الأحد   
   27 09 2026   
   15 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 00:17

خاص | من ميون إلى ينبع.. باب المندب واعادة تشكيل معادلات القوة والطاقة في البحر الاحمر

لم يعد باب المندب مجرد ممرّ تعبره السفن؛ فقد باتت التطورات على سواحله تنعكس على الملاحة وخطوط النفط وحسابات القوى الإقليمية والدولية. فكيف غيّر النفوذ البحري لصنعاء معادلة الردع، وما أثر تزامن الضغط على باب المندب وهرمز في خيارات السعودية؟ وهل تُفضي هذه الجغرافيا الجديدة إلى تسوية، أم تفتح الطريق أمام مواجهة إقليمية أوسع؟

باب المندب في قلب الصراع: تحوّل الجغرافيا إلى عنصر حاسم في موازين القوة

يُعد مضيق باب المندب ممراً بحرياً مهماً يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويفصل بين شبه الجزيرة العربية وقارة أفريقيا. كما يربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويمثل الطريق البحري الأقصر بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس. تمر عبره السفن التجارية وناقلات النفط والغاز، مما يجعله شرياناً أساسياً للتجارة العالمية. ويسهم موقعه في اختصار المسافات وتقليل مدة الرحلات وتكاليف النقل، ويمنحه قربه من القرن الأفريقي والخليج العربي أهمية استراتيجية وأمنية وعسكرية كبيرة.

إن من أهم الموانئ القريبة من مضيق باب المندب ميناء عدن، الذي يُعد من أشهر الموانئ التاريخية ويتميز بقربه من المضيق، وميناء جيبوتي الذي يُعد من أكثر الموانئ نشاطاً في شرق أفريقيا. أما جزيرة بريم (ميون)، التابعة لليمن، تقع داخل المضيق وتتحكم في جزء مهم من حركة الملاحة البحرية.

في هذا الإطار تشير دراسة صادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – Ufeed بعنوان “باب المندب بعد التحرير ومعادلات القوة الجديدة” إلى أن أهمية المضيق لا تقتصر على كونه طريقًا للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، بل تتصل أيضًا بأمن الموانئ وحركة الأساطيل وكلفة الشحن والتأمين.

وتوضح الدراسة أن السيطرة على الساحل الغربي والجزر القريبة من المضيق كانت جزءًا من الصراع على المجال البحري المحيط باليمن. كما تربط أهمية باب المندب بموانئ البحر الأحمر وخطوط الملاحة الإقليمية، معتبرة أن التحولات الميدانية أعادت إدخال المضيق في صلب معادلات القوة.

في هذا الإطار رأى الصحفي اليمني نجيب الأشموري في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني أنّ اليمن أدرك مبكرًا الأهمية الاستراتيجية لباب المندب، وما مثّله موقعه، عبر مراحل التاريخ، من عامل جذب للقوى الساعية إلى السيطرة على الممرات البحرية. إلا أن التحول الأبرز، بحسب الأشموري، ظهر مع حرب الإسناد لغزة، حين انتقلت أهمية المضيق من بعدها الجغرافي التقليدي إلى عنصر فاعل في المواجهة، مع إعلان صنعاء فرض قيود على حركة السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، وما ترتب على ذلك من تأثيرات في حركة الملاحة باتجاه ميناء أم الرشراش، وفي انتشار القوات البحرية الأميركية في البحر الأحمر وبحر العرب.

ويرى الأشموري أن المواجهة البحرية في البحر الأحمر كشفت عن مرحلة جديدة في توظيف الجغرافيا اليمنية، إذ لم يعد التأثير في الممرات البحرية مرتبطًا بحجم الأساطيل وحده، بل أيضًا بالموقع الجغرافي والقدرات الصاروخية والجوية. ويربط ذلك بأهمية الساحل الغربي وباب المندب، معتبرًا أن أي تحول ميداني في السيطرة على هذه المنطقة ينعكس مباشرة على أمن الملاحة وحسابات القوى الإقليمية والدولية.

وبحسب الأشموري، فإن القيمة الاستراتيجية لباب المندب تكمن اليوم في القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة فعلية تؤثر في حركة السفن وانتشار الأساطيل وأمن الموانئ وخطوط الإمداد. وبذلك انتقل المضيق من مجرد ممر بحري دولي إلى عنصر مؤثر في موازين القوة في البحر الأحمر.

من السيطرة على الأرض إلى القدرة على التأثير في البحر

شكّل التحول الميداني في باب المندب محطة جديدة في مسار الصراع، لما يحمله من دلالات تتجاوز السيطرة الجغرافية إلى التأثير في معادلات الردع والملاحة والأمن البحري في البحر الأحمر.

على هذا الأساس، ترى دراسة “باب المندب بعد التحرير ومعادلات القوة الجديدة” الصادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – Ufeed أن تحرير المخا وميون والجزر والمناطق المطلة على باب المندب مثّل تحولًا في أحد الأهداف الاستراتيجية التي سعى العدوان إلى تثبيتها طوال أكثر من أحد عشر عامًا. فاستعادة صنعاء لهذه المواقع لم تقتصر، وفق الدراسة، على المساحة الجغرافية، بل شملت تفكيك شبكة من القواعد ومواقع المراقبة والقوات المحلية التي أُنشئت لعزل الساحل عن الدولة اليمنية، وحرمان خصوم صنعاء من مواقع استُخدمت لمراقبة الحديدة وتهديدها والتأثير في حركة الملاحة المحيطة بها.

