك عسكري جِدي بري أو جوي بشري تفعيلًا للدفاع المشترك لأسباب ثلاثة، كون أمنهما القومي ليس مهددًا، ونظرًا لوجود اعتبارات داخلية مرتبطة بالنسيج الاجتماعي والطائفي في كلا البلدين، وثالثاً بالإضافة إلى مصالح كل من البلدين مع الدولة الجارة القوية إيران.

ومن المتوقع أن تؤثر الاتفاقية في الحسابات الاستراتيجية للقوى الخارجية. فقد يؤدي تعزيز التنسيق بين تركيا والسعودية وباكستان إلى تقوية موقع الدول الثلاث التفاوضي في مجالات مثل المشتريات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، والتعاون العسكري، ودبلوماسية الأزمات. وقد تدفع أيضاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى النظر إليها بوصفها دولاً تسهم في محاولة انتاج أسباب الأمن، لا مجرد مستهلكة لمواده .

ووفق ما أكده الأكاديمي والباحث الخبير بالشؤون التركية د. محمد نورالدين فإن المرجح أن تقتصر مهام ونشاطات الحلف مستقبلاًعلى خدمات عسكرية وبشرية وتقنية متبادلة محدودة، وإن من يتجه الى أبعد من ذلك من الدول الاعضاء يعرض نظامه ودولته وشعبه لمخاطر محدقة غير منظورة ذات تداعيات مؤذية مشيرا الى الحربين القائمتين والمرتبطتين في المنطقة والتي تشكل السعودية قاسما مشتركا فيهما.

الصحافي المتخصص بالشؤون الباكستانية روح العباس حسين وفي مقابلة خاصة لموقع المنار قال: “إن موقف باكستان حتى الآن يتمحور بين محاولة التوازن بين التزامها بالدفاع عن السعودية وتجنب الانخراط في مواجهة إقليمية كبرى، وبالاخص مع دولة بمكانة وقدرات ايران .

لذلك يُرجح أن يتركز دور باكستان التعاوني على الدفاع الجوي، والإسناد الفني بالسلاح والخبرات المقننة، وحماية المنشآت والممرات البحرية، مع تجنب العمليات البرية الهجومية داخل اليمن التي قد تفرض كلفة سياسية وأمنية داخلية وبشرية واقتصادية .

وفي المقابل، “تتسم العلاقة الباكستانية-الإيرانية بطابع براغماتي حسّاس، وفق ما أكده روح العباس حسين، إذ تحرص إسلام آباد على الحفاظ على قنوات التواصل والتعاون مع طهران، بالتوازي مع علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية ودول الخليج. كما أن قضايا الحدود المشتركة وبالأخص في بلوشستان، والأمن الحدودي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، تفرض على باكستان تجنب تحول التنافس الإقليمي إلى مواجهة مباشرة مع إيران. لذلك تميل إسلام آباد إلى احتواء التوتر وإدارة التوازن بين طهران والرياض، بما يسمح لها بالحفاظ على مصالحها الأمنية والاستراتيجية دون الانخراط في استقطاب إقليمي حاد”.

بناء على ما تقدم ، من المهم عدم المبالغة في التوقعات بشأن النتائج المرجوّة من “الاتفاق-الحلف” على المدى القصير . من هنا يقف الحلف أمام فرضيتين،

• أن يتحول إلى ركيزة أمنية دائمة في حال نجاحه في بناء مؤسسات عسكرية وأمنية مشتركة وتجاوز التباينات المرحلية،
• أن يتراجع إلى صيغة تنسيق سياسي مرن إذا ما اصطدم بتناقضات المصلحة الوطنية لأعضائه عند اشتعال الأزمات الحادة.

وتتضاعف احتمالات تعثر الحلف عندما تواجه إرادته السياسية واقعاً عملانيًا معقداً . وتبقى اختبارات الأزمات المباشرة هي التي تظهر القوة الحقيقية لأي حلف دفاعي عند وقوع أول اختبار أمني أو عسكري فعلي؛ فمدى التزام الأعضاء بالدفاع المشترك عند استهداف أحدهم هو المحدد الفاصل لمصداقيته ومساره ومصيره المستقبلي.

ومن دون معالجة هذه الثغرات عبر معاهدات ملزمة، واستثمارات ضخمة في البنية اللوجستية، وتوحيد منصات القيادة، يظل الحلف معرضاً للتحول إلى إطار للتنسيق السياسي وليس مظلة ردع عسكرية قادرة على العمل الميداني.

“حلف مكة” وفق منظار “الكيان الاسرائيلي”

حظي اتفاق الحلف باهتمام لافت في وسائل إعلام العدو الإسرائيلي، والتي تناولت الاتفاقية من زاوية تأثيرها المحتمل في موازين القوى الإقليمية خصوصا في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة. وقد ركز الاهتمام على مضمونها الدفاعي، وايضًا على اجتماع القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للدول الثلاث ضمن إطار أمني واحد.

فصحيفة “يديعوت أحرونوت تمايزت بوصفها للاتفاقية بأنها تجمع ثلاث دول سنية في إطار دفاعي مشترك يعزز مبدأ الردع الجماعي. لكن صحيفة “إسرائيل هيوم” اعتبرت بأن “نشوء تحالف أمني بين الدول الثلاث لم يكن وليد التطورات الأخيرة بل كان مطروحا منذ أشهر، إلا أن التحولات المتسارعة في المنطقة أسهمت في تسريع بلورة الاتفاقية والوصول بها إلى خاتمة التوقيع.

وبدورها صحيفة “معاريف”الاسرائيلية”، قد ركزت على أن الاتفاقية وُقعت وسط الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والاضطرابات التي تشهدها المنطقة. وقد وصفت التحالف يجمع بين القوة الاقتصادية السعودية والقوة العسكرية التركية والقدرة النووية-العسكرية والسياسية الباكستانية.

وعليه، فإن “حلف مكة” لا يستهدف الكيان الإسرائيلي وإنما العدو الإسرائيلي هو الذي يستهدفه. فهو لم ينتظر طويلا للرد على إلاعلان عن تشكيل التحالف حتى عبّرت قياداته معتبرة أنه يعرقل مشروعها الهادف إلى إقامة “اسرائيل الكبرى” في إطار الشرق الأوسط الذي تسعى إلى إعادة تشكيل خريطته. في حال تخلت السعودية فعلياً عن التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية وهو امر مستبعد نظراً للارتباط الوثيق بين السعودية والولايات المتحدة .

وفي هذا الإطار يمكن أن يندرج الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري السوري والذي أعلن نتنياهو، أن هذا الهجوم هو بمثابة تحذيرا لتركيا من إقامة أي قاعدة عسكرية في سوريا، كرسالة لتركيا دون ان يعني ذلك اشهار العداء للسعودية .

“حلف مكة” بالمنظار الايراني

حرصت إيران، وعلى عكس ما ذهب إليه العديد من المحلّلين، على نفي أن يكون “حلف مكّة” “تكتّلا موجَّها ضدها”، بل أعربت عن أملها في أن تكون “اتفاقية مكّة للدفاع المشترك” نواة لنظام أمني إقليمي فاعل و”مستقلّ” عن الهيمنة الامريكية والقوى الخارجية مع تصور امكانية أن ينفتح عليها وأن تنفتح عليه.

لا بل، رحّبت أيضا بأيّ مبادرة تعزز اعتماد دول المنطقة على نفسها في حمايتها وحفظ أمنها ، شرط أن تكون المبادرة شاملة وأن تحدد مصادر التهديد بصورة صحيحة.

من هنا ، قد يكون هذا الموقف الهادئ ، إضافة الى ما أظهرته ايران من قوة عبر تدمير القواعد الأميركية في المنطقة هو الذي جعل الدول المؤسِّسَة تقترح على إيران التباحث معها حول القضايا المرتبطة بالأمن الجماعي في المنطقة، ربما تمهيدا لما هو أبعد من ذلك.

أمريكا..كيف تنظر الى الحلف؟ وماذا تريد منه؟

الموقف الامريكي تجاه الحلف اتسم بالقبول، لا بل قد يكون مطلوباً اميركياً لانه يشكل قيمة مضافة في قدرات الولايات المتحدة على ضبط الأمن في الممرات المائية في بعض الاحيان بما لا يتعارض مع سياستها الخارجية، كما انه قد يخفف العبء عن قواتها المسلحة.

ومن ناحية اخرى، تشكل هذه التحالفات كما الاتفاقات من وجهة نظر الادارة الامريكية، صمام أمان لردع دول مثل ايران و غيرها من التشكيلات غير الدولتية عن التأثير بأمن الاقتصاد العالمي باستهداف محطات الطاقة وممراتها وتهديد الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي في هذه الدول أو العمل على تغيير الخارطة الجيوسياسية.

ووفق الكاتب في السياسة الامريكية علي مراد، فقد “استند الموقف الامريكي في اساسه على استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 ومبدئها القائل ب”نقل الأعباء الى الحلفاء” وقد ورد ذلك في باب الأولويات” . وذلك يعني بأن واشنطن لديها مصلحة بتخفيف الأعباء وايكال جزء من دورها ومهامها الأمنية الى دول تدور في فلكها وتصنّفها بأنها حليفة للقيام بأدوار لطالما شكلت أعباء متنوعة على واشنطن ..

من هنا جاءت الإشادة الصريحة والواضحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالاتفاقية وبتأسيس الحلف ، والتي تزامنت مع انعقاد الاجتماع الأول لأطراف الحلف في إسطنبول على مستوى وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان. وتلك لا يمكن قراءتها الا ضمن اطار الرغبات والتمني الامريكي والمطلب الهادف إلى إحداث توازن إقليمي مع الجمهورية الاسلامية الايرانية القوة الأبرز في منطقة غرب آسيا وشرق المتوسط .

كما ان البدء بتنفيذ الاتفاق قد يساعد ترمب في ايجاد مخرج للخروج من الحرب وتخفيض الحضور العسكري في المنطقة، او لربما الوعد بالانسحاب من الخليج في حال أفضت الظروف والضغوط الى هذه النتيجة في الاتفاق النهائي للتسوية بين ايران والولايات المتحدة .

وقد وصف ترامب الاتفاق بأنه “خطوة أولى كبيرة ومهمّة وجريئة…تُظهر أن دول الشرق الأوسط تتجمّع مع بعضها البعض، وكيف ستقوم هذه الدول أخيراً بالدفاع عن نفسها بطريقة أفضل”.

يبقى ان نتوقف عند ما هو غير معلن وعند التوقيت، فوفق د. نورالدين “التوقيت مرتبط برغبات الولايات المتحدة -ومعها اسرائيل- لتجميع أكبر عدد من القوى السنية في المنطقة، من دون اعارة الاهتمام لنفاق وأكذوبة معاداة تركيا لإسرائيل، ضد ايران في سياق السعي الأميركي لإضعاف ايران وربما محاولة اسقاط نظامها وبالأخص أن الدول الثلاثة تدور في الفلك الأميركي بأشكال ومستويات مختلفة”.


المصادر : BBC عربي وفارسي – CNN – مجلة الأمان – المركز الليبي للدراسات الامنية والعسكرية – LCSMS – وكالة الأنباء السعودية “واس” – جريدة “أم القرى” السعودية – صحيفة الشرق الاوسط – مركز الشرق الاوسط للدراسات الدولية – الموسوعة العربية-أرابيكا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – رويترز – وكالة الاناضول – وكالة تسنيم – نيويورك تايمز – مقابلات خاصة مع باحثين وخبراء .

المصدر: موقع المنار