“سأمنح كل مواطن أميركي بالغ خمسة آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون في انتخابات الكونغرس.” بهذا الوعد المالي، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توظيف الورقة الاقتصادية في المعركة الانتخابية، في محاولة لتعزيز حظوظ الجمهوريين في الاحتفاظ بأغلبيتهم داخل الكونغرس، في وقت تتصاعد فيه تداعيات الحروب الأميركية على الاقتصاد والمجتمع الأميركي.
أيام قليلة تفصل الولايات المتحدة الأميركية عن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بمجلسَيه النواب والشيوخ في ظل هذه التطورات، تتجاوز أهمية الانتخابات حدود الصراع التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، لتطرح تساؤلات حول تأثير الحروب وتكاليفها في خيارات الناخبين الأميركيين، ومستقبل الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، وانعكاسات النتائج على قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة سياساته العسكرية في الشرق الأوسط ، وسط ترقّب دولي لنتائج هذا الاستحقاق الذي يأتي في ظل عدوان متواصل تشنّه الولايات المتحدة وحليفها كيان العدو الإسرائيلي على إيران ومحور المقاومة، وما تخلّفه من تداعيات اقتصادية عالمية، ولا سيما ارتفاع أسعار النفط والطاقة واضطراب سلاسل التوريد.
من هنا، تُطرح الإشكالية التالية: إلى أي مدى ستؤثّر الحروب الأميركية في الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب على إيران، في نتائج انتخابات التجديد النصفي وموازين القوى داخل الكونغرس؟ وهل ستمنح النتائج ترامب هامشًا أوسع لمواصلة سياساته العسكرية، أم ستفرض قيودًا على قراراته وتعيد رسم السياسة الأميركية في المنطقة؟
- انتخابات التجديد النصفي… خريطة الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين على الكونغرس.
يتوجّه الأميركيون في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 إلى صناديق الاقتراع لتجديد جميع مقاعد مجلس النواب، وعددها 435 مقعدًا، وانتخاب أعضاء لشغل 35 مقعدًا من أصل 100 في مجلس الشيوخ. ويخوض الجمهوريون، حزب الرئيس دونالد ترامب، الاستحقاق وهم يحتفظون بالأغلبية في المجلسين؛ إذ يشغلون 218 مقعدًا في مجلس النواب، إلى جانب عضو مستقل يصوّت معهم، مقابل 214 مقعدًا للديمقراطيين، فيما يبقى مقعدان شاغرين. أمّا مجلس الشيوخ، فيضمّ 53 جمهوريًا و45 ديمقراطيًا، إضافة إلى عضوين مستقلين.
ويمتدّ الاستحقاق إلى انتخاب حكّام 36 ولاية، تتوزّع مناصب حكّامها بالتساوي بين الحزبين، فضلًا عن إجراء انتخابات للمجالس التشريعية في 46 ولاية. وعلى مستوى السيطرة على هذه المجالس، يحتفظ الجمهوريون بالأغلبية الكاملة في 28 ولاية، مقابل 18 ولاية للديمقراطيين، بينما تتوزّع الولايات الأربع الأخرى بين سيطرة حزبية منقسمة وترتيبات خاصة.
وفي قراءة لطبيعة هذا التنافس، يرى الدكتور خالد بركات، الكاتب والمحلّل السياسي من كندا في حديث لموقع المنار الإلكتروني، إنّ الخلاف بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يتمحور، في جوهره، حول دور أميركا الإمبريالي أو عدوانها على الشعوب، بل حول كيفية تنفيذ سياساتها وإدارة مصالحها. ويحاول البعض تصوير الحزب الديمقراطي وكأنّه مناهض للحروب والعدوان، متجاهلًا أنّ الإبادة في قطاع غزة استمرّت في عهد الرئيس جو بايدن نحو خمسة عشر شهرًا، حتى انتهاء ولايته في كانون الثاني 2025. ولكنّه يعتبر أن هذا التقاطع في السياسة الخارجية لا يلغي وجود تناقضات داخلية فعلية، تتجلّى خصوصًا بين قواعد الحزب الديمقراطي وقيادة الحزب الجمهوري، وعلى رأسها دونالد ترامب. وتشمل هذه التناقضات قضايا الاقتصاد والرعاية الصحية والاجتماعية، والتغوّل على الحقوق المدنية، ولا سيما حقوق المهاجرين.