وفي مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني، يرى عبد الحسين شبيب، الباحث في الشأن الإقليمي، أن قدرة صنعاء على التأثير في باب المندب لم تكن مشروطة بالسيطرة البرية الكاملة على الساحل، إذ مارست ضغطًا ناريًا على حركة الملاحة حتى حين كانت أجزاء من الخوخة وحيس والمخا خارج سيطرتها. ويعتبر شبيب، أن هذا التطور قلّص هامش السيطرة المنفردة للولايات المتحدة وحلفائها على الممر البحري.

وفي هذا الإطار يقول الصحفي اليمني نجيب الأشموري إن اليمن أثبت، على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، أن عملياته العسكرية البحرية، سواء خلال حرب الإسناد لغزة أو في إطار معادلة الحصار على الملاحة السعودية، تُدار على نحو لا يؤثر سلبًا في حركة الملاحة البحرية وأمنها. ويشير إلى أن صنعاء تؤكد أن المرور في المضيق يتم بسلاسة، وأن السفن السعودية هي المستثناة في هذه المرحلة.

ويلفت الأشموري إلى أن إدارة قناة السويس، المتأثرة تلقائيًا بما يجري في باب المندب، أعلنت وجود تحسن ملحوظ في انتظام الملاحة وأمنها، معتبرًا أن ذلك يؤكد ما تقوله صنعاء عن تجاوز متوسط العبور حاليًا 35 سفينة يوميًا، وهي نسبة لم تصل إليها حركة السفن خلال مرحلة الإسناد لغزة.

ويضيف أن اليمن يدرك، بحسب رأيه، أن محاولة النظام السعودي عسكرة البحر الأحمر من خلال إنشاء تحالفات بحرية جديدة هي محاولة بائسة على الصعيد العملياتي، لكنها قد تضر بأمن الملاحة إذا تمكن النظام السعودي من توريط دول أخرى في أي اشتباك بحري، لأن من شأن ذلك، وفق الأشموري، أن يدفع اليمن إلى تصعيد عملياته وإعادة خيار إغراق السفن في البحر الأحمر إلى الواجهة.

مشهد إغراق البحرية اليمنية للسفينة ETERNITY C بعد تجاهلها التحذيرات (الإعلام الحربي اليمني)

باب المندب كورقة ردع: كيف تتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية؟

لم تعد معادلة الردع مرتبطة بالقدرة على ضرب العمق السعودي فحسب، بل اتسعت بعد التحولات الميدانية الأخيرة لتشمل بعدًا بحريًا مباشرًا، وضع الموانئ والناقلات وخطوط الأنابيب والمنشآت الحيوية ضمن حسابات المواجهة. ومع اتساع رقعة الأهداف المطلوب حمايتها، ارتفعت كلفة الدفاع والتأمين، في مقابل قدرة صنعاء على توزيع أدواتها بين البر والساحل والجزر، بما يعزز قدرتها على ممارسة ضغط يتجاوز الأثر العسكري المباشر لكل عملية منفردة.

مشهد إغراق البحرية اليمنية للسفينة ETERNITY C بعد تجاهلها التحذيرات (الإعلام الحربي اليمني)

في هذا الصدد يرى شبيب، أن تقييد حرية الحركة في البحر الأحمر وباب المندب ينعكس مباشرة على حسابات السعودية والعدو الإسرائيلي، لارتباطهما الجغرافي بالممر، ما يجعل كلفة الملاحة والطاقة جزءًا من حسابات أي تصعيد تجاه اليمن.

ويتابع الصحفي اليمني نجيب الأشموري ويعتبر، أن لليمن كامل الحق في استخدام كل الأوراق في سبيل كسر الحصار الظالم والغاشم المفروض عليه منذ 12 عامًا، وهو يفرض اليوم معادلة “الحصار بالحصار” على الملاحة السعودية. ويضيف أن استعادة السيطرة على باب المندب تأتي في سياق هذه المعادلة، موضحًا أن سيطرة القوات المدعومة سعوديًا على شريط ساحلي يمتد من الخوخة في الحديدة إلى باب المندب في ذباب مكّنتها، بحسب قوله، من مضايقة السفن القادمة إلى اليمن، وتحولت تلك القوات البحرية، وفق توصيفه، إلى ما يشبه «القراصنة». ويرى أن ذلك دفع صنعاء إلى إبعاد هذه التشكيلات عن الساحل الغربي والتوغل شرقًا بهدف تأمين السلاسل الجبلية المشرفة على الساحل، وتعزيز الوضع الميداني لحمايته من أي أطماع مستقبلية.

ويشير إلى أن اليمن يخوض، بالتوازي مع التحرك الميداني، معركة دبلوماسية هادئة عبر التواصل مع عدد من الدول الآسيوية والأوروبية، بهدف طمأنتها إلى أن الموقف اليمني، لا يستهدف إلا من اعتدى على اليمن. ويعتبر أن هذا الجهد حقق نتائج إيجابية على صعيد أمن الملاحة الدولية، لافتًا إلى أن بعض الدول أبلغت صنعاء، أن مشاركتها في مؤتمرات التحالف البحري التي ترأسها السعودية لا تعني التورط في توسيع نطاق المواجهة، بل إن بعضها ينظر إلى مجاراة الرياض باعتبارها وسيلة لتحقيق مكاسب مادية.

السعودية بين هرمز وباب المندب: مأزق الطاقة والطريقين

تضع التطورات الأخيرة السعودية أمام مأزق متزامن على مساري تصدير الطاقة شرقًا وغربًا. فبحسب موقع DW دويتشه فيله (Deutsche Welle)، وهي هيئة إعلامية عامة ألمانية للبث الدولي، ، أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى زيادة أهمية خط أنابيب «شرق–غرب» الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، غير أن استهداف الخط بطائرات مسيّرة دفