السبت   
   10 10 2026   
   28 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 16:47

خاص | الانسحاب الأميركي من العراق.. بين التحرير وأطماع النفوذ

“كان أمامي خيار البقاء أو المغادرة، وشعرت بلا شك أن الوقت قد حان لكي تعود أمريكا إلى الوطن”. بهذه الكلمات، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 30 أيلول 2026، الانسحاب من العراق باعتباره قرارًا اختاره لإعادة القوات إلى بلادها. لكن عبارة «العودة إلى الوطن» تختزل مسارًا طويلًا بدأ بالغزو عام 2003، وتخلّلته مقاومة وانسحابات وعودة عسكرية وتبدّل في الأهداف المعلنة. وبين رواية واشنطن عن إنجاز المهمة والأسئلة التي تطرحها حصيلة وجودها، وهنا تبرز أسئلة عدّة: هل تغادر الولايات المتحدة لأن مهمتها انتهت، أم لأن مشروعها بات عاجزًا عن تحقيق أهدافه بالكلفة والأدوات نفسها؟ وهل يمكن فصل هذا الانسحاب عن واقع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» خلال العدوان على إيران؟ وإلى أي مدى أسهمت الضربات التي طالت القواعد الأميركية في الخليج والمنطقة، وما فرضته من أعباء على حماية القوات واستمرار عملياتها، في تنفيذ قرار المغادرة وإعادة ترتيب الانتشار العسكري الأميركي؟

الدلالات الاستراتيجية للانسحاب الأميركي وتداعياته على العراق والمنطقة

تتجاوز الدلالات الاستراتيجية للانسحاب الأميركي من العراق حدود إنهاء مهمة عسكرية، لتطال موقع العراق في منظومة الانتشار الأميركي والتوازنات الإقليمية المرتبطة بها. فالقراءة التي تقدّمها ورقة «سلسلة وضعية السنتكوم» الصادرة عن مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير UFEED ، تربط هذا الانسحاب بواقع القيادة المركزية الأميركية خلال العدوان على إيران، وترى في الضغوط التي تعرّضت لها شبكة قواعدها، وأعباء حماية قواتها، عوامل دفعت نحو إعادة ترتيب حضورها في المنطقة. ووفق هذا التفسير، تصبح مغادرة العراق جزءًا من مراجعة أوسع لكلفة الانتشار العسكري المباشر وجدواه، ومحاولة تقليص التعرّض للاستهداف مع الاحتفاظ بالقدرة على التأثير من خارج الأراضي العراقية.

وإلى جانب الأعباء العسكرية، تبرز التداعيات النفسية والبشرية الناتجة عن استمرار العمليات وطول فترات الانتشار، في ظل تدهور الظروف المعيشية والتعرّض المستمر للاستهداف، بما انعكس على معنويات العسكريين الأميركيين وزاد الضغوط على عائلاتهم. كما برزت مؤشرات إلى أزمات نفسية ومحاولات انتحار وتنامي طلبات ترك الخدمة لأسباب ضميرية، في وقت يضيف فيه غياب أفق واضح لإنهاء الحرب وتراجع الثقة بالقيادة أعباءً إضافية على قدرة القوات الأميركية على مواصلة انتشارها في المنطقة.

في هذا الإطار يرى الدكتور علي فضل الله، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي، في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني، أن تقييم الانسحاب الأميركي من العراق يستدعي العودة إلى خلفية الغزو عام 2003، الذي يصفه بأنه مخالف للقانون الدولي لوقوعه من دون تفويض من مجلس الأمن. ويستذكر التظاهرات التي عمّت العالم رفضًا للحرب، والعرض الذي قدّمه وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول أمام مجلس الأمن لتبريرها بذريعة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، معتبرًا أنها «حرب بدأت بكذبة»، وخلّفت مئات الآلاف من الضحايا العراقيين، ونحو خمسة آلاف قتيل أميركي، بحسب الأرقام التي يستشهد بها.

ويؤكّد فضل الله أن خروج القوات الأميركية يشكّل حدثًا استراتيجيًا، بالنظر إلى محورية العراق وثرواته وموقعه الجيوسياسي وتركيبته الديموغرافية، وما تمثّله هذه العوامل من أهمية للولايات المتحدة وحلفائها. ويعتبر أن الحضور العسكري الأميركي في العراق أدّى، في الحسابات الأميركية، وظيفة حائط صدّ أمام إيران ومنطلق للتدخّل في شؤونها، إلى جانب توفير درع حماية للكيان الإسرائيلي، ما يمنح الانسحاب أبعادًا تتجاوز الساحة العراقية إلى التوازنات الإقليمية.

وإلى جانب هذه العوامل الإقليمية، يستعيد السفير الدكتور أحمد الكناني، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، خلفية الوجود العسكري الأميركي في العراق، مشيرًا إلى أن انسحاب القوات الأميركية أواخر عام 2011 أبقى على وجود مستشارين ومدرّبين، قبل أن تعود قوات أميركية إلى البلاد عقب تمدّد تنظيم «داعش»، تحت عنوان ما يسمى محاربة الإرهاب.

ويؤكّد الكناني أن تحرير الأراضي العراقية من سيطرة التنظيم تحقق بفضل سواعد أبناء الشعب العراقي والقوات الأمنية، مشيرًا إلى أن الحكومة العراقية طالبت بخروج القوات الأميركية، وأن مجلس النواب اتّخذ قرارًا بهذا الشأن، خصوصًا بعد استشهاد قادة النصر في حادثة مطار بغداد.

ويضيف أن القوات الأميركية رفضت المغادرة، واستمرّت، في ممارسة «دور المحتل»، معتبرًا أن جهود فصائل المقاومة، إلى جانب جهود المفاوض العراقي ومواقف بعض القوى السياسية الوطنية والمشرّفة، شكّلت ضغطًا دفع هذه القوات إلى الانسحاب.

ويرى الكناني أن الانسحاب يمثّل تحوّلًا فعليًا، في ضوء أهمية موقع العراق الاستراتيجي وقدرة قواته الأمنية، بمختلف تشكيلاتها وصنوفها، على تثبيت هذا التحوّل سياسيًا وأمنيًا. ويشدّد على ثقته بهذه القوات وبالخبرة التي اكتسبتها في محاربة التنظيمات الإرهابية.

حقيقة الانسحاب وحدوده: إعادة التموضع وأشكال النفوذ الأميركي المتبقية

تطرح حقيقة الانسحاب الأميركي من العراق ضرورة التمييز بين مغادرة القوات والمعدات وإنهاء أدوات التأثير الأميركي في البلاد. ففي قراءتها لحدود الانسحاب، تشير ورقة «سلسلة وضعية السنتكوم»، الصادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير UFEED، إلى استمرار التدريب والدعم الاستخباري والعلاقات الأمنية الثنائية، وترى أن واشنطن تسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها عبر إدارة مصالحها من الخارج. وتستحضر الورقة تجارب سابقة أُعيد خلالها تعريف المهمات العسكرية تحت مسمّيات مختلفة، لتطرح السؤال حول طبيعة الترتيبات التي ستعقب المغادرة وحدودها.

ويُعدّ هذا الانسحاب تتويجًا لمسار طويل من المقاومة والضغط الشعبي والسياسي، اكتسب زخمًا كبيرًا بعد اغتيال الاحتلال الأميركي للشهيدين الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وما أعقبه من موقف برلماني مطالب بإخراج القوات الأجنبية، مدعوم بإرادة شعبية. ويفتح هذا التحوّل النقاش حول مستقبل الانتشار الأميركي في المنطقة وكلفته، وقدرة واشنطن على الاحتفاظ بنفوذها بعد خروج جنودها. وعلى المستوى الداخلي، يواجه العراق تحدّي حماية استقراره ومنع تحوّل الانقسامات السياسية والجدل حول سلاح المقاومة إلى منافذ للتدخّل الخارجي، فيما يظلّ استكمال السيادة مرهونًا باستقلال القرار السياسي والمالي، وإحكام السيطرة على المجال الجوي والثروة النفطية.

في هذا الإطار، يؤكّد السفير الدكتور أحمد الكناني، أن الانسحاب الأميركي كامل وفقًا للاتفاق المبرم بين الحكومة العراقية والجانب الأميركي، مشيرًا إلى إصرار فصائل المقاومة وبعض القوى السياسية على خروج القوات بصورة كاملة. ويوضح أن الاستثناء يتعلق بمنظومات دفاع جوي مخصّصة لحماية السفارة أو البعثات الدبلوماسية، أعلن الجانب الأميركي أنها ستبقى، معتبرًا أن بقاء هذه المنظومات لا يشكّل، في تقديره، وجودًا لقوة عسكرية أميركية.

في المقابل، يرى الدكتور علي فضل الله، أن خروج القوات الأميركية من العراق لا يعني انتهاء الحضور الأميركي، معتبرًا أن واشنطن لا تتخلّى بسهولة عن المكاسب الاستراتيجية التي يوفّرها وجودها في البلاد. ويشير إلى استمرار هذا الحضور تحت مسمّيات مختلفة، من بينها الاستشارة والتدريب، بما يجعل الانسحاب، في تقديره، أقرب إلى تغيير في شكل الانتشار وأدواته.

ويستدلّ فضل الله بحجم السفارة الأميركية في بغداد، التي يصفها بأنها أكبر سفارة في العالم، معتبرًا أن إمكاناتها تتجاوز الوظائف الدبلوماسية المتعارف عليها. ويقول إنها تضمّ نحو ثلاثة آلاف جندي و1280 آلية، وما بين 12 و15 طائرة مروحية وثلاث طائرات نفاثة، كما يستند إلى ما يقول إنه كُشف عن وجود قاعدة إسرائيلية في الأنبار، ويتحدّث عن قواعد خفية في مناطق أخرى، بما فيها شمال العراق.

ويعتبر فضل الله أن الولايات المتحدة قلّلت ظهورها العسكري العلني، مع الاحتفاظ بأدوات تأثير مالية وأمنية وعسكرية تتيح لها مواصلة ممارسة النفوذ. ويربط ذلك بما يصفه بفقدان العراق سيادته على مجاله الجوي، مشدّدًا على أن تقييم حقيقة الانسحاب ينبغي أن يشمل هذه الأدوات والمزايا التي يرى أن واشنطن ما تزال تحافظ عليها.

غير أن اكتمال الانسحاب العسكري يترك ملف النفوذ المالي والاقتصادي مفتوحًا. فالقراءة التي تقدّمها ورقة «المشروع الأميركي لنهب نفط العراق» الصادرة عن مركز Ufeed تركّز على عائدات النفط وقنوات التعامل بالدولار والقيود المصرفية، بوصفها أدوات تتيح لواشنطن مواصلة الضغط على بغداد بعد مغادرة قواتها. ويمتدّ هذا التأثير، وفق الورقة، إلى قطاع الطاقة والعلاقات التجارية مع دول الجوار، ما يجعل استقلال القرار العراقي مرتبطًا بقدرة الدولة على إدارة مواردها وتنويع علاقاتها الاقتصادية والحدّ من تعرّضها للضغوط الخارجية.

وفي هذا السياق، تستحضر الورقة النموذج الفنزويلي للمقارنة بين أدوات الضغط على بلدين يمتلكان ثروة نفطية كبيرة، وتطرح احتمال توظيف العقوبات والقيود المالية والتضييق على قطاع الطاقة للتأثير في الخيارات السياسية العراقية. ومع اختلاف ظروف البلدين، تضع هذه المقارنة أمام بغداد تحدّي منع تحوّل حاجتها إلى الأسواق والقنوات المالية الدولية إلى وسيلة لتقييد قرارها. وبذلك، يفتح خروج القوات مرحلة جديدة يتقدّم فيها سؤال السيادة الاقتصادية وقدرة العراق على حماية موارده وتحديد شراكاته وفق مصالحه الوطنية.

حصيلة المشروع الأميركي في العراق منذ غزو 2003: بين إنجاز المهمة وإخفاق الأهداف

امتدّت تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق إلى أسس النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003. فقد أسهمت سلطة الاحتلال بقيادة بول بريمر في مأسسة المحاصصة الطائفية والقومية عبر تشكيل مجلس الحكم، واعتماد الانتماء إلى المكوّنات أساسًا لتقاسم السلطة. وتناولت صحيفة «الصباح» العراقية هذا المسار، معتبرةً أن المحاصصة تمأسست منذ تأسيس المجلس، وأن التوافق بين زعماء المكوّنات بات يتقدّم على الاحتكام إلى القوانين والمؤسسات. وتكرّس لاحقًا توزيع الرئاسات، فأصبحت رئاسة الجمهورية لكردي، ورئاسة الحكومة لشيعي، ورئاسة البرلمان لسنّي؛ وهو ترتيب يؤكد تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أنه نشأ بموجب اتفاق سياسي غير رسمي، وليس بنصّ دستوري. وبذلك، شملت حصيلة المشروع الأميركي إرساء إطار لتقاسم الحكم على أسس طائفية وقومية، عزّزته تسويات القوى العراقية المشاركة، وجعل بناء الدولة خاضعًا لتوازناتها وصراعاتها.

وإلى جانب هذه الحصيلة السياسية، تكشف الكلفة البشرية والمالية للحرب عن حجم الأعباء التي خلّفها الإحتلال الأميركي. فبحسب دراسة مشروع «تكاليف الحرب» بجامعة براون، بلغت كلفة الحرب والعمليات المرتبطة بها في العراق وسوريا نحو 1.793 تريليون دولار حتى عام 2023، وترتفع إلى 2.893 تريليون دولار مع احتساب الالتزامات المستقبلية لرعاية المحاربين القدامى. وتراوحت الوفيات المباشرة في البلدين بين 549 و584 ألف شخص، فضلًا عن النزوح والدمار والآثار الصحية والاجتماعية الممتدّة. وتضع هذه الأعباء، إلى جانب تعثّر بناء دولة مستقرة في العراق، حصيلة المشروع الأميركي أمام سؤال مدى تناسب ما تحقّق من أهدافه المعلنة مع الأثمان التي خلّفتها الحرب.

ويرى الدكتور علي فضل الله، أن الانسحاب الأميركي من العراق يعكس إخفاقًا في تحقيق جملة من الأهداف وتراجعًا عن موقع استراتيجي مهم. ويعتبر أن إعلان القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنهاء مهمة «العزم الصلب» يحمل دلالة بحدّ ذاته، مستذكرًا تقديرات طُرحت عند إطلاق مهمة محاربة تنظيم «داعش»، تحدّثت عن احتمال استمرارها ثلاثين عامًا، فيما يأتي الانسحاب قبل انقضاء هذه المدّة بوقت طويل.

ويصف فضل الله هذا التحوّل بأنه «هزيمة أميركية حقيقية، حتى لو لم تكن كاملة»، معتبرًا أن إعلان الانسحاب وتنفيذه، ولو بصورة ظاهرية، يمثّلان تراجعًا في المشروع الأميركي. ويرى في ذلك مؤشرًا إلى أن محاولات احتلال الدول لا تنجح على المدى المتوسط، وأن التراجع الجزئي للقوات الأميركية في العراق قد يترك فراغًا تتقدّم قوى أخرى لملئه.

السيادة والأمن بعد الانسحاب: قدرة الدولة العراقية ودور الحشد الشعبي وفصائل المقاومة

يفتح الانسحاب الأميركي من العراق النقاش حول مستقبل الاستقرار الداخلي، في ظلّ مخاوف من أن تغادر واشنطن عسكريًا وتبقي عينها على إثارة الخلافات الداخلية، بعدما واجهت قوى مقاومة، من بينها عصائب أهل الحق وجيش المهدي، إلى جانب فصائل مقاومة سنّية، الاحتلال الأميركي، ما جعل مقاومته قاسمًا مشتركًا بين قوى من أطياف عراقية مختلفة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الدفع نحو جعل سلاح المقاومة أولوية في النقاش الداخلي بوصفه محاولة لتصفية الحساب مع القوى التي قاتلت الاحتلال، وتحويل وجهة الصراع إلى الداخل العراقي. ويبرز هنا تحدّي منع استثمار الخلافات السياسية والأمنية في تأجيج صراعات تستنزف البلاد وتتيح استمرار التدخّل الأميركي في شؤونها.

ويشير السفير الدكتور أحمد الكناني، إلى سعي القوى السياسية ومجلس النواب إلى تشريع قانون الحشد الشعبي، موضحًا أن الحكومة العراقية أحالت مشروع القانون إلى المجلس قبل أيام، تمهيدًا لقراءته والتصويت عليه. ويؤكّد وجود اتفاق سياسي على حصر السلاح بيد الدولة، سبقته مطالبة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، إلى جانب قرار اتّخذه الإطار التنسيقي بالإجماع بإسناد هذا الملف إلى الدولة. ويرى الكناني أن خروج القوات الأميركية يستدعي حصر السلاح وتنظيمه تحت سلطة الحكومة العراقية، معتبرًا أنه لم يعد هناك مبرّر لوجود سلاح خارج المنظومة الأمنية.

من جهته، يرى الدكتور علي فضل الله، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي، أن خروج القوات الأميركية يعيد طرح النقاش حول بقاء سلاح فصائل المقاومة، معتبرًا أن أحد الأهداف الأميركية يتمثّل في سحب مبررات الاحتفاظ بهذا السلاح وتعزيز قدرة السلطة العراقية على الضغط لنزعه.

ويعتبر فضل الله أن هذا المسار قد يفرض ضغوطًا على الفصائل تدفعها إلى إجراء ترتيبات لأوضاعها، مشيرًا إلى ظهور بعض المؤشرات على ذلك. لكنه يرى أن ما يصفه بالسياسات العدوانية الإسرائيلية والأميركية، وسياسات بعض الأنظمة العربية، قد يعيد خلال فترة غير طويلة طرح الحاجة إلى سلاح المقاومة. ويشير، في هذا السياق، إلى أن الحشد الشعبي مؤسسة عراقية رسمية تابعة لرئاسة الوزراء، معتبرًا أن استمرار وجوده يشكّل ضمانة إلى حدّ ما.

العراق في الاستراتيجية الأميركية: قاعدة لتهديد إيران أم دولة مستقلة القرار؟

يطرح الانسحاب الأميركي من العراق تحوّلًا في شكل حضوره في المنطقة، فبعد النكسات التي أصابت مشروعه، ولا سيما في مساعيه إلى محاصرة إيران، اتجهت واشنطن إلى إعادة صياغة حضورها عبر بناء تحالفات إقليمية أوسع، برزت ملامحها في الاجتماعات والتنسيقات العسكرية التي جمعت الولايات المتحدة بعدد من الجيوش العربية والكيان الإسرائيلي. ومن هذا المنظور، لا يعني تراجع الوجود العسكري الأميركي المباشر انتهاء سياسة الضغط على إيران، إذ تستمر أدوات النفوذ المالي والسياسي والأمني، إلى جانب ترتيبات إقليمية تضع مواجهة طهران ضمن أولوياتها.

ويؤكّد السفير الدكتور أحمد الكناني أن العراق سيكون سيّد قراره، مشدّدًا على ضرورة الحفاظ على التوازن في علاقاته الدولية والإقليمية، خصوصًا بعد الانسحاب الأميركي. ويشير إلى أن العراق كان حاضرًا في معادلة الصراع، وإن بصورة غير مباشرة، ما يستدعي إدارة علاقاته بما يحفظ استقلال قراره. ويضيف أن هذا التوازن ينبغي أن يراعي روابط الجوار والعلاقات التاريخية مع إيران، مستذكرًا مواقفها الداعمة للشعب العراقي خلال الأزمات التي مرّ بها.

ويرى الدكتور علي فضل الله، أن تراجع الحضور الأميركي في العراق يمنح إيران ميزة إضافية في التوازنات الإقليمية، معتبرًا أن الولايات المتحدة تخسر بعض مزايا نفوذها، فيما تحقّق طهران مكاسب في المقابل. ويشير إلى أن إيران ترحّب بهذا التراجع، مع إدراكها أن واشنطن ما تزال تحتفظ بأوراق تأثير قوية في الساحة العراقية، وفي مقدّمتها الأدوات المالية وقدرتها على الضغط عبر التحويلات المالية، وهو ما يعتبره تهديدًا لاستقلالية القرار الحكومي العراقي يستدعي المعالجة.

وعلى المستوى الرسمي، رحّبت وزارة الخارجية الإيرانية بخروج القوات الأميركية من العراق، معتبرةً الخطوة تطورًا مهمًا نحو ترسيخ السيادة الوطنية العراقية وصون وحدة أراضي البلاد واستقلالها. ورأت، في بيانها، أن الوجود العسكري الأميركي على مدى 23 عامًا خلّف تداعيات خطيرة على العراق والمنطقة، وأسهم في نشر العنف وانعدام الأمن والانقسام وتهيئة البيئة لظهور التنظيمات الإرهابية. وشدّدت على ضرورة احترام سيادة العراق واستقلاله، ومحاسبة الولايات المتحدة على الأضرار التي لحقت بالشعب العراقي خلال سنوات وجودها العسكري.

ويضيف فضل الله أن تراجع الحضور العسكري الأميركي يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى طهران، في ضوء ما يشير إليه من طرحها مسألة سحب القوات الأميركية من المنطقة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

مستقبل الحضور العسكري الأميركي في المنطقة.. خصوصية العراق واحتمالات امتداد الانسحاب إلى الخليج

تضع مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي العراق أمام اختبار قدرته على صون أمنه واستقلال قراره، بما يتطلّبه ذلك من جهوزية أمنية وتماسك سياسي يحدّ من فرص التدخّل الخارجي.

ويرى الدكتور علي فضل الله، أن مسار تقليص الحضور العسكري الأميركي يُفترض أن يمتدّ إلى دول أخرى في المنطقة، معتبرًا أن التطورات الأخيرة كشفت، في تقديره، عجز القواعد الأميركية عن حماية الدول التي تستضيفها، بل وعدم سعيها إلى توفير هذه الحماية. ويتساءل عن الجدوى الأمنية للإنفاق الهائل المرتبط بهذا الوجود، وما حقّقه فعليًا للدول المعنية.

ويعتبر فضل الله أن بعض القوى والأنظمة في المنطقة تربط بقاءها باستمرار قوة الغرب وحضوره، داعيًا إلى مراجعة فكرية وسياسية تعيد طرح مفهوم الأمن القومي وتحديد الخيارات الأنسب لحماية هذه الدول. ويستحضر تاريخ المنطقة قبل توسّع الحضور العسكري الأميركي، ليؤكّد أن الاعتماد على الحماية الأميركية ليس ضرورة حتمية، وأن التجارب الأخيرة تستدعي، في رأيه، إعادة النظر في جدوى الاتكال على الحماية الخارجية.

في هذا الإطار يُعرب السفير الدكتور أحمد الكناني عن ثقته بجهوزية القوات الأمنية العراقية وقدرتها على مواجهة التحديات، لكنه يرى أن التشظّي السياسي وتباين المواقف بين مكوّنات العملية السياسية يتيحان للقوى التي يعدّها معادية للعراق فرصة التدخّل في شؤونه الداخلية. ويدعو الكناني القوى السياسية إلى تغليب المصلحة الوطنية وتجاوز خلافاتها ووضع مصلحة العراق في المقدّمة، معتبرًا أن اعتماد هذا النهج يمكّن البلاد من تجاوز التحديات الأمنية والسياسية.

في المحصلة يكشف الانسحاب الأميركي من العراق عن تراجع استراتيجي أسهمت في فرضه ضغوط المقاومة العراقية، ويطرح تساؤلات حول قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها بالقوة العسكرية. وتضيء الدراسات الواردة في المقال على الفجوة بين الكلفة البشرية والمالية الهائلة للحرب وتعثر بناء دولة مستقرة، إلى جانب ارتفاع أعباء حماية القوات والقواعد الأميركية بعد العدوان على إيران.

ومع ذلك، فإن مغادرة القوات لا تعني بالضرورة انتهاء النفوذ، في ظل استمرار أدوات الضغط المالي والاقتصادي والأمني. وأمام تباين تقدير مدى اكتمال الانسحاب، يتقدّم التحدّي العراقي المتمثّل في تعزيز جهوزية القوات، وتجاوز الانقسامات السياسية، والتعامل مع ملف سلاح المقاومة بما يصون الأمن والسيادة، ويحفظ في الوقت نفسه إرث المقاومة العراقية وقدراتها التي راكمتها خلال مواجهة الاحتلال، وما أدّته من دور في الوصول إلى مرحلة التحرير وتعزيز استقلال العراق.

المصدر: موقع المنار