الأحد   
   18 10 2026   
   6 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 17:25

خاص | طوفان الأقصى بعد ثلاثة أعوام: من صدمة السابع من أكتوبر إلى صراع السرديات والنتائج

الجزء الثاني-صراع السرديات

تناول الجزء الأول من هذا المقال التراكمات التي سبقت «طوفان الأقصى»، من الاحتلال والحصار والاستيطان إلى محاولات تهميش القضية الفلسطينية عبر مسارات التطبيع، واستعرض انتقال المقاومة من تجربة «سيف القدس» إلى الإعداد والمبادرة والمباغتة في السابع من تشرين الأول 2023. كما ناقش أثر العملية في وعي الكيان الإسرائيلي واهتزاز الثقة بمنظومتي الأمن والردع، وتوقّف عند الفجوة بين الإنجازات العسكرية التكتيكية وقدرة كيان العدو على تحويلها إلى حسم سياسي واستراتيجي. وانطلاقًا من هذه الأسئلة، يتناول الجزء الثاني معركة الروايات والتحوّلات الدولية وجبهات الإسناد، وصولًا إلى ما بقي مفتوحًا في الصراع بعد ثلاثة أعوام.

ثلاث سنوات من حرب السرديات: من يملك تفسير طوفان الأقصى؟

لم تعد الصراعات المعاصرة تُخاض بالسلاح وحده، بل باتت حرب السرديات ميدانًا موازيًا تتنافس فيه الأطراف على إثبات الشرعية وتفسير التاريخ والتأثير في الرأي العام. وقد أعاد طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول 2023 هذا الصراع إلى الواجهة، واضعًا السردية الفلسطينية وسردية الكيان الاسرائيلي أمام اختبار الوقائع الميدانية والتحولات الدولية. وبعد ثلاث سنوات، يبرز السؤال حول قدرة كل طرف على ترسيخ روايته وتحويل نتائج المواجهة إلى مكاسب سياسية واستراتيجية.

وفي هذا السياق، يقدّم هادي قبيسي، مدير مركز يوفيد للدراسات والتوثيق (UFEED)، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، قراءةً لأبعاد حرب السرديات بعد ثلاث سنوات من طوفان الأقصى، حيث أعتبر أنه يمكن فرز مجالات التأثير السردية على مسرحين أساسيين:

أولاً الدول المتضررة من العدوان الإسرائيلي، والدول غير المتضررة، بالنسبة للدول المتضررة، هناك انقسام حول جدوى هذه العملية لأن تكاليفها كانت كبيرة جداً. أما في الدول غير المتضررة، فهناك إجماع شعبي عالمي يتضمن الإقليم والعالم الإسلامي والعالم الغربي وحتى الشرق، الصين واليابان وكوريا وكل الدول، سواء تلك التي حكوماتها مؤيدة لكيان العدو أو محايدة تجاهه أو لديها مشكلة معه أو ليست لديها علاقات جيدة معه. وأشار قبيسي أن هناك إجماع بأن هذا العمل هو عمل محق، وبأن ما فعله كيان العدو يدل على أن 7 أكتوبر هو عمل محق، لأنه رد على عدوانية متواصلة منذ ثمانين عاماً.

فيما أكد أن المؤشرات واضحة في الانتخابات وفي التظاهرات وفي الحركة الإعلامية، سواء عبر وسائل التواصل أو تغير لهجة وسائل الإعلام الأساسية في هذه المواجهة. أما بالنسبة للدول التي تضررت من العدوان، فهناك انقسام حول نتائج الحرب وحول فوائد الحرب وحول ضرورتها وطبيعة الأثمان التي دفعت فيها. فيما أعتبر أن هناك انقسام، وليس هناك حسم لا من جهة السردية التي تقول أن المواجهة مع العدو الاسرائيلي حتمية وضرورية وكانت ستقع في كل الأحوال، وبين من يرى أن هذه المعركة لم تكن ضرورية وكان بالإمكان تفادي دفع هذه الأثمان والتكاليف.

صحافيون يوثّقون الدمار في غزة، 15 تشرين الأول 2023؛ الصورة والشهادة الميدانية في قلب معركة الروايات.

وفي سياق الصراع على تفسير أحداث السابع من تشرين الأول، ترى الباحثة غريس ويرمنبول، في مقال نشره مركز ويلسون الأميركي في 7 تشرين الأول 2024 بعنوان «بعد عام على السابع من أكتوبر: تعزّز السرديات المتعارضة بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، أن المواجهة لم تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى صراع على الذاكرة الجماعية والتاريخ والشرعية.

وتوضح أن الفلسطينيين ينظرون إلى الحرب والتهجير في غزة من خلال تجربتهم التاريخية المرتبطة بنكبة عام 1948، فيما يستحضر خطاب العدو الإسرائيلي، ولا سيما خطاب بنيامين نتنياهو، المحرقة النازية لتفسير أحداث السابع من تشرين الأول وتبرير الحرب اللاحقة. وتعتبر الباحثة أن استدعاء هذه التجارب التاريخية المتعارضة يعمّق الانقسام بين الطرفين، ويعزز شعور كل منهما بالمظلومية، ويجعل الوصول إلى رواية مشتركة للأحداث أكثر صعوبة، في ظل استمرار الصراع على تحديد المسؤولية والشرعية.

إذاً وبعد ثلاث سنوات من عملية طوفان الأقصى، يبقى الصراع على تفسير هذه الأحداث مفتوحًا، في ظل التداخل بين الذاكرة التاريخية والتحولات الميدانية والسياسية.

من غزة إلى العالم.. ماذا حقق طوفان الأقصى تعبويًا وسياسيًا؟

من أبرز التحوّلات التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية، تراجع صورة الكيان ومصداقيته في أوساط واسعة من الرأي العام العالمي، ولا سيما في الولايات المتحدة والدول الغربية، على وقع استمرار العدوان على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية. وقد ترافق ذلك مع تصاعد الانتقادات للعمليات العدوانية الإسرائيلية وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، فضلًا عن اتساع النقاشات بشأن سياسات الاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية وإمكانية قيام دولة فلسطينية.

في هذا الإطار يقرّ الباحث الإسرائيلي عوفر إسرائيلي، في مقال نشره موقع «تايمز أوف إسرائيل» في 10 حزيران 2026،تحت عنوان Hamas Broke the Old Order but Lost Control بأن أحداث السابع من تشرين الأول نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى جدول الأعمال الدولي، وعقّدت مسار التطبيع الإسرائيلي-السعودي، وحوّلت غزة من قضية محصورة إلى أزمة إقليمية ودولية، وإن كان يرى أن ذلك جاء بكلفة كارثية على القطاع، ومن دون أن تتمكّن حماس من التحكم في النتائج الاستراتيجية.

اما قبيسي فقال على المستوى العالمي، غزة منعت دول الغرب من التدخل المباشر في الحرب لنصرة الكيان بقواتها العسكرية، ومنعت أيضاً استمرار وتيرة التسليح كما كانت في السابق. وبالنسبة للقرارات السياسية أيضاً كبحت القرارات السياسية المؤيدة، وبالتدريج مع حصول انتخابات في الدول الغربية نرى تأثير ذلك.

تظاهرة تضامن مع الفلسطينيين في لندن، 14 تشرين الأول 2023؛ حضور القضية الفلسطينية في الشارع الغربي.

وأضاف اليوم في بريطانيا نرى تأثير، وهو تأثير نسبي وليس نهائي ومكتمل. سنرى في الانتخابات الأمريكية النصفية التي ستأتي بأغلبية تطالب بحظر شامل للسلاح على كيان العدو. وفي سائر الدول الأخرى، إسبانيا، إيطاليا، أيرلندا، وحتى فرنسا، باستثناء ألمانيا التي لديها مشكلة نفسية وعقدة، وتمركز يهودي كبير جداً في السيطرة عليها. فهذا بالنسبة لشعوب العالم وتأثير الطوفان على الاتجاهات السياسية.

أما على صعيد مسار التطبيع، فأوضح قبيسي بالنسبة لمسار التطبيع واضح أنه تعرقل، وأصبح هناك مشكلة في الدول العربية في الذهاب إلى التطبيع مع العدو الذي يرتكب ما يرتكب. وأصبحت دول التطبيع أيضاً مضطرة في بعض الأحيان إلى إصدار بيانات تدين بعض الارتكابات الإسرائيلية بشكل خاص. طبعاً لا تدين ارتكابات العدو الإسرائيلي في لبنان، ولكن بعض الأحيان في الضفة أو بعض الأحيان في جنوب سوريا. ولكن أصبح لديها مشكلة في التعامل مع كيان العدو على أنها دولة تريد السلام كما كانوا يقدمونها قبل الطوفان. وهذا أمر مهم جداً، لأن التطبيع كان سيؤدي إلى تشكيل ناتو عربي إسرائيلي يقاتل بشكل مباشر وعلني ورسمي وبشكل مشروع ومقبول، ويقاتل في المجال الاقتصادي والعسكري والاستخباراتي والثقافي وفي كل المجالات. تم تعطيل هذا المشروع من خلال الحرب ومن خلال طوفان الذي أطلق مساراً تحررياً على مستوى المنطقة.

إذاً يمكن اعتبار عملية طوفان الأقصى محطةً أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي والعالمي خصوصاً في معظم الدول الأوروبية، وأسهمت في عرقلة مسار التطبيع العربي مع كيان العدو.

طوفان الأقصى ووحدة الساحات: حدود الإسناد وتداعيات المواجهة الإقليمية

في الثامن من تشرين الأول 2023، أي بعد يوم واحد من عملية طوفان الأقصى، فتح حزب الله جبهة إسناد من جنوب لبنان، بهدف دعم المقاومة في فلسطين وإشغال قوات العدو الإسرائيلي لتخفيف الضغط العسكري عن قطاع غزة. في هذا الإطار أصدر حزب الله بيان العملية صباح 8 تشرين الأول 2023، وربطها بالتضامن مع الفلسطينيين، وجاء فيه: “على طريق تحرير ما تبقى من أرضنا اللبنانية المحتلة، وتضامنًا مع المقاومة الفلسطينية المظفرة والشعب الفلسطيني المجاهد والصابر”.

وفي هذا السياق، أوضح الأمين العام لحزب الله الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، في خطابه يوم 3 تشرين الثاني 2023، أن جبهة جنوب لبنان جذبت، ثلث جيش العدو الإسرائيلي ونصف قواته البحرية نحو الشمال، وأعتبر أن إشغال هذه القوات خفّف من الإمكانات المتاحة للهجوم على غزة. ومن هنا، قدّم الإسناد بوصفه فعلًا عسكريًا يستهدف تخفيف الضغط عن القطاع، إلى جانب التضامن مع شعبه ومقاومته.

وفي المقابل، وثّقت صحافة العدو انتقال قوات وموارد إلى مواجهة حزب الله؛ إذ نشرت تايمز أوف إسرائيل، في 18 أيلول 2024، أن الجيش نقل الفرقة 98 إلى الجبهة الشمالية بعد أشهر من العمليات في غزة، بالتزامن مع إعلان وزير الدفاع يوآف غالانت توجيه قوات وموارد وجهد نحو الشمال. وتكشف هذه الواقعة أن الجبهة اللبنانية استدعت تخصيص قدرات عسكرية سبق استخدامها في القطاع.

لقطة من مشاهد استهداف منظومة مراقبة بصرية في موقع العباد، من مادة للإعلام الحربي بتاريخ 27 آب 2024»

توسّعت جبهات إسناد غزة بعد دخول حزب الله المواجهة من جنوب لبنان، لتشمل فصائل المقاومة العراقية وأنصار الله في اليمن. فمنذ 17 تشرين الأول 2023، بدأت فصائل المقاومة العراقية هجمات على القوات الأميركية في العراق وسوريا، وربطتها بالدعم الأميركي للعدو الإسرائيلي في حربها على غزة، ثم أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق، في2 تشرين الثاني، استهداف موقع عند البحر الميت.

وفي اليمن، اعترضت البحرية الأميركية في 19 تشرين الأول صواريخ ومسيّرات قالت إنها أُطلقت من اليمن وربما كانت متجهة إلى كيان العدو، قبل أن يعلن المتحدث العسكري لأنصار الله، في 31 تشرين الأول، تبنّي عمليات على كيان العدو وربط استمرارها بوقف العدوان على غزة.

واتّخذ الإسناد اليمني بُعدًا بحريًا في 19 تشرين الثاني، مع الاستيلاء على السفينة «غالاكسي ليدر» وإعلان ربط العملية بمساندة الفلسطينيين، لتتوزّع المواجهة بين استهداف كيان العدو والضغط على الوجود العسكري الأميركي والملاحة في البحر الأحمر.

السفينة “غالاكسي ليدر” قبالة الساحل اليمني بعد احتجازها في 19 تشرين الثاني 2023؛ الإسناد يتّخذ بُعدًا بحريًا واقتصاديًا

ومع اتّساع المواجهة الإقليمية لاحقًا، تجاوز النقاش أثر الإسناد المباشر على غزة ليشمل الضغط على البنية الداعمة لكيان العدو.

وفي قراءةٍ لأثر جبهات الإسناد، يميّز مدير مركز يوفيد للدراسات والتوثيق (UFEED) هادي قبيسي بين تأثيرها المباشر في جبهة غزة وتأثيرها غير المباشر في البنية السياسية والاقتصادية والعسكرية الداعمة لكيان العدو، رابطًا حجم المشاركة بظروف كل ساحة وتفاعلاتها الداخلية والخارجية. ويقول : الإسناد المباشر لقطاع غزة نعم كان محدوداً في تأثيره، ولكنه أطلق مسار الحرب ومسار التحرر في المنطقة. أما الإسناد غير المباشر والذي يهدف إلى تقويض البنية الأمريكية العسكرية في المنطقة، أو تقويض مصادر تمويل العدوان في دول الخليج، وهي التي تمول أمريكا بخمسة تريليونات، وتمول مصانع السلاح، وتمول ديون أمريكا، وهناك شبكة من التعاضد الاقتصادي بين الغرب وبين الخليج. فالإسناد بالطريقة غير المباشرة له تأثير كبير جداً على البنية التي يستند إليها كيان العدو، هي بنية سياسية واقتصادية وعسكرية. الحركة التي تقوم بها الآن إيران واليمن تقوض هذه البنية في ثلاثة اتجاهات:

اقتصادياً من خلال الحصار على النفط، وعسكرياً من خلال تدمير القواعد والبنى العسكرية، وسياسياً من خلال تغيير الرأي العام الغربي، سواء لأسباب حقوقية أخلاقية أو لأسباب مصلحية ونفعية، موقفهم من استمرار العدوان على المنطقة.

حجم الإسناد مشروط بعوامل مختلفة، عوامل داخلية في ساحات المحور وعوامل رد الفعل الغربي. كل ساحة من ساحات المحور لديها ظروفها الخاصة، ولديها وضعها السياسي الداخلي الخاص الذي تعمل من خلاله. غزة كان لديها مشروعية كاملة للذهاب إلى الهجوم والمبادرة. لبنان كان لديه مشروعية للبدء في اليوم التالي مباشرة. اليمن والعراق التحقوا بعد أيام. أما إيران، بوصفها دولة، فقد اكتسبت مشروعية الردّ بعدما تعرّضت لهجوم عدواني أثناء التفاوض، ودخلت المواجهة بعمليات هجومية انطلاقًا من حقّ الدفاع عن نفسها، وهو ما أعلنت عنه مؤخّرًا .

يتبيّن من تعدّد جبهات الإسناد أنّ المواجهة تجاوزت حدود قطاع غزة، لكن تأثير كل جبهة اختلف بحسب أهدافها وأدواتها وظروفها الداخلية. فالجبهة اللبنانية استدعت تخصيص قوات وموارد إسرائيلية للشمال، بينما استهدفت الفصائل العراقية الوجود العسكري الأميركي، وأضافت العمليات اليمنية ضغطًا على الملاحة المرتبطة بكيان العدو. وبذلك، يمكن فهم «وحدة الساحات» باعتبارها تلاقيًا في هدف مساندة غزة، مع تفاوت في توقيت المشاركة وحجمها وكلفتها.

ويكشف الإسناد اليمني خصوصًا انتقال المواجهة إلى المجال الاقتصادي؛ إذ أسهم احتجاز «غالاكسي ليدر» والتهديد باستهداف السفن المرتبطة بكيان العدو في دفع شركات إلى تغيير مساراتها البحرية. وهذا يتيح الاستنتاج أنّ أثر الإسناد لم يقتصر على محاولة تخفيف الضغط العسكري عن غزة، بل امتدّ إلى زيادة كلفة الحرب وتعقيد حركة التجارة المرتبطة بكيان العدو.

بعد ثلاثة أعوام: ماذا بقي مفتوحًا في الصراع؟

بعد ثلاثة أعوام على عملية طوفان الأقصى، بقيت القضايا الأساسية للصراع مفتوحة، وفي مقدّمتها مستقبل قطاع غزة، ووقف العدوان والتهجير، وإعادة الإعمار، ووحدة الأرض والقرار الفلسطينيين. وفي هذا الإطار، يرى فراس صالح عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أنّ الحرب كشفت حدود القوة العسكرية في إنتاج حلّ سياسي، وأنّ وقف العدوان وإعادة الإعمار لا يكفيان لتحقيق استقرار دائم ما لم تُعالَج جذور الصراع المرتبطة بالاحتلال والحقوق الوطنية الفلسطينية. كما يشدّد على رفض فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس، أو إخضاعها لوصاية خارجية، رابطًا المرحلة المقبلة بإنهاء الانقسام وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس الشراكة الوطنية.

من مشاهد عودة عائلة العرجا إلى رفح بعد النزوح؛ الدمار والسكن وإعادة الإعمار من الملفات المفتوحة التي خلفها العدوان.

على صعيد كيان العدو، تبرز لدى المحلّلين الإسرائيليين قراءات متباينة لحصيلة الحرب، لكنها تلتقي عند وجود فجوة بين الإنجازات العسكرية والنتائج السياسية. فالمسؤول السابق في الأمن القومي الإسرائيلي تشاك فريليخ يرى، وفق تقرير كيرين سيتون، أنّ إضعاف قدرات الخصوم لم يتحوّل إلى حسم استراتيجي؛ إذ لم يُنهِ حكم حماس في غزة، ولم يحسم المواجهة مع حزب الله وإيران. ومن منظور هذا التقييم، بقيت الأهداف الكبرى للحرب معلّقة رغم حجم القوة العسكرية المستخدمة.

وفي ضوء هذا التباين بين تقييم المكاسب العسكرية وحدود ترجمتها سياسيًا، يرى مدير مركز يوفيد للدراسات والتوثيق (UFEED)، هادي قبيسي، أنّ الحديث عن حصيلة نهائية للحرب يبقى سابقًا لأوانه، لأنّ الصراع لم يُحسم بعد، وما زالت قضاياه الأساسية مفتوحة. ويقول: طبعًا، لا يزال الصراع قائمًا ومتواصلًا، والآن هو يتصاعد ويتوسّع، وسيتوسّع بشكل أكبر. وهناك متعلّقات لهذا الصراع من قضايا وملفات كثيرة جدًا.

الحسم في الأرض هو الذي يسمح لنا بالإجابة على تحديد القضايا التي تم حلّها. لم يحصل الحسم حتى الآن. لدينا مشاكل جغرافية في الاحتلال، ومشاكل في العدوان، ومشاكل في التهجير المستمر في غزة والضفة، ومشاكل متعلّقة بالمسجد الأقصى. ومشكلة الوجود الصهيوني قد تُطرح ككل، في حال تصاعد الصراع إلى حدود قصوى.

إذًا، نحن لسنا في لحظة هذا السؤال: قدرة كل طرف على تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. طبعًا، على مستوى المحور ومستوى حالة المقاومة، هي لديها احتضان عالمي غير مسبوق في تاريخها. وبالنسبة إلى كيان العدو، فهي يعاني من عزلة كبيرة، وهو غير قادر على تسييل إنجازاته، ويُنظَر إليها على أنها ارتكابات.

إذا تغيّرت نتائج الحرب، أي إذا استطاع العدو الإسرائيلي حسم الصراع، يمكن حينها البحث في كيفية إعادة بناء وتجميل صورة كيان العدو من خلال تطبيع عربي، ومن خلال توافق دولي، ومن خلال سبل وطرق معروفة في هذا السياق.

وفي قراءةٍ لثلاثة أعوام على طوفان الأقصى، يرى الدكتور أحمد عبد الهادي، ممثل حركة حماس في لبنان، في مقال نشرته جريدة «الأخبار»، بتاريخ 07/10/2026 ، أنّ العملية ينبغي أن تُفهم ضمن سياق الاحتلال والحصار والاستيطان ومحاولات تهميش القضية الفلسطينية وتجاوزها عبر ترتيبات إقليمية ومسارات تطبيع. ومن هذا المنطلق، يرفض تحويل الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها الفلسطينيون إلى إدانة لأصل مقاومتهم، مع تأكيده ضرورة احترام التضحيات والعمل على تقليلها وحماية المجتمع الفلسطيني.

ويعتبر عبد الهادي أنّ الطوفان والحرب التي تلته أعادا القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وأضعفا قدرة كيان العدو الإسرائيلي على احتكار رواية الصراع، مع اتّساع التضامن الشعبي وحضور الحقوق الفلسطينية في النقاش السياسي والقانوني. لكنه يميّز بين هذه التحوّلات وبين انقلاب ميزان القوى أو فقدان العدو دعم حلفائه، ويرى أنّ آثارها الطويلة المدى تتوقف على قدرة الفلسطينيين على البناء عليها.

وفي المقابل، يشدّد على أنّ مراجعة تجربة المقاومة واستخلاص دروسها ضرورة، تشمل تقدير موازين القوى والتوقيت والاستعداد لردود العدو، وتعزيز الوحدة والصمود. ويخلص إلى ضرورة بناء استراتيجية وطنية تجمع بين الميدان والسياسة، وتحمي الشعب الفلسطيني، وتحول التضحيات والإنجازات إلى تقدّم متراكم نحو الحرية وتقرير المصير.

المصدر: موقع المنار