الجمعة   
   02 10 2026   
   20 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 14:10

خاص | السيد الهاشمي… من خلف الظلّ إلى قلب الذاكرة

«السيد الهاشمي».. سيرة الشهيد السيد هاشم صفي الدين من النشأة إلى الشهادة

في قاعة رسالات، لم يكن الموعد مع عرضٍ وثائقي فحسب، بل مع سيرة رجلٍ تستعاد اليوم بالصورة والشهادة، ومع ذاكرةٍ تُفتح صفحاتها أمام جيلٍ لم يعاصر كل محطات هذه الحياة.

هنا، أطلقت قناة المنار عرضها الأول لوثائقي «السيد الهاشمي»، في عملٍ يوثّق سيرة أمين عام حزب الله الشهيد السيد هاشم صفي الدين، من النشأة والبدايات، مرورًا بمحطات من حياته وتحصيله العلمي ومسيرته، وصولًا إلى الشهادة.

ست حلقات توزّعت على موسمين، يحمل كل منها جانبًا من هذه السيرة، في محاولة لجمع ما تفرّق من الصور والشهادات والوثائق، وإعادة توثيق مسيرة شخصيةٍ عرفها كثيرون من موقعها العام، فيما بقيت تفاصيل كثيرة من حياتها خلف المشهد.

العرض الأول حضره عدد من الشخصيات الإعلامية والسياسية والثقافية والعلمائية، إلى جانب العاملين في قناة المنار وعائلة الشهيد، حيث تابع الحاضرون الحلقة الأولى من العمل، قبل انطلاق عرضه على شاشة القناة يوم الاثنين المقبل عند الساعة الثامنة والنصف مساءً، على أن تتوالى الحلقتان الثانية والثالثة في الأسبوعين التاليين، فيما يُستكمل الموسم الثاني بثلاث حلقات في وقت لاحق من العام المقبل.

وقبل أن تبدأ السيرة على الشاشة، كانت كلمة قناة المنار لمديرها العام الحاج إبراهيم فرحات، الذي أكد أن هذا العمل يأتي وفاءً للسيد هاشم صفي الدين، ولمسيرته وتضحياته.

وقال إن ما تقدمه القناة هو جزء من هذا الوفاء، كاشفًا في الوقت نفسه عن إنجاز المخطط الأولي لوثائقي يتناول سيرة السيد حسن نصر الله، تمهيدًا لانطلاق العمل عليه.
«وهذا بعض من وفاء إلى هذا السيد، وإلى مسيرته المباركة، وإلى تضحياته الكبيرة في سبيل هذا الوطن، وفي سبيل هذه البيئة. بالمناسبة، أقول بأننا كذلك أنجزنا المخطّط الأولي لسماحة السيد حسن نصر الله، سيد شهدائنا، وننتظر إن شاء الله في القريب العاجل أن نطلق عجلة العمل في هذا الوثائقي، حتى نوفي هذا السيد الكبير حقّه علينا».

من كلمة الوفاء إلى رحلة البحث… كان على فريق العمل أن يعود سنوات إلى الوراء، وأن يبحث عن صورةٍ لم تكن دائمًا حاضرة، وعن تفاصيل لم تكن موثقة في مكان واحد.

وخلال مقابلة مع موقع المنار، قال معدّ الوثائقي الإعلامي والباحث ضياء أبو طعام إن اختياره لإعداد العمل شكّل شرفًا يعتز به، موضحًا أن الوثائقي لم يكن عمل شخص واحد، بل نتاج فريقٍ تكاملت أدواره بين الإعداد والبحث والتصوير والمونتاج والإنتاج.

وأضاف أن ظروف الحرب، وصعوبة الوصول إلى عدد كبير من الضيوف داخل لبنان وخارجه، أخّرت إنجاز الحلقات الثلاث المتبقية، موضحًا أن الموسم الأول يتألف من ثلاث حلقات تبدأ من ولادة السيد هاشم ونشأته وصولًا إلى تولّيه رئاسة المجلس التنفيذي في حزب الله، على أن يتناول الموسم الثاني مراحل لاحقة من مسيرته.

ولفت أبو طعام إلى أن المفاجأة لم تكن في عملية الإنتاج وحدها، بل في اكتشاف الشخصية نفسها، مشيرًا إلى أنه دخل العمل معتقدًا أنه أمام وثائقي سهل نسبيًا، لكونه يعرف السيد هاشم منذ ما قبل تولّيه رئاسة المجلس التنفيذي، لكنه اكتشف خلال البحث والإعداد أن ما كان يعرفه عنه لم يكن سوى جزءٍ من الصورة.

وقال إن الجمهور عرف السيد هاشم من خلال ظهوره الإعلامي وموقعه ومسؤولياته، فيما تكشف المادة التي جُمعت جوانب أخرى من شخصيته، ولا سيما في ما يتعلق بتحصيله العلمي والديني، وبالمسار الذي رافق حياته داخل حزب الله.

وبعيدًا عن موقع المسؤولية، تبدأ الحكاية من الإنسان… من طفلٍ وشابٍ كانت له اهتمامات وتطلعات، قبل أن تأخذه السنوات إلى مسارٍ مختلف.

وبعد مشاهدته الحلقة الأولى، قال العميد منير شحادة إنه تفاجأ بشخصية السيد هاشم صفي الدين، موضحًا أنه لم يكن يعرف كل تفاصيل تاريخه ومساره، ولا حجم التحصيل العلمي الذي امتلكه.

ولفت شحادة إلى اهتمام السيد هاشم بالرياضيات والمواد العلمية، مشيرًا إلى أن هذا الجانب كان مفاجئًا بالنسبة إليه، خصوصًا مع اختياره لاحقًا التوجه نحو الدراسة الحوزوية، رغم امتلاكه فرصة للتوجه إلى الولايات المتحدة حيث كان شقيقه هناك.

وأكد شحادة أن مسار السيد هاشم منذ بداياته أظهر شخصية مميزة ونادرة، مشيرًا إلى دوره في حزب الله والمقاومة، وصولًا إلى استهدافه من قبل «إسرائيل» وارتقائه شهيدًا.

وفي شهادات الحاضرين، لم يكن الاكتشاف مرتبطًا بالمعلومات فقط، بل بالاقتراب من شخصية عرفها البعض عن قرب، واكتشاف جوانب منها لم تكن ظاهرة حتى لمن التقوها في حياتهم.

ومن جهتها، قالت الإعلامية والكاتبة والأستاذة الجامعية رندلى جبور إن علاقتها بالسيد هاشم صفي الدين لم تكن إعلامية فقط، بل كانت تربطها به علاقة مباشرة، مشيرةً إلى لقاءات جمعتهما في إطار العمل التنسيقي بين حزب الله والتيار الوطني الحر، حيث كانت ضمن اللجان المشتركة.

وأضافت جبور أنها تعرفت إلى السيد هاشم خلال حياته، لكنها أرادت من خلال الوثائقي أن تتعرف إليه أكثر بعد شهادته، لافتةً إلى أن الإنسان قد يعرف شخصًا لسنوات، لكن رحيله قد يكشف زوايا وتفاصيل لم تكن ظاهرة من قبل.

وقالت إن هذا النوع من الأعمال يتيح للناس أن يكتشفوا الشخصيات التي عرفوها، لا كما ظهرت فقط أمام الجمهور، بل كما كانت في تفاصيل حياتها ومسيرتها.

وأكدت جبور أهمية توثيق حياة الشهداء وعطاءاتهم عبر الأفلام الوثائقية والتقارير والمقاطع، معتبرةً أن ترك هذا الإرث موثقًا يتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى مواقفهم وتوجهاتهم وتوجيهاتهم.

وأشارت إلى أنها كانت تتوقع أن يحمل الوثائقي الكثير عن السيد هاشم، بالنظر إلى حجم صفاته ومزاياه وتجربته، معتبرةً أنه كان شخصية كبيرة واستثنائية.

لكن السيرة التي يعرضها الوثائقي لا تنفصل عن المكان والزمان اللذين تشكّلت فيهما…

فخلف الشخصية، تاريخٌ طويل، وبيئةٌ اجتماعية وفكرية وسياسية، ومحطاتٌ تركت أثرها في جبل عامل ولبنان، وصولًا إلى تكوين الشخصية التي ستصبح لاحقًا واحدة من الشخصيات الأساسية في حزب الله.

وفي هذا السياق، أوضح الشاعر سديف حمادة أن الوثائقي يقوم على بُعدين أساسيين؛ الأول يتناول نشأة السيد هاشم وتحصيله العلمي، من الجانب الأكاديمي إلى الدراسة الحوزوية، فيما يتصل الثاني بالسياق التاريخي والبيئة التي نشأ فيها.

وأشار حمادة إلى أن العمل يتناول مراحل من تاريخ جبل عامل والشيعة في لبنان، وما رافقها من ظروف ومحاولات لطمس الهوية والانتماء، معتبرًا أن فهم هذه البيئة يضيء على المسار الذي سلكه السيد هاشم لاحقًا.

وأضاف أن السيد الشهيد تتلمذ فكريًا في بداياته على يد الإمام السيد موسى الصدر، ثم تأثر بمدرسة الإمام الخميني وولاية الفقيه، معتبرًا أن الحلقة الأولى تجمع بين المواصفات الشخصية للسيد الشهيد والسياق التاريخي الذي نشأ فيه.

ووصف حمادة العمل بأنه مدروس ومركز ومشوّق، لافتًا إلى أنه يسلّط الضوء على الشخصية بعيدًا عن الاستطراد.

وإذا كانت بعض التفاصيل تُكتشف للمرة الأولى عبر الوثائقي، فإن قيمة العمل بالنسبة إلى المشاركين فيه تكمن أيضًا في قدرته على وصل الماضي بالحاضر.

ورأى الدكتور وسام ناصيف ياسين أن من أبرز ما يميّز التوثيق أنه يكشف جوانب شخصية لا تظهر بالضرورة في الصورة العامة التي يعرفها الناس عن الشخصيات العامة.

وأشار إلى أن الوثائقي لا يقدّم السيد هاشم بمعزل عن محيطه، بل يفتح نافذة على مسار تاريخي أوسع، يسمح للمشاهد باستعادة مراحل لم يعاصرها، وفهم الحاضر في ضوء الماضي الذي أسهم في تكوين هذه الشخصيات.

أما الإعلامي ناصر بلوط، فرأى أن أهمية الوثائقي لا تقتصر على سيرة السيد هاشم، بل تمتد إلى تاريخ الشيعة في لبنان والمراحل التي سبقت وصوله إلى الموقع الذي عرفه الناس من خلاله.

وقال إن هذه المرحلة تستحق أن تُروى، ولا سيما أمام جيل الشباب، مشيرًا إلى أنه اكتشف شخصيًا خلال الحلقة الأولى معلومات لم يكن يعرفها، خصوصًا ما يتعلق بالجانب العلمي وشغف السيد هاشم بالرياضيات والمواد العلمية.

من جهته، أكد الشيخ علي ضاهر أن إطلاق «السيد الهاشمي» يأتي في إطار التكريم والإضاءة على شخصية وصفها بأنها تعمل بصمت، أفنت عمرها في خدمة المسيرة، مشيرًا إلى أن السيد هاشم حمل على مدى عقود أعباء كبيرة وأسهم في تخفيف المسؤوليات عن السيد حسن نصر الله.

وأوضح ضاهر أن إنتاج الحلقات الثلاث جاء بمبادرة من مجلس إدارة قناة المنار، بهدف التعريف بالسيد الهاشمي والإضاءة على جوانب من حياته، لافتًا إلى حضور عدد من النخب الثقافية والعلماء والشخصيات السياسية والمسؤولين ومديري المؤسسات، إلى جانب عائلة الشهيد.

أما خلف الكاميرا، فكانت حكاية أخرى…

فجمع أرشيف شخصية تمتد سيرتها لعقود لم يكن مهمة سهلة، خصوصًا أن العمل يعود إلى مراحل تاريخية بعيدة، فيما حالت ظروف الحرب دون الوصول إلى عدد من المواد والضيوف.

وقال مخرج العمل يوسف جرادي إن الحرب أخّرت عملية الإنتاج، موضحًا أن الوثائقي جاء ثمرة عمل جماعي شارك فيه فريق الإعداد والتصوير والإخراج والمونتاج.

ولفت جرادي إلى الصعوبات التي واجهها الفريق في تأمين المشاهد الأرشيفية، خصوصًا أن العمل يبدأ من مرحلة تمتد قرابة مئة عام، مشيرًا إلى الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في بعض المشاهد الأرشيفية.

وأضاف أن الأرشيف الخاص بالسيد هاشم كان بدوره تحديًا، إذ احتاج الفريق إلى عمليات بحث وجولات متعددة لجمع الصور والمواد المتفرقة، حتى تمكن من بناء المادة التي ظهرت في الحلقة الأولى.

وقال جرادي إن السلسلة تسعى إلى الحديث عن السيد هاشم بوصفه شخصية بقي الكثير من عملها بعيدًا عن الضوء، رغم حجم المسؤوليات التي حملتها، مشيرًا إلى أن الهدف هو تقديم جزء من هذه السيرة وتوثيقها.

ولفت إلى أنه اكتشف خلال إعداد العمل نفسه معلومات لم يكن يعرفها عن السيد هاشم، معتبرًا أن اللقاءات التي أجراها الفريق مع الشخصيات والمقربين منه سمحت ببناء صورة أوسع عنه، وهي الصورة التي سيكتشفها المشاهدون بدورهم.

ومن داخل فريق العمل، قالت آلاء أبو طعام إن مشاركتها في إعداد الوثائقي كانت بالنسبة إليها فرصة للتعرف أكثر إلى السيد هاشم، مشيرةً إلى أن رغبتها في معرفة تفاصيل هذه الشخصية كانت من الأسباب التي دفعتها إلى خوض التجربة.

وأضافت أن العمل واجه صعوبات، إلا أن تعاون الفريق وطبيعة الشهادات التي جُمعت ساهما في إنجازه، لافتةً إلى أن الكثير من الكلمات والمشاعر التي ظهرت خلال المقابلات كانت عفوية وصادقة.

وأكدت الاء أنها، بحكم مشاركتها في الإعداد ووضع الأسئلة، كانت من أوائل من استمعوا إلى هذه الشهادات، مشيرةً إلى أنها كانت تكتشف مع كل مقابلة جانبًا جديدًا من الشخصية.

وفي هذا النوع من الأعمال، لا يكون الأرشيف مجرد صورٍ قديمة…

أحيانًا تكون صورةٌ واحدة كافية لاستعادة زمن كامل، وكلمةٌ من شخصٍ عايش المرحلة قادرة على فتح بابٍ من الذاكرة، وشهادةٌ متأخرة قادرة على إضاءة جانبٍ لم يكن معروفًا.

وهذا ما تحدث عنه المشاركون في العرض، الذين رأوا في الوثائقي مساحة للتعرف إلى السيد هاشم من زوايا مختلفة.

وأكد السيد ياسر عباس الموسوي أن توثيق سيرة الشخصيات والقادة هو من الواجب، مشيرًا إلى أن شخصية السيد هاشم جمعت بين التواضع والعرفان والعلم.

وتوقف الموسوي عند مضمون الحلقة الأولى، معتبرًا أنها تناولت مراحل من تاريخ التشيّع في لبنان وتاريخ جبل عامل وصولًا إلى بدايات ثمانينيات القرن الماضي، وربطت هذه البيئة بالمسار الذي نشأ فيه السيد هاشم.

وأشار إلى أن السيد هاشم كان يتحدث عن تاريخ جبل عامل والشيعة في لبنان من موقع الاعتزاز بهذا التاريخ، معتبرًا أن فهم هذه المراحل يساعد على فهم الشخصية ومسيرتها.

وهكذا، بين شهادة من عرفه، وصورة من أرشيفه، ومعلومة اكتُشفت للمرة الأولى، أخذ «السيد الهاشمي» الحاضرين إلى ما وراء الشخصية التي عرفوها من خلال موقعها العام. ففي نهاية المطاف، لا تستعيد الأفلام الوثائقية الأشخاص فقط… إنها تستعيد الزمن الذي عاشوا فيه، والأماكن التي مروا بها، والأشخاص الذين تركوا أثرهم فيهم، والتفاصيل الصغيرة التي قد تضيع إذا لم تُحفظ في صورة أو شهادة أو وثيقة.

ومن قاعة رسالات، لم يكن ختام العرض نهاية الحكاية…

بل بداية لسلسلة من ست حلقات، ثلاث منها في الموسم الأول، وثلاث أخرى في الموسم الثاني، تستكمل سيرة الشهيد السيد هاشم صفي الدين ومحطات حياته ومسيرته.

حكايةٌ بدأت على الشاشة من النشأة والبدايات، وستواصل السير بين الأرشيف والشهادات، لتترك في كل حلقة صورةً جديدة لرجلٍ عرفه الناس من موقعه، وتعرّفوا إليه اليوم من تفاصيل سيرته.

ومن الشاشة إلى الذاكرة… تبقى السيرة مفتوحة على فصولٍ أخرى.