الجمعة   
   09 10 2026   
   27 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 14:50

العلامة الخطيب: مشكلة لبنان أنه يعيش ب”نصف دستور” والتحدي بتحويل النص إلى مؤسسات ودولة



رأى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب، في خطبة الجمعة، “أن لبنان يعيش، في جانب أساسي من حياته السياسية، مشكلة “نصف دستور”، والتحدي اليوم هو أن نحول النص إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة والدولة إلى حماية حقيقية للمواطن”.

وقال “إن الخيار أمام لبنان، إما الاستمرار في إدارة أزماته بالترقيع أو الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.وحتى لو انتهت الحرب غدا، وحتى لو انسحبت القوات الإسرائيلية، وحتى لو نجحت المفاوضات المباشرة التي لم نؤيدها، فإن لبنان لن يستعيد عافيته تلقائيا”. 

وكان العلامة الخطيب أمّ المصلين ظهر اليوم في مقر المجلس الشيعي على طريق المطار. وألقى خطبة الجمعة، تحدث في مستهلها عن شروط الاستقرار العام ، وجدد الدعوة الى “الوحدة والتضامن والتكافل الاجتماعي في هذه الظروف الصعبة”.وقال:” ان ذلك لا يعفي الدولة من مسـؤولياتها وواجباتها تجاه الناس، وخاصة النازحين والمهجرين”.

وتحدث العلامة الخطيب عن الواقع السياسي في لبنان، فقال: “في هذه اللحظة اللبنانية الشديدة التعقيد، لا تكفي مقاربة الأحداث من زاوية واحدة. فلبنان يعيش أزمة دولة قبل أن يعيش أزمة حكومة، وأزمة ثقة قبل أن يعيش أزمة مالية، وأزمة سيادة قبل أن يعيش أزمة حدود. ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل نعيش في لبنان بدستور كامل، أم بدستور يُطبَّق منه ما يناسب موازين القوى، فيما تُؤجَّل البنود الأخرى إلى أجل غير مسمى؟

أضاف :” فمنذ إقرار الاصلاحات الدستورية  المنبثقة من اتفاق الطائف عام 1990، أصبح لدينا نص دستوري واضح المعالم في كثير من القضايا، ولكن المشكلة لم تكن دائماً في غياب النص، بل في الانتقائية في تطبيقه. فوثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ”إتفاق الطائف” تتحدث عن دولة واحدة، وعن بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بعد انهاء الاحتلال الاسرائيلي بكل الوسائل المتاحة، وعن اللامركزية الإدارية الموسعة، وعن إلغاء الطائفية السياسية كهدف وطني، وعن إصلاحات قضائية ومؤسساتية متعددة”.

وتابع :”لكن ما حدث كان تنفيذ بعض بنود دستور “الطائف”، وتعطيل أو تأجيل بنود أخرى. أُعيد تشكيل النظام السياسي على قاعدة المناصفة، وأُعيد توزيع الصلاحيات بين السلطات، لكن الإصلاح السياسي بقي ناقصاً. واللامركزية الإدارية الموسعة بقيت هدفاً أكثر منها واقعاً متكاملاً. أما إلغاء الطائفية السياسية الوارد في المادة 95 من الدستور، التي نصت على العمل لتحقيقه ضمن خطة مرحلية، فما زال بعيداً عن الاكتمال.

ومن هنا، يمكن القول إن لبنان يعيش، في جانب أساسي من حياته السياسية، مشكلة “نصف دستور”،  ليس بمعنى أن الدستور غير موجود، بل بمعنى أن بعض أحكامه أصبحت ممارسة راسخة، فيما بقيت أحكام أخرى مؤجلة أو رهينة التوافق السياسي.

وهنا تكمن المفارقة. الدستور يفترض أن يكون المرجعية العليا التي تضبط الحياة السياسية، بينما التوازنات السياسية والطائفية تتحول في لبنان أحياناً إلى عامل يحدد مقدار ما يُطبَّق من الدستور. وهذا يقود إلى مشكلة أخطر: فعندما يصبح التوافق السياسي بديلاً من المؤسسات، تتحول الدولة من دولة قوانين إلى دولة تسويات”.

وراى العلامة الخطيب “إن التسويات ليست سيئة في ذاتها، فلبنان بلد متنوع ولا يمكن إدارته إلا بالتوافق. لكن التوافق يصبح مشكلة عندما يتحول من وسيلة لحماية الاستقرار إلى وسيلة لتعطيل الإصلاح والمحاسبة”.

