الجزء الأول – صدمة الطوفان
شكّلت عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 محطة مفصلية في تاريخ الصراع بين العدو الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، بما حملته من تحوّلات ميدانية وتداعيات على الأمن والردع. فكيف أسهمت الاعتداءات الإسرائيلية على القدس والمسجد الأقصى والضفة الغربية، واستمرار حصار غزة، إلى جانب مسارات التطبيع الإقليمي، في بلورة قرار المواجهة؟ وكيف انتقلت المقاومة من تجربة «سيف القدس» إلى المبادرة والمباغتة، وما أثر ذلك في وعي الكيان الإسرائيلي والثقة بمنظومة الأمن والردع؟ وبعد ثلاث سنوات، إلى أيّ مدى استطاع العدو الإسرائيلي تحويل إنجازاته التكتيكية إلى حسم استراتيجي، وما الذي تكشفه الفجوة بينهما عن مآلات الحرب؟
لماذا وقع الطوفان؟ بين تراكم الاحتلال وانسداد المسار السياسي
لم تأتِ عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 من فراغ، بل سبقتها جملة من التراكمات السياسية والأمنية والميدانية التي دفعت الساحة الفلسطينية إلى مستوى مرتفع من الاحتقان. وقد تداخلت في هذا السياق عوامل داخلية ارتبطت بتطورات القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، مع عوامل إقليمية تمثلت في تسارع مسار التطبيع ومحاولات تجاوز القضية الفلسطينية سياسيًا. وشكّل تصعيد العدو الإسرائيلي المتواصل، وتوسّع الاستيطان، والانتهاكات في المسجد الأقصى، وتشديد الإجراءات في الضفة الغربية، واستمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، إلى جانب ملف الأسرى والتهجير، أبرز العوامل التي سبقت انفجار المواجهة.
وفي الوقت نفسه، عزّز التقدّم في مسارات التطبيع العربي–الإسرائيلي الشعور لدى قوى المقاومة بأن القضية الفلسطينية تتجه نحو مزيد من التهميش، في ظل غياب أفق سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية أو يوقف إجراءات العدو على الأرض. وقد عبّر الشهيد صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس آنذاك، عن هذه المخاوف، معتبرًا أن «التطبيع مع الاحتلال هو أحد مسارات تصفية القضية الفلسطينية»، بما يعكس قلق الحركة من تهميش القضية الفلسطينية مع تقدّم مسارات التطبيع العربي–الإسرائيلي.
وفي القدس، شكّلت الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى أحد أبرز عناصر التوتر، مع تصاعد اقتحامات المستوطنين وتوسّع القيود المفروضة على الفلسطينيين في الوصول إلى المسجد، إلى جانب إجراءات الاعتقال والإبعاد والحبس المنزلي وهدم المنشآت الفلسطينية.
أما في الضفة الغربية، توسعت المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتزايدت عمليات مصادرة الأراضي وشق الطرق المرتبطة بالمستوطنات، بالتوازي مع الاقتحامات والاعتقالات والحواجز العسكرية واعتداءات المستوطنين. كما ظل ملف الأسرى حاضرًا بقوة في خطاب المقاومة، في ظل استمرار الاعتقال الإداري والظروف القاسية داخل السجون. أما في قطاع غزة، فقد ترافق الحصار الطويل مع أزمات اقتصادية ومعيشية حادة، شملت ارتفاع البطالة والفقر ونقص المواد الأساسية والقيود على حركة الأفراد والبضائع، ما جعل القطاع يعيش حالة ضغط مستمرة ومتصاعدة.


إلى جانب ذلك، تسارع مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي والحديث قبل 7 تشرين الأول عن تقدم محتمل في مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي. وهو ما اعتبر من منظور المقاومة عاملًا إضافيًا في تهميش القضية الفلسطينية وإبعادها عن مركز الاهتمام الإقليمي.(هذا ما ورد ضمن ورقة العمل المعنونة: «طوفان الأقصى: حرب الضرورة»، الصادرة عن مركز الإتحاد للأبحاث والتوثيق UFEED بتاريخ 1 كانون الأول/ديسمبر 2023(
ومن هذه الزاوية، يضع بيان حزب الله في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى العملية ضمن مواجهة مسار كان، بحسب ما ورد فيه، يسعى الاحتلال إلى “خنق قضية فلسطين وإدخالها في كهف النسيان ودهاليز المساومة، في وقت كانت فيه المنطقة تُدفع باتجاه التطبيع مع الكيان الإسرائيلي. وعليه، يقدّم البيان «طوفان الأقصى» بوصفه ردًا على تراكم الاحتلال والحصار والاستيطان ومحاولات تجاوز القضية الفلسطينية، ومحاولة لإعادتها إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي.
من سيف القدس إلى الطوفان.. المبادرة والخداع الاستراتيجي
من سيف القدس إلى السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مرّت المقاومة بمرحلة متدرجة من المراجعة والإعداد هدفت إلى تحويل خبرات المواجهات السابقة إلى خطة أكثر شمولًا تقوم على المبادرة والمباغتة. فبعد معركة سيف القدس عام 2021، بدأت عملية استخلاص الدروس على المستويات التكتيكية والتعبوية والاستراتيجية، مع دراسة دقيقة للعقل العسكري الإسرائيلي ونقاط ضعفه، والاستفادة من تجارب مسيرات العودة واختراق السياج، وصولًا إلى تطوير تصور يستهدف إسقاط مواقع فرقة غزة والسيطرة على مستوطنات الغلاف.

وخلال نحو عامين وأربعة أشهر، أعادت المقاومة تنظيم قواتها وطوّرت وسائلها القتالية، بالتوازي مع إبقاء حالة الاشتباك قائمة في الضفة الغربية، بما أسهم في تشتيت اهتمام العدو بعيدًا عن التحضيرات الجارية في غزة. كما اعتمدت سلسلة من إجراءات الخداع الاستراتيجي والتكتيكي هدفت إلى ترسيخ انطباع لدى العدو الإسرائيلي بأن حركة حماس لا تتجه إلى مواجهة واسعة وأنها تقبل باستمرار الوضع القائم، مستفيدة كذلك من الانقسام الداخلي في الكيان الإسرائيلي وتراجع الجاهزية والحافزية في بعض وحدات الجيش. وعلى هذا الأساس، جاء السابع من تشرين الأول تتويجًا لمسار من الإعداد والمراقبة والخداع والمبادرة، انتقلت فيه المقاومة من موقع الاستجابة إلى محاولة فرض توقيت المواجهة وشروط بدايتها. (مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED)، «طوفان الأقصى – رواية إعلامية»، 12/10/2023.)
وأظهرت مراجعات الكيان الإسرائيلي اللاحقة أن نجاح عنصر المفاجأة في السابع من تشرين الأول لم يكن مرتبطًا بالسرية العملياتية وحدها، بل بخداع استراتيجي ساهم في ترسيخ تقدير لدى الأجهزة الأمنية والعسكرية بأن حركة حماس مردوعه ولا تسعى إلى مواجهة واسعة. وقد تحدثت وسائل إعلام العدو عن نجاح الحركة في تقديم نفسها بوصفها منشغلة بالتسهيلات الاقتصادية وتصاريح العمل وتحسين ظروف قطاع غزة، في وقت كانت تستكمل فيه استعداداتها العسكرية. وأقرّ رئيس الأركان جيش العدو السابق هرستي هاليفي لاحقًا بأن حماس «خدعت» المؤسسة العسكرية، فيما خلصت تحقيقات الجيش إلى وجود فشل مفاهيمي واستخباري في قراءة نوايا الحركة، إلى جانب عدم التعامل الجدي مع مؤشرات وخطط سابقة لهجوم واسع.
وبذلك، تحوّل الخداع من أداة تكتيكية سبقت ساعة الصفر إلى عنصر أساسي في صناعة المبادرة والمفاجأة التي ميّزت هجوم السابع من تشرين الأول.


وبذلك، لم تكن قوة «طوفان الأقصى» مرتبطة بحجم القوة المستخدمة بقدر ما ارتبطت بالقدرة على قراءة نقاط الضعف في المنظومة الأمنية والعسكرية لكيان العدو الإسرائيلي والعمل على استثمارها، بما منح المقاومة الفلسطينية تفوقًا ميدانيًا في الساعات الأولى من العملية.
ماذا حفرت عملية طوفان الأقصى في الوعي الصهيوني؟
لم تقتصر آثار عملية طوفان الأقصى على الخسائر الميدانية التي وقعت في الساعات الأولى، بل أصابت صورة الأمن الذي قام عليه كيان العدو في وعي مجتمعه منذ عقود. فنجاح الهجوم في تجاوز منظومات المراقبة والتحصين والوصول إلى مستوطنات ومواقع عسكرية في غلاف غزة وضع موضع الشك افتراضًا راسخًا بأن التفوق التكنولوجي والاستخباري قادر على توفير الإنذار المبكر ومنع اختراق الحدود. وبذلك تحوّلت المفاجأة من حدث عسكري آني إلى أزمة ثقة بقدرة المنظومة الأمنية والعسكرية على حماية الجبهة الداخلية، وهي الوظيفة التي ارتبطت بها، إلى حد كبير، صورة الدولة بوصفها مكانًا يوفر الأمن لسكانها. (مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED)، «طوفان الأقصى – رواية إعلامية»، 12/10/2023.)
كما أصابت العملية مفهوم ردع العدو نفسه. فبعد سنوات كان فيه كيان العدو يحاول فرض قواعد المواجهة وتحديد توقيتها وحدودها، انتقلت المبادرة في السابع من تشرين الأول إلى الطرف الفلسطيني، وهو ما تصفه الدراسة بأنه تحوّل في ميزان المبادرة أربك العقيدة الأمنية للكيان وكسر الصورة التقليدية عن قدرته على احتكار عنصر المفاجأة والحسم. ولم يكن الأثر هنا في حجم القوة المستخدمة فحسب، بل في إظهار أن منظومة تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واسعًا يمكن أن تتعرض لاختراق كبير عندما تُستثمر ثغراتها الأمنية والاستخبارية في لحظة واحدة.
وتعمّق هذا الأثر في ظل الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الكيان وتراجع الثقة بالمؤسسات، إذ تربط الدراسة بين الأزمات الداخلية وبين ما تعتبره هشاشة استراتيجية ظهرت بصورة أوضح مع الحرب.
وفي خطاب محور المقاومة، اتخذت هذه المسألة بعدًا أبعد، إذ قُدّمت ضربة السابع من تشرين الأول باعتبارها إصابة لنظرية الأمن القومي وقوة الردع الإسرائيلية، وبأن كيان العدو «لم يعد» بعد ذلك اليوم كما كان قبله؛ وهو توصيف يعكس القراءة السياسية والاستراتيجية لهذا المحور لأثر العملية، أكثر مما يمثل حكمًا محايدًا متفقًا عليه.(هذا ما ورد ضمن ورقة تحليل عن العقيدة الاستراتيجية لمحور المقاومة-تحليل خطابات السيد القائد الخامنئي حول حرب طوفان الأقصى (UFEED))
وعليه، فإن أبرز ما حفرته عملية «طوفان الأقصى» في وعي العدو الإسرائيلي لم يكن مرتبطًا بالخسائر التي وقعت في الساعات الأولى فحسب، بل بإعادة طرح أسئلة جوهرية حول الأمن والثقة والردع وقدرة الكيان على حماية جبهته الداخلية. فإذا كانت المنظومة الأمنية والعسكرية والاستخبارية، بما تمتلكه من تفوق تكنولوجي وبشري، قد أخفقت في منع المفاجأة أو احتوائها في بدايتها، فإن ذلك ترك أثرًا يتجاوز حدود المعركة نفسها إلى صورة الدولة عن قدرتها على توفير الأمن ومنع تكرار الاختراق. ومن هنا، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما حدث في 7 تشرين الأول/أكتوبر، بل على مدى قدرة المؤسسة العسكرية والأمنية على استعادة الثقة التي اهتزت بفعل ذلك اليوم.
وفي هذا السياق، يكتسب ما ورد في بيان حزب الله في الذكرى الثالثة للعملية دلالة خاصة، إذ يميّز بين نجاحات تكتيكية حققها العدو خلال سنوات الحرب، وبين قدرته على تحويل هذه النجاحات إلى وضع استراتيجي مستقر لمصلحته. ويذهب البيان إلى أن حجم الخسائر والدمار لا يكفي وحده للحكم على نتيجة الحرب، ما دام الاحتلال لم يتمكن ، من إنهاء المقاومة أو فرض تسوية سياسية نهائية في غزة.
ثلاث سنوات من الطوفان: الإنجاز التكتيكي أم الحسم الاستراتيجي؟
إذا كانت عملية طوفان الأقصى قد شكّلت صدمة أمنية وعسكرية غير مسبوقة للكيان الإسرائيلي، فإن الحرب التي تلت العملية دخلت سريعًا في محاولة لاستعادة السيطرة وإعادة بناء الردع. وفي الأيام الأولى، تمحورت أهداف العدو الإسرائيلي حول استعادة السيطرة، وتدفيع حركة حماس ثمن العملية، ومنع انتقال المواجهة إلى بقية ساحات محور المقاومة، قبل أن تتوسع الأهداف باتجاه تفكيك القدرات العسكرية والتنظيمية للمقاومة واستعادة الأسرى.
ومن هذه الزاوية، كانت الحرب اختبارًا لقدرة التفوق العسكري الإسرائيلي على تحويل صدمة السابع من تشرين الأول إلى نتيجة سياسية وأمنية تتجاوز آثار العملية نفسها. وقد عبّرت قراءة «طوفان الأقصى – رواية إعلامية» الصادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED) في الأيام الأولى عن هذا التحدي بوضوح، حين اعتبرت أن العملية «إنجاز كبير ولكنه محدود.

غير أنّ نتائج الحرب لم تُحسم وفق اهداف العدو المعلنة، إذ يشير بيان حزب الله إلى أنّ العدو، ورغم ما ارتكبه من دمار واسع وخسائر بشرية ومادية، لم يتمكّن من إنهاء حركة حماس وفصائل المقاومة، كما لم ينجح في تحقيق السلام أو فرض استقرار مؤقت في قطاع غزة والمنطقة. وفي المقابل، أعادت العملية القضية الفلسطينية إلى الواجهة، بعدما سعى مسار التطبيع والمساومات إلى دفعها نحو التهميش، وأربكت المسار التطبيعي الذي كانت المنطقة تُساق إليه.
كما كشفت الحرب، بحسب البيان، عجز النظام الدولي ومؤسساته عن حماية حقوق الإنسان ووقف الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، وأظهرت التناقض بين الخطاب الغربي حول العدالة وحقوق الإنسان وبين الدعم السياسي والعسكري الممنوح للعدو الاسرائيلي. ومن هذا المنظور، لم تؤدِّ القوة العسكرية للكيان إلى إنتاج وضع استراتيجي مستقر، بل أبقت المواجهة مفتوحة على تداعيات تتجاوز قطاع غزة إلى مستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة والأمن والسلم الدوليين. ولذلك يربط البيان استمرار المواجهة بصلابة المقاومة وتمسّك الشعب الفلسطيني بعدالة قضيته، محذّرًا من أنّ تجاهل حقوق الشعوب وحقها في تقرير مصيرها لن يقود إلى الأمن والاستقرار، بل سيُبقي المنطقة أمام احتمالات التصعيد وعدم الاستقرار.
غير أنّ الانتقال من الإنجاز التكتيكي إلى الحسم الاستراتيجي بقي موضع شكّ في عدد من الدراسات الإسرائيلية والغربية؛ إذ تميّز دراسة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تحت عنوان “هل ستجد إسرائيل النوع المناسب من «النصر» في غزة؟” بين أربعة مستويات للنصر: التكتيكي، القائم على تعطيل قدرات الخصم، والعملياتي، الذي يستهدف تفكيك منظومته القتالية، والعسكري الاستراتيجي، الذي يهدف إلى إزالة التهديد لسنوات طويلة، والنظامي، الذي يفترض إحداث تغيير سياسي وأمني واقتصادي شامل في قطاع غزة. ووفق هذا التصنيف، فإنّ ما حققه العدو يمكن إدراجه، في أفضل الأحوال، ضمن الإنجازين التكتيكي والعملياتي، فيما ظلّ الحسم الاستراتيجي مرتبطًا بقدرته على محاولة منع إعادة بناء حماس وإزالة التهديد عن الجبهة الداخلية، وهو ما يتطلب، إلى جانب العمل العسكري، قيام بديل سياسي وأمني قادر على إدارة قطاع غزة.
يتبع …
المصدر: موقع المنار