وتشكّل هذه الملفات ساحة أساسية للصراع الانتخابي بحسب بركات، إذ يسعى الديمقراطيون إلى استثمار الاعتراض على سياسات ترامب لتعزيز فرصهم. وتوحي بعض استطلاعات الرأي بمناخ أكثر ملاءمة لهم، مع تسجيل نسبة رضا عن أدائه تراوح بين 31 و33 في المئة في استطلاعين حديثين حسب تعبيره. غير أنّ تراجع شعبيته لا يكفي وحده لحسم النتائج، التي تبقى مرتبطة بنسب المشاركة وتوزّع الأصوات والمنافسة داخل الولايات والدوائر الانتخابية.
- ترامب في مواجهة استطلاعات الرأي… تراجع الشعبية ومعركة الحفاظ على الأغلبية.
تضع انتخابات التجديد النصفي قدرة ترامب على تحويل نفوذه السياسي إلى أصوات أمام اختبار حاسم، وسط تصاعد الضغوط المعيشية على الناخبين. وبين التمسّك بقاعدته واستمالة المتردّدين، ترتبط معركة الحفاظ على الأغلبية الجمهورية بمدى قدرته على استعادة الثقة بسياساته.
وبحسب تحليل لستيفن كولينسون نشرته شبكةCNN Arabic، يخوض الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي من موقع دفاعي، بعدما امتدت المنافسة إلى ولايات ومقاعد كانوا يعدّونها آمنة، في ظل تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب وتصاعد الاستياء من تكاليف المعيشة وتداعيات العدوان على إيران. وتكشف استطلاعات الرأي عن تحميل قطاعات واسعة من الناخبين سياسات الإدارة مسؤولية ارتفاع الأسعار، بالتوازي مع تراجع تأييد ترامب بين الناخبين من أصول لاتينية. وفي مواجهة هذه الضغوط، يسعى الرئيس إلى تعبئة قاعدته الانتخابية عبر الجولات الميدانية والوعود بمساعدات مالية مباشرة، بينما يطمح الديمقراطيون إلى استعادة الأغلبية في مجلسَي الكونغرس وتعزيز الرقابة على إدارته. ومع ذلك، تبقى النتائج مرتبطة بقدرة الحزبين على حشد الناخبين وحسم السباقات المتقاربة، ومدى اقتناع الأميركيين بوعود ترامب الاقتصادية في مقابل أعبائهم المعيشية.

وفي تفسير أسباب تراجع شعبية ترامب، يرى الدكتور خالد بركات أنّ استطلاعات الرأي، حتى تلك التي تجريها دوائر المحافظين، تُظهر أنّ نسبة تأييده تتراوح بين 30 و32 في المئة، ولا تتجاوز 33 في المئة، معتبرًا أنّها نسبة متدنّية جدًا تستدعي النظر في أسبابها، وفي مقدّمتها الوضع الاقتصادي.
ويشكّك بركات في الخطاب الذي يروّج لقوة الاقتصاد الأميركي وتقدّمه، معتبرًا أنّه انطوى على الكثير من الأكاذيب والدعاية. ويقول إنّ حصول الولايات المتحدة، في عهد ترامب، على تريليونات الدولارات لصالح الخزينة الأميركية يطرح سؤالًا أساسيًا: «أين ذهبت هذه الأموال؟ وإلى أيّ طبقات في الولايات المتحدة تذهب؟». ويرى أيضًا أنّ سياسات العقوبات التي فرضها ترامب على الدول أسهمت في زيادة عزلة الولايات المتحدة، من دون أن تمنح اقتصادها أفضلية على المستوى الدولي.
ويؤكّد بركات أنّ «ما يهمّ الناخب الأميركي هو جيبه أولًا وعاشرًا»، موضحًا أنّ الوضع الاقتصادي يحتلّ الأولوية، فيما تبقى القضايا الأخرى، على أهميتها، ثانوية بالنسبة إليه. ويعتبر أنّ الولايات المتحدة تعاني أزمة اقتصادية تترافق مع تغوّل الطبقة الحاكمة على مقدّرات مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية ورعاية المقاتلين القدامى، ولا سيّما مؤسسات الضمان الاجتماعي، التي يقول إنّ أجزاء كبيرة من مخصّصاتها اقتُطعت لصالح ما يصفه بـ«الطبقة الرأسمالية المتوحّشة». ويخلص إلى أنّ هذه العوامل أسهمت في تراجع شعبية ترامب، ما يجعل استعادتها خلال الفترة القصيرة المتبقية أمرًا بالغ الصعوبة.
- العدوان على إيران وتأثيره انتخابيًا بين توظيف القوة العسكرية والاستنزاف الاقتصادي والسياسي.
أسهم العدوان الأميركي–الصهيوني على إيران وتداعياته الاقتصادية في إعادة تشكيل المشهد الانتخابي الأميركي، رغم محاولات ترامب ونائبه جي دي فانس تقديمها بوصفها «صراعًا عسكريًا» محدودًا. وأثارت الحرب اعتراضات داخل جزء من القاعدة الانتخابية لترامب، التي رأت فيها تراجعًا عن تعهّده بتجنّب الانخراط في صراعات خارجية. وفيما تكشف استطلاعات الرأي عن رفض واسع لطريقة إدارته العمليات العسكرية، يتردّد قادة الحزب الجمهوري في إعلان معارضتهم، خشية الدخول في مواجهة معه وبحسب استطلاع عرضه مركز بيو للأبحاث في تقرير أعدّته هانا هارتيغ، ونُشر في 8 تشرين الأول 2026، يعارض 65 في المئة من الأميركيين طريقة تعامل ترامب مع العمليات العسكرية الأميركية في إيران، مقابل 33 في المئة يؤيّدونها.
في هذا الإطار يرى الأستاذ الجامعي والخبير في الشؤون الأميركية، ميشيل شحادة، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، أنّ إيران رغم أنها تدفع ثمنًا كبيراً للحرب المفروضة عليها، في الأرواح والبنية التحتية والاقتصاد وحياة الناس اليومية، لكنها تخوضها باعتبارها حربًا للدفاع عن الأرض والسيادة والكرامة الوطنية، وتتحمّل كلفة هذا الخيار مهما كانت قاسية.
ويعتبر شحادة أنّ أعداء إيران أخطأوا في حساباتهم حين راهنوا على أن يؤدي القصف والعقوبات والضغوط الاقتصادية والعمل الاستخباراتي سريعًا إلى انهيار النظام أو انفجار المجتمع من الداخل. فقد أساؤوا، بحسب تقديره، قراءة إيران وفهم شعب يحمل ذاكرة تاريخية طويلة من التدخلات الخارجية ومحاولات إخضاعه. ويشير إلى أنّ الدولة، بعد أشهر من الحرب، بقيت متماسكة وقادرة على القتال، ولم يظهر بديل داخلي قادر على الحلول مكانها، فيما تحوّلت المواجهة إلى استنزاف مكلف، من دون استسلام إيراني أو حسم أميركي واضح.
ومن هنا، يرى شحادة أنّ «السحر بدأ ينقلب على الساحر»، بعدما امتدّت تداعيات الحرب إلى الحياة اليومية للأميركيين. فارتفاع أسعار النفط والطاقة لا يبقى خبرًا اقتصاديًا مجردًا، بل ينعكس زيادةً في أسعار البنزين والديزل، ثم في كلفة النقل والغذاء والسلع والخدمات. ويورد أنّ متوسط سعر غالون البنزين تجاوز أربعة دولارات، فيما تخطّى الديزل ستة دولارات، وهي كلفة يشعر بها مباشرة المواطن الذي يعتمد على راتبه لتغطية نفقاته الشهرية.
ويعدّ شحادة هذه التداعيات نقطة ضعف لترامب؛ إذ يستطيع الرئيس توظيف عملية عسكرية انتخابيًا عندما تكون سريعة ومحدودة الكلفة، وتنتهي بصورة يسوّقها بوصفها انتصارًا، كما يرى أنّه فعل في فنزويلا. أمّا الحرب الطويلة التي لا تُسقط إيران، وترفع أسعار الطاقة وتستنزف الذخائر، فتتحوّل من استعراض للقوة إلى عبء سياسي وانتخابي.
ويستند شحادة في قراءته إلى أرقام استطلاعات يوردها، تُظهر تراجع شعبية ترامب إلى 31 في المئة، وعدم رضا 68 في المئة عن أدائه الاقتصادي، وتقدّم الديمقراطيين على الجمهوريين في الاستطلاع الوطني لانتخابات الكونغرس بنسبة 47 إلى 35 في المئة. ويؤكد أنّ هذه الأرقام لا تحسم النتائج، لكنها تشير إلى أنّ كلفة المعيشة والحرب أصبحتا نقطة ضعف حقيقية لترامب والجمهوريين.
ولا يحصر شحادة التحوّلات بالاقتصاد، بل يرى أنّ غزة أحدثت تغييرًا أعمق في المزاج السياسي الأميركي. فقد تآكلت سردية العدو أمام مشاهد القتل والدمار والتجويع، واتّسع التأييد للحقوق الفلسطينية، خصوصًا بين الشباب والقاعدة التقدمية. ويشير إلى أنّ الخلاف امتدّ إلى داخل حركة «ماغا» التي حملت ترامب إلى البيت الأبيض، بين المتمسّكين بشعار «أميركا أولًا» والرافضين إخضاع السياسة الأميركية لأولوية المصالح الإسرائيلية، وبين التيار الجمهوري التقليدي الأكثر ارتباطًا بـ«كيان العدو». ويرى أنّ هذا التحوّل بدأ يترجم انتخابيًا بصعود مرشحين أكثر جرأة في انتقاد إسرائيل والدعم الأميركي لها.
وعلى الصعيد العسكري، يشير شحادة إلى استهلاك الولايات المتحدة نسبة كبيرة من مخزونها من الصواريخ الدقيقة والاعتراضية، بما فيها صواريخ منظومتَي «باتريوت» و«ثاد»، معتبرًا أنّ ذلك يثير تساؤلات بشأن قدرتها على مواصلة حرب طويلة في مواجهة كثافة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وبناءً على ذلك، يعتقد شحادة أنّ ترامب يدرك حجم المخاطرة التي ينطوي عليها التصعيد قبيل الانتخابات، بعدما بات مضطرًا إلى حساب أسعار النفط والبنزين، وحالة مخزونات الصواريخ، وعدد المقاعد في الكونغرس، قبل حساب عدد الضربات.
ويخلص إلى أنّ “الحرب التي أُريد لها أن تكسر إيران لم تبقَ في إيران؛ لقد وصلت إلى جيب الناخب الأميركي، وإلى انقساماته السياسية، وإلى صندوق الاقتراع نفسه.”
- سيناريوهات الانتخابات واحتمالات فوز كلّ من الطرفين وانعكاسات النتائج على مستقبل إدارة ترامب.
تتوزّع السيناريوهات المحتملة لانتخابات الكونغرس بين استعادة الديمقراطيين مجلس النواب وحده، بما يمنحهم أدوات التحقيق والرقابة وورقة ضغط في مفاوضات الميزانية، وسيطرتهم على المجلسين، ما يوسّع قدرتهم على تعطيل تعيينات ترامب ومواجهة أجندته التشريعية. وكلّما اتّسعت أغلبيتهم، ازدادت قوتهم التفاوضية، من دون أن يعني ذلك تجاوز حق الرئيس في النقض أو امتلاك الأصوات اللازمة لعزله. أمّا تعادل المقاعد في مجلس الشيوخ، فيُبقي الأفضلية للجمهوريين بفضل الصوت الحاسم لنائب الرئيس. وفي المقابل، يمنح احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين ترامب دفعًا سياسيًا لمواصلة سياساته، فيما تفتح سيطرة الديمقراطيين على أحدهما أو كليهما الباب أمام مزيد من المواجهات بشأن الإنفاق وسقف الدين وحدود الصلاحيات الرئاسية.

وفي قراءته لسيناريوهات السيطرة على الكونغرس، يطرح الدكتور خالد بركات ثلاثة احتمالات: احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ، وهو احتمال يستبعده، أو انتقال السيطرة على المجلسين إلى الديمقراطيين، وهو أمر يراه ممكنًا، أو فوز الديمقراطيين بأحدهما. ويؤكّد، في تقديره، أنّ الديمقراطيين سيسيطرون على أحد المجلسين على الأقل، ما سيمنحهم قدرة أكبر على مواجهة ترامب وتعطيل بعض سياساته وتشريعاته الداخلية. لكنه يستبعد أن ينعكس ذلك تأثيرًا حاسمًا على قرارات الحرب، مستندًا إلى اتساع صلاحيات الرئيس بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، ومعتبرًا أنّ هامش التحرّك العسكري المتاح له يحدّ من قدرة الكونغرس على تقييده، رغم دور الأخير في إعلان الحرب. ويرى بركات أنّ استعادة الديمقراطيين الأغلبية في المجلسين لن تكفي لإقالة ترامب، في ظل الحاجة إلى أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ لإدانته وعزله من منصبه. ويستشهد باستمرار الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان في عهود إدارات ديمقراطية وجمهورية، معتبرًا أنّ الكونغرس لم يتمكّن من وقفها حتى في مراحل تصاعد معارضته لها. ويخلص إلى أنّ الخلاف بين الحزبين في القضايا العسكرية يتركّز على إدارة الحروب وتكتيكاتها أكثر من أهدافها الاستراتيجية، ملخّصًا طبيعة التباين بينهما بأنّه “خلاف على إدارة شؤون الإمبراطورية، ليس أكثر.”
ترامب ونتنياهو… تقاطع المصالح وتباين الحسابات الانتخابية في إدارة الصراع مع إيران.
يتّسع الخلاف داخل الإدارة الأميركية بشأن العلاقة مع رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط تداخل حسابات الانتخابات الإسرائيلية والأميركية مع النقاش حول توقيت استئناف المواجهة العسكرية مع إيران.
في هذا الصدد أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي بأنّ الرئيس دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو بحثا احتمال استئناف ضربات عسكرية واسعة ضد إيران، قبل الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول وقبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني. وبحسب الموقع، جاءت هذه المناقشات على خلفية مزاعم إسرائيلية من إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، وفي ظل تداخل الحسابات السياسية والعسكرية، بما يجعل توقيت أيّ تصعيد محتمل مؤثّرًا في المستقبل السياسي للرجلين.
وفي قراءته لطبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، يوضح الأستاذ ميشيل شحادة، أنّ المشروعين الأميركي والإسرائيلي يلتقيان استراتيجيًا على أهداف أساسية، أبرزها إضعاف إيران، وضمان التفوّق العسكري للكيان الصهيوني، وإعادة ترتيب المنطقة بما يوسّع اندماجه فيها وهيمنته عليها، واستكمال الاتفاقيات الإبراهيمية، ولا سيّما دفع السعودية نحو التطبيع. ولذلك، يعتبر أنّ الخلاف بين ترامب ونتنياهو يتعلّق غالبًا بالتوقيت والأدوات والكلفة، أكثر ممّا يتعلّق بجوهر المشروع.

ويشير شحادة إلى أنّ ترامب ليس بعيدًا فكريًا عن النزعة التوسّعية الإسرائيلية، مستشهدًا بتصريح ينسبه إليه في آب 2024، وصف فيه إسرائيل بأنّها «بقعة صغيرة جدًا»، متسائلًا: «هل هناك طريقة للحصول على المزيد؟». ويرى أنّ مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي يسعى إليه ترامب يتقاطع مع طموحات اليمين الصهيوني في مشروع «إسرائيل الكبرى»، من خلال تثبيت التفوّق العسكري الإسرائيلي، وإضعاف إيران، وربط الدول العربية الكبرى بالكيان عبر منظومات الأمن والاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، يصف شحادة السعودية بأنّها «الجائزة الكبرى»، معتبرًا أنّ انضمامها إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لن يُقدَّم باعتباره خطوة تطبيعيه إضافية فحسب، بل بوصفه مدخلًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، وهو ما يفسّر، بحسب رأيه، الأولوية الاستثنائية التي يمنحها ترامب لهذا الملف.
لكنّ الانتقال من الأهداف الاستراتيجية إلى الحسابات الانتخابية يكشف، وفق شحادة، تباينات بين الرجلين. فنتنياهو يحتاج إلى تقديم نفسه أمام جمهوره بوصفه رجل الحرب والأمن، والقادر على ضرب إيران وإعادة تشكيل المنطقة، فيما يواجه استحقاقًا انتخابيًا صعبًا، في ظل استطلاعات يشير شحادة إلى أنّها تُظهر احتمال فقدان ائتلافه الأغلبية. أمّا ترامب، فيواجه انتخابات التجديد النصفي، حيث لا يسأله الناخب الأميركي عمّا فعله بإيران فقط، بل عن أسعار البنزين وأوضاع الاقتصاد أيضًا.
ومن هنا، يرى شحادة أنّ ثمة التقاءً مؤقتًا بين الرجلين على تجنّب انفجار عسكري واسع قبل الانتخابات، مع احتمال تبدّل الحسابات بعدها. فنتنياهو يريد إبقاء الحرب مفتوحة ما دام قادرًا على توظيفها لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية إضافية، بينما يسعى ترامب إلى نتيجة يستطيع تسويقها بوصفها انتصارًا، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف رئاسته وتهدّد حزبه انتخابيًا.
ويؤكد شحادة أنّ الكيان الصهيوني لا يستطيع خوض حرب إقليمية طويلة من دون دعم الولايات المتحدة، نظرًا إلى حاجته إلى السلاح والذخائر والدفاع الجوي والاستخبارات والتمويل، فضلًا عن الغطاء السياسي والدبلوماسي. ولذلك، يضيق هامش المناورة المتاح لنتنياهو عندما تتعارض حساباته مع المصالح الأميركية المباشرة .
ومع ذلك، يرى أنّ نتنياهو يسعى إلى تحصيل مقابل لأي تراجع أو قبول بالتهدئة، بما يجعل ضبط التصعيد موضوعًا للمساومة على مكاسب في غزة والضفة الغربية ولبنان، أو في ملفَّي التسليح والتطبيع.
ويخلص شحادة إلى أنّ العلاقة «ليست بين رجل يريد الحرب وآخر يريد السلام»، بل بين شريكين في مشروع استراتيجي واسع، يختلفان على سرعة تنفيذه، وعلى مقدار الكلفة البشرية والمالية التي يستعدّ كلّ منهما لتحمّلها.
- الشرق الأوسط بعد الانتخابات… انعكاسات موازين الكونغرس على السياسة الأميركية في المنطقة.
تتزايد التساؤلات حول انعكاسات موازين القوى المقبلة داخل الكونغرس على سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط، ولا سيّما الحرب على إيران والدعم الأميركي لكيان العدو. فإلى أيّ مدى يمكن لتغيّر الأغلبية أن يقيّد خيارات ترامب ويفتح باب التهدئة والتفاوض؟ وهل تستطيع النتائج إحداث تحوّل في التوجّهات الاستراتيجية الأميركية، أم يظلّ تأثيرها محكومًا بثوابت المصالح وموازين القوى في المنطقة؟
وفي قراءته لتأثير الانتخابات في السياسة الخارجية الأميركية، يقول الاستاذ ميشيل شحادة إنّه لا يعتقد أنّ الانتخابات الأميركية، وحدها، تنتج سياسة خارجية جديدة، موضحًا أنّ النظام الأميركي صُمّم بطريقة تجعل السياسة الاستراتيجية أكثر استمرارية من تغيّر الحزب الحاكم. فهناك فروق حقيقية بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولا سيّما اليوم في الموقف من حرب إيران ومن الدعم غير المشروط لـ«كيان العدو»، لكنها تعمل داخل بنية مصالح أعمق وأكثر ثباتًا.

ويشير شحادة إلى أنّ الرئيس والكونغرس والبنتاغون والاستخبارات ووزارة الخارجية وجماعات الضغط والمجمع العسكري الصناعي والمصارف وشركات الطاقة ورأس المال والبيروقراطيات الدائمة، جميعها قوى تتفاعل في صناعة القرار. ويصف ذلك بـ«الدولة العميقة» بمعناها المؤسسي، لا باعتبارها منظمة سرية تجتمع في غرفة مغلقة، بل شبكة ضخمة من المصالح والأجهزة والمؤسسات التي تضع الحدود الاستراتيجية للسياسة الأميركية.
ويوضح أنّه، رغم تغيّر الرؤساء، تبقى ثوابت مثل حماية «إسرائيل»، وضمان تفوّقها العسكري، والمحافظة على النفوذ الأميركي، والسيطرة على الممرات الحيوية للطاقة والتجارة، ومنع ظهور قوة إقليمية مستقلة قادرة على تحدّي ذلك النفوذ.
لكنّ شحادة يؤكّد أنّ الانتخابات ليست بلا أثر؛ فإذا خسر الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب، أو تغيّر ميزان القوى في مجلس الشيوخ، يستطيع الكونغرس أن يرفع كلفة الحرب على ترامب عبر التمويل والتحقيقات واستدعاء المسؤولين والمطالبة بتفويض للحرب ووضع شروط على الإنفاق والمساعدات. ويشير إلى وجود ديمقراطيين يريدون بالفعل استخدام هذه الأدوات لتقييد الحرب على إيران، فيما تتّسع داخل الحزب نفسه المطالب بتقليص المساعدات العسكرية لـ«إسرائيل»، التي بلغت مليارات الدولارات، أو وضع شروط عليها.
ويعتبر شحادة أنّ الانتخابات قد تغيّر هامش الحركة، لكنها لن تقلب العقيدة الأميركية رأسًا على عقب. فقد تدفع واشنطن نحو التهدئة إذا أصبحت كلفة الحرب ثقيلة، وقد تفتح بابًا للتفاوض مع إيران، أو تزيد الضغوط على الكيان الصهيوني في غزة أو لبنان، لكنها لن تحوّل الولايات المتحدة فجأة إلى قوة محايدة في المنطقة.
ويشدّد على أنّ الخطأ الأكبر هو انتظار خلاص المنطقة من انتخابات أميركية، قائلًا: «نحن، شعوب هذه المنطقة، من دفع ويدفع ثمن هذه السياسات بالدم والدمار والتهجير».
ويضيف أنّ الكيان الصهيوني ينظر إلى الصراع بوصفه متّصلًا بمستقبل مشروعه ووجوده في المنطقة، فيما تخوض الولايات المتحدة صراعًا أوسع يتعلّق بموقعها في نظام عالمي لم يعد يقبل بسهولة الأحادية القطبية التي حكمت العقود الماضية. وفي المقابل، أصبحت إيران وقوى المقاومة تنظر هي الأخرى إلى المواجهة بوصفها مسألة بقاء وسيادة واستقلال قرار.
ولذلك، يؤكّد شحادة أنّ هذه المواجهة لن تنتهي لمجرّد فوز الديمقراطيين أو الجمهوريين، وأنّ التسوية الحقيقية تبدأ عندما تتغيّر موازين القوى، وتصبح كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التراجع عنها، معتبرًا أنّ هذا ما ينبغي النظر إليه اليوم.
وفي هذا السياق، يقول إنّ إيران، رغم الجراح الهائلة، لم تستسلم، وإنّ اليمن استطاع أن يجعل البحر الأحمر والسعودية جزءًا من كلفة الحرب، فيما لا يزال لبنان يملك مقاومة قوية رغم كلّ ما تعرّض له. أمّا غزة، فبعد كلّ القتل والدمار والإبادة، لم تختفِ، ولم تتحوّل فلسطين إلى قضية منتهية.
ويشير إلى أنّ كلفة المواجهة وصلت، في الوقت نفسه، إلى الداخل الأميركي، وانعكست على الوقود والتضخّم والمخزون العسكري وشعبية الرئيس ومستقبل الأغلبية الجمهورية. وهنا يكمن، في تقديره، التحوّل الاستراتيجي الأهم: «عندما لا تبقى كلفة الهيمنة محصورة بالشعوب التي تتعرّض لها، بل تبدأ بالعودة إلى الدولة التي تمارسها، يبدأ ميزان القوة بالتغيّر».
ويؤكّد شحادة أنّ الانتخابات الأميركية قد تؤجّل جولة حرب، أو تفتح نافذة تفاوض، أو تضيّق هامش ترامب أو توسّعه، لكنّ مستقبل إيران ولبنان وفلسطين لا ينبغي أن يبقى رهينة صندوق اقتراع في واشنطن.
ويختم بالقول: “السؤال الحقيقي ليس: من نريد أن يفوز في أميركا؟ بل: كيف نبني في منطقتنا من القوة والسيادة والصمود ما يجعل أيًّا كان الفائز في أميركا مضطرًا إلى احترام حقوقنا وكرامتنا ومصالحنا؟ فعندما نصل إلى ذلك، لا نعود ننتظر تغيّر السياسة الأميركية، بل نصبح نحن أحد العوامل التي تجبرها على أن تتغيّر”.
المصدر: موقع المنار