وقال :”لقد حذّر صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2026 حول الحوكمة والفساد في لبنان من نقاط ضعف مؤسساتية، ومن ثغرات في الحوكمة والرقابة وسيادة القانون والإدارة المالية، معتبراً أن هذه العوامل تعرقل التعافي الاقتصادي والنمو الشامل”.

وأوضح “إذن، المسألة ليست فقط أن لبنان يحتاج إلى قوانين جديدة. بل يحتاج قبل ذلك إلى تطبيق القوانين الموجودة. لبنان لا تنقصه النصوص بمقدار ما تنقصه القدرة السياسية والمؤسساتية على تحويل النص إلى ممارسة”.

وإستطرد :” حتى لو انتهت الحرب غداً، وحتى لو انسحبت القوات الإسرائيلية، وحتى لو نجحت المفاوضات المباشرة التي لم نؤيدها، فإن لبنان لن يستعيد عافيته تلقائياً. هناك أزمة اقتصادية ومالية عميقة عمرها سنوات. وهناك قطاع مصرفي يحتاج إلى إعادة هيكلة. وهناك خسائر مالية وحقوق للمودعين. وهناك دين عام وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة بناء. وهناك مؤسسات عامة تحتاج إلى إصلاح. وهناك مواطن لبناني لم يعد قادراً على تحمل مزيد من الضرائب والأسعار وتراجع الخدمات”.

واعتبر “إن الأزمة ليست مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية. الأزمة هي راتب لا يكفي. وعائلة لا تعرف كيف تدفع فاتورة الكهرباء. وشاب لا يجد فرصة عمل. ومودع ينتظر أمواله. ومؤسسة صغيرة تكافح للبقاء. ومواطن يدفع ضرائب ورسوم، ولا يحصل في المقابل على خدمات عامة بالمستوى المطلوب”. وقال :”نحن نوجه النقد هنا الى السياسات لا للأشخاص. الحكومة تواجه ظروفاً استثنائية وحرباً وأضراراً اقتصادية هائلة، ولا يجوز تحميلها وحدها مسؤولية أزمة تراكمت عبر سنوات. لكن هذا لا يعفيها من المسؤولية عن خياراتها الحالية.

أضاف :”والمشكلة أن اللبناني يريد أن يرى خطة واضحة. يريد أن يعرف: ماذا سيحدث للودائع؟ متى ستعاد هيكلة المصارف؟ كيف سيتم توزيع الخسائر؟ كيف ستُحمى الفئات الأكثر ضعفاً؟ كيف ستتم إعادة إعمار المناطق المتضررة؟ كيف ستتم زيادة الإيرادات من دون سحق الطبقة الوسطى؟ كيف سيتوقف الهدر والتهرب الضريبي والفساد؟ وكيف ستتحول الإصلاحات من عناوين في البيانات إلى قوانين وممارسات؟”.

ولفت الى “ان صندوق النقد الدولي نفسه شدد في أيلول على ضرورة استكمال الإصلاحات المصرفية والمالية، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل، وإقرار موازنة مستدامة، مع التحذير من الزيادات العشوائية في الرواتب والتقديمات من دون تأمين إيرادات مقابلة.

وهذا يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: المواطن يحتاج إلى زيادة دخله الآن، لكن الدولة لا تستطيع أن تنفق بلا حدود. والحل ليس في تجميد رواتب الناس إلى الأبد، كما أنه ليس في توزيع زيادات لا تمولها موارد حقيقية.والحل هو أيضا بربط الأجور والإيرادات والإصلاح المالي ضمن خطة واحدة.

  عندما يزداد الغلاء، وتتراجع الخدمات، وتتأخر الحلول، يبدأ المواطن بالتفكير في الشارع. ويجب ألا ننظر إلى الاحتجاج الشعبي باعتباره مشكلة أمنية فقط. فالاحتجاج السلمي حق سياسي ومدني، وهو أيضاً مؤشر على وجود خلل في العلاقة بين المواطن والدولة. لكن المطلوب أن يكون الاحتجاج سلمياً، وأن تكون مطالبه واضحة، وأن يكون للحكومة جواب سياسي ومؤسساتي عليها. فالدولة التي لا تسمع صوت الناس في المؤسسات، تسمعه لاحقاً في الشارع. ولكن الأخطر من الاحتجاج نفسه هو فقدان الأمل. لأن المواطن الغاضب يمكن التفاوض معه. أما المواطن الذي فقد الثقة بكل شيء، فقد يصبح غير مبالٍ بمصير الدولة نفسها”.

وأكمل الخطيب :”  في ضوء كل ما يجري نحن أمام نموذجين:

الأول هو استمرار لبنان في إدارة أزماته بالترقيع: تسوية سياسية هنا، تأجيل قانون هناك، حل مؤقت لمشكلة المصارف، زيادة مؤقتة في الأجور، مساعدة دولية بعد كل أزمة، مفاوضات بعد كل حرب، ووقف إطلاق نار لا يتحول إلى سلام مستدام. وهذا النموذج يبقي لبنان في حالة انتظار دائم.

أما النموذج الثاني فهو الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة. وهذا يعني تطبيق الدستور كاملاً، لا انتقائياً واستكمال الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الطائف وتعزيز استقلال القضاء والرقابة والمحاسبة وبناء إدارة عامة على أساس الكفاءة وتعزيز اللامركزية الإدارية ضمن وحدة الدولة ودعم الجيش والقوى الشرعية كي تصبح الدولة قادرة على حماية حدودها.

والحل هو أيضا بإنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وفق القانون الدولي والقرارات الدولية والتعامل مع مسألة سلاح المقاومة ضمن استراتيجية دفاعية وطنية واضحة لا ضمن نزاع داخلي، وإصلاح القطاع المصرفي وحماية حقوق المودعين وفق قواعد عادلة وقابلة للاستدامة وبناء شبكة حماية اجتماعية حقيقية ومكافحة الفساد لا كشعار انتخابي بل عبر مؤسسات مستقلة وفعالة”.

ورأى ان “المشكلة اللبنانية اليوم ليست فقط أن إسرائيل تحتل أجزاء من أرضنا، ولا أن هناك سلاحاً خارج الدولة، ولا أن الاقتصاد يعاني، ولا أن الحكومة تواجه ضغوطاً مالية. المشكلة الأعمق هي أن الدولة اللبنانية نفسها لم تكتمل بعد. فلدينا دستور، لكن تطبيقه غير مكتمل. ولدينا مؤسسات، لكن فعاليتها متفاوتة”. وقال :” ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن مع هذه الحكومة أم ضدها؟ ولا هل نحن مع هذا الطرف أم ضد ذاك؟ وإنما هو: هل نريد دولة كاملة أم نستمر في إدارة لبنان بنصف دولة ونصف دستور ونصف حلول؟”.

وتابع :”الدولة الكاملة لا تعني دولة ضد طائفة أو حزب أو منطقة. وإنما تعني دولة فوق الجميع، تحمي الجميع، وتحاسب الجميع، وتخضع هي نفسها للقانون. والحكومة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المؤسسات، والمساعدات الخارجية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الإصلاح”.

وأشار الى اننا “بحاجة إلى معادلة مختلفة: سيادة في مواجهة الاحتلال، ودولة في مواجهة الفوضى، وإصلاح في مواجهة الانهيار، وعدالة في مواجهة المحاصصة، ودستور كامل في مواجهة التطبيق الانتقائي”. وقال :”إن لبنان لا يحتاج إلى نصف حل جديد. وانما يحتاج إلى استكمال ما بدأه منذ إقرار إتفاق الطائف: دولة واحدة، مؤسسات واحدة، قانون واحد، وسيادة واحدة. وإذا كان هذا الطريق صعباً، فإن البديل هو أن نبقى ندور في الحلقة نفسها: حرب، ثم مفاوضات؛ أزمة، ثم تسوية؛ انهيار، ثم مساعدات؛ غضب شعبي، ثم وعود، ثم نعود مجدداً إلى نقطة الصفر”.

وقال الخطيب :”أما بناء الدولة، فهو الطريق الأطول، لكنه الطريق الوحيد الذي يستطيع أن يجعل لبنان أقل عرضة للحروب، وأقل اعتماداً على الخارج، وأكثر قدرة على حماية مواطنيه وصيانة حقوقهم. فالمشكلة في لبنان ليست أن لدينا دستوراً سيئاً فحسب، بل أن لدينا دستوراً لم نكمل بناء دولته بعد”.

وختم الخطيب :”التحدي اليوم هو أن نحول النص إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة، والدولة إلى حماية حقيقية للمواطن”.

المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام