السبت   
   31 10 2026   
   19 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 23:16

كرامي من طرابلس: التعليم الرسمي يواجه خطراً وجودياً والإصلاح ضرورة لضمان استمراره

أكدت وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي أن التعليم الرسمي يواجه «خطراً وجودياً»، مشدّدة على أن إصلاحه يمثّل أولوية أساسية، وأن كلفة عدم معالجة اختلالاته أكبر من كلفة القرارات التنظيمية، فيما كشفت عن ضغوط مالية من وزارة المالية والجهات المانحة لمنع الإنفاق غير المبرّر.

وجاءت مواقف كرامي خلال لقاء حواري حول إصلاح قطاع التربية، نظّمه الحراك المدني في معرض رشيد كرامي الدولي، بحضور رئيس بلدية طرابلس الدكتور عبد الحميد كريمة، ورئيس مجلس إدارة المعرض الدكتور هاني شعراني، وحشد من فاعليات المدينة.

واستُهلّ اللقاء بكلمة لرئيس الحراك المدني بشارة حبيب، تلتها كلمة للمعرض ألقاها الدكتور باسم بخاش، ثم قدّمت غيدا بكري الوزيرة كرامي. وأدار الحوار نعمة محفوض وسلاف الحاج، وتناول إصلاح القطاع التربوي وتحدياته وآفاق تطويره.

وقالت كرامي إن إصلاح التربية لا يمكن فصله عن المظلّة الإصلاحية التي جاءت الحكومة تحتها، مضيفة: «نحن حكومة إصلاح، وتعهّدنا ينصّ على أننا أتينا كفريق تكنوقراط بالكامل. وأنا شخصياً جئت دون أي خلفية سياسية، ودون أي طموح سياسي بالمعنى المهني لمسيرتي، لأضع خبرتي في خدمة المجتمع من موقع مختلف».

وأوضحت أن هذه الرؤية دفعتها منذ البداية إلى التركيز على التعليم الرسمي، باعتباره المساحة التربوية الوحيدة التي تملك الأمل في تقديم خطاب تربوي جامع، في ظل التجاذبات التي يشهدها المجتمع.

وشدّدت على ضرورة بدء الإصلاح من المدرسة الرسمية، مشيرة إلى الانخفاض المستمر في أعداد طلاب المدارس والثانويات الرسمية خلال السنوات الأربع الأخيرة. وقالت إن ما احتفلت به الوزارة بين العام الماضي والعام الحالي هو الحفاظ على أعداد الطلاب ومنع تراجعها رغم الظروف.

وأضافت أنها أعطت التعليم الرسمي الأولوية، ولم تركّز على ما يمكن القيام به في القطاع الخاص، ليس لأنه خالٍ من المشكلات التي تستوجب المعالجة، بل لأن الأولوية هي إنقاذ التعليم الرسمي.

وتحدثت كرامي عن «الغياب الكلي لدور الوزارة»، معتبرة أنها أصبحت مجرّد هيكل تُلقى عليه اللائمة بسبب تأخير المعاملات والتعقيدات البيروقراطية، فيما يتمثّل دورها الحقيقي في مساعدة الأستاذ داخل الصف على أداء مهمته.

ووصفت التفكك الإداري بأنه يصعب الإحاطة به، قائلة إنها قد تحتاج إلى سنتين كباحثة بعد مغادرة الوزارة لاستيعاب درجته، ومعتبرة أن الإدارة سُلبت قدرتها على اتخاذ القرار استناداً إلى المعايير.

وأشارت إلى وجود شغور إداري، أو مكلّفين يخشون على مواقعهم فيلجؤون إلى جهات سياسية لحمايتهم، أو مكلّفين يفضّلون البقاء من دون عمل على العودة إلى الصفوف.

وأضافت أن ذلك يترافق مع غياب المعايير التي تتيح تحديد المدارس الناجحة والمتعثرة وتشخيص الإشكاليات الإدارية والتعليمية، فضلاً عن غياب المعلومات الموثوقة والاعتماد على القيل والقال. وأوضحت أن جوابها، عندما سُئلت عن أولوياتها الاستراتيجية، كان ضرورة جمع المعلومات بطريقة موثوقة أولاً لتحديد مجالات التركيز.

وقالت إن هذه المشكلات حدّدت الأولويات، فبدأ العمل على وضع رؤية للمدرسة المنشودة بمواصفات ومعايير تحدّدها الوزارة، لا الجهات المانحة، ثم تحديد سبعة أهداف.

وذكرت من هذه الأهداف معالجة الفقدان التعلّمي، وإعادة تنظيم الهيئة التعليمية والعقود، والبنية التحتية، والحوكمة والرقمنة، وتنظيم الشراكات، وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وأوضحت أن جهود الإنقاذ قامت بفضل الشراكات والجمعيات والقطاع الخاص، لكنها تحتاج إلى تنظيم وضبط لمعرفة الجهات التي تدخل المدارس وضمان الثقة بها.

وشدّدت على أهمية تعزيز التماسك الاجتماعي، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة، من خلال العمل التربوي على مفاهيم المصلحة المشتركة والتكامل مع الآخر وإدراجها في المناهج الجديدة، معتبرة أن هذه الرؤية تشكّل المظلّة والبوصلة لمعالجة تراكمات سنوات طويلة من الإهمال.

ورداً على سؤال عن إضراب الأساتذة الثانويين والتهديد بالإضراب المفتوح، قالت كرامي إنها قرأت البيان، وإن المطالب تتعلق بتخصيص ناظر لكل 100 تلميذ بدلاً من 125، وألّا يتجاوز عدد التلاميذ في الشعبة 24 بدلاً من 30، متسائلة: «هل هذه أسباب تستدعي إضراباً مفتوحاً، أم هناك خلفيات أخرى؟».

وأوضحت أنها اجتمعت مع الرابطة وناقشت معها قراراً تنظيمياً يستند إلى النظام الداخلي الحالي، مع تعديل بعض البنود استجابةً لمطالبها، من دون استحداث نظام جديد.

وأضافت أن النظام الداخلي ينصّ على عدم فتح شعبة ثانية في الثانوية إلا إذا تجاوز عدد طلاب الصف 40 طالباً، مشيرة إلى أن المسح الذي أجرته الوزارة أظهر وجود شعب «مفتعلة بهدف التعيين والتنفيع السياسي على حساب الدولة». وقالت إنها، رغم ذلك، لم تتخذ إجراءات لترشيد الإنفاق في السنة الأولى، أملاً في استقطاب الطلاب.

وأشارت إلى وجود 1200 مدرسة وثانوية رسمية، منها 900 مدرسة أساسية وابتدائية، موضحة أن التعليم الأساسي يواجه وضعاً مختلفاً، مع وجود صفوف متعثرة في المناطق النائية بسبب قلّة الطلاب، وأن الوزارة تُبقي عليها من أجلهم.

أما في التعليم الثانوي، فقالت إن التفاهم قام على عدم الانتقال المفاجئ إلى الوضع المثالي، ومراعاة السقف القائم البالغ 40 طالباً في الصف، واعتماد 32 طالباً، مع استثناءات للمناطق النائية ومناطق الحرب والمدارس الدمجية، البالغ عددها 180 مدرسة، والمدارس التطويرية.

وفي موضوع النُّظّار، أوضحت أن القانون ينصّ على ناظر لكل 150 طالباً، بينما تُظهر البيانات وجود مدارس تضم 50 طالباً وثمانية نُظّار. وأضافت أن الوزارة اقترحت اعتماد ناظر لكل 125 طالباً حلاً وسطاً، في حين تصرّ الرابطة على تخصيص ناظر لكل 100 طالب.

وقالت: «خرجنا من الاجتماع بأجواء ممتازة، لكنني فوجئت بتهديدهم بالإضراب المفتوح. وأنا مقتنعة تماماً بأن كلفة عدم المعالجة أكبر من كلفة القرار. نحن أمام فرصة ذهبية، وإذا لم نقم بهذه الإصلاحات الآن، فنحن في خطر كبير يهدّد استمرارية مدارسنا وثانوياتنا الرسمية».

وكشفت كرامي عن «ضغوط مالية كبيرة من وزارة المالية والجهات المانحة لمنع الإنفاق غير المبرّر»، موضحة أن القرار التنظيمي يهدف إلى تحقيق الحوكمة الرشيدة والموازنة بين الموارد المتاحة والحفاظ على الكادر التعليمي، من دون التوسّع في التعاقد والتوظيف العشوائي الذي كان يحصل سابقاً، معربة عن أملها في الوصول إلى نتائج إيجابية.

وعن مواءمة التعليم الجامعي مع سوق العمل، قالت إن القطاع التربوي يواجه تحدّيَين رئيسيَّين، هما التحوّل الرقمي والتغيّرات المجتمعية السريعة، وإن المناهج القديمة المُعدّة بطرق تقليدية لم تعد تلائم احتياجات الجيل الحالي، ما يستدعي تحديثها لتواكب التطورات.

وأوضحت أن المقاربة التربوية الحديثة تركّز على التعلّم النشط وتفعيل دور المتعلّم والمهارات الرقمية وقيم المواطنة، وإعداد أفراد قادرين على التفاعل مع مجتمع متعدّد.

وأكدت أن المنهج ليس مجرّد كتب دراسية، بل منظومة متكاملة تشمل الأهداف التعليمية والمخرجات والوسائل وأدوات القياس والموارد التعليمية، مشدّدة على مرونة المناهج وتطويرها.

ورداً على سؤال، أشارت كرامي إلى أن حصة الشمال وعكار من المدارس الرسمية تبلغ 55 في المئة، مؤكدة استمرار الحفاظ على التعليم الرسمي فيهما بمستوى متقدّم.

المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام