أفرزت الانتخابات في الكيان الإسرائيلي مشهداً سياسياً معقّداً يعيد إنتاج الأزمة الداخلية، ويتيح، في الوقت نفسه، قراءة جديدة للمرحلة المقبلة وتداعياتها على المستويين الميداني والإقليمي. وفي ظل السباق المحموم لتشكيل الحكومة المقبلة، لا تقتصر الأزمة على الحسابات البرلمانية المعقّدة في الكنيست، بل تمتدّ لتلقي بظلالها على خيارات الحرب والتصعيد في الضفة الغربية والجبهات الإقليمية.
تثبت التطورات الميدانية في الضفة الغربية، ولا سيما في محافظة الخليل، أن ما يجري ليس مجرد تحرّك تكتيكي، بل جزء من استراتيجية حكومية مستمرة تهدف إلى حسم الملف وفرض واقع جديد. فما شهدته الخليل من حصار وعقوبات جماعية واقتحامات يستهدف تثبيت نمط «الإخلاء الممتد» وتغيير المشهد السياسي والديموغرافي، على غرار ما شهدته مخيمات شمال الضفة الغربية في جنين وطولكرم.
وقد عملت أحزاب اليمين على استغلال الإجراءات الميدانية ورقةَ دعاية انتخابية لرفع معنويات جمهور المستوطنين، واستكمال مخطط التوسّع الاستيطاني وتآكل الأرض الفلسطينية. وعلى الرغم من احتمال تراجع حدّة الاعتداءات أو وتيرة التصعيد الميداني المباشر في حال نجاح معارضي اليمين في تشكيل الحكومة، فإن «ثقافة الاستيطان» ستبقى ثابتاً سياسياً داخل مؤسسات الكيان الإسرائيلي. وفي حال استمرار بنيامين نتنياهو على رأس حكومة تصريف أعمال، يُرجَّح تزايد الخطوات الاستيطانية لفرض وقائع ناجزة، واستغلال الغياب الفعلي لأي ثمن سياسي أو ميداني.
سيناريوهات التشكيل ومستقبل نتنياهو
تتأرجح خيارات تشكيل الحكومة المقبلة في الكيان الإسرائيلي بين مسارات عدة، تبرز في صدارتها محاولة زعيم تكتل التغيير، غادي آيزنكوت، تأمين الأغلبية اللازمة لإزاحة نتنياهو. وعلى الرغم من وجود عقبات بنيوية ترتبط بالعنصرية المتجذّرة في العقلية السياسية تجاه الاعتماد على الأحزاب العربية، يبقى خيار تشكيل حكومة أقلية مدعومة بشبكة أمان، أو الاعتماد على التكتيك البرلماني القائم على «الامتناع عن التصويت»، سيناريو وارداً ومطروحاً بقوة لدى المعارضة لتفادي التحالف المباشر وتأمين النصاب المطلوب.
في المقابل، يراهن نتنياهو على أدوات المناورة التقليدية لاستمالة الأحزاب الحريدية، «شاس» و«يهدوت هتوراه»، عبر تقديم تنازلات تتعلق بقانون التجنيد، أو ممارسة الابتزاز السياسي على المعارضة بالتهديد بالإبقاء على حكومة تصريف أعمال أو الذهاب إلى انتخابات جديدة. غير أن تحوّلات المشهد ومطالب الشارع المتظاهر تزيد الضغوط على المعارضة لتجاوز خلافاتها الداخلية وإغلاق الباب أمام عودة نتنياهو.
احتمالات التصعيد الإقليمي والحرب
تتأثر احتمالات توسّع الحرب على الجبهات الخارجية بالواقع السياسي الجديد والقيود الميدانية والإقليمية.
يسعى نتنياهو إلى تسويق سيناريوهات تصعيدية ضد أهداف إقليمية، أو مواجهة مع إيران، مدخلاً لتخفيف الضغوط الداخلية وفرض «حكومة وحدة وطنية» بذريعة الخطر الخارجي. غير أن الإقدام على مغامرة عسكرية واسعة يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضرورة تأمين غطاء أميركي والتنسيق الكامل مع واشنطن، إضافة إلى الموقف الميداني للمؤسسة العسكرية، التي قد ترفض الانسياق وراء خيارات سياسية غير محسومة النتائج.
وتواجه التهديدات الخارجية والرهان على الدعم المطلق من الإدارة الأميركية واقعَ التغيّرات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة والتوازنات البرلمانية المرتقبة في انتخابات التجديد النصفي، ما يقلّص هامش الحركة المتاح لقيادة الكيان الإسرائيلي لإشعال مواجهات جديدة.
وأثبتت التطورات على الجبهات المختلفة، سواء في لبنان أو عبر مسيّرات الفصائل الإقليمية، أن أي جبهة مفتوحة تفرض أثماناً ميدانية واقتصادية باهظة، تُضعف القدرة على تحقيق الأهداف السياسية المعلنة، وتُبرز حدود القوة العسكرية في فرض واقع استراتيجي جديد.
تؤكد نتائج الانتخابات أن نتنياهو يواجه واحدة من أشدّ أزماته السياسية، بعدما استنفد معظم أوراق المناورة والتهويل التي اعتمد عليها لسنوات. ومع تفكّك الائتلاف الحاكم وفشله في تحقيق الحسم العسكري أو السياسي، أصبحت خياراته محدودة؛ فلا المغامرات العسكرية الخارجية باتت مأمونة العواقب لإنقاذه، ولا ابتزاز المعارضة قادر على منح سلطته شرعية جديدة.
إن انغلاق المنافذ أمام نتنياهو وتراجع قدرته على تجميع الأغلبية يضعانه أمام خسارة حتمية ووشيكة، ما يمهّد لمرحلة سياسية جديدة قد تنتهي بتفكّك «الليكود» وإنهاء قبضة اليمين المتطرف على مقاليد الحكم.
المصدر: موقع المنار
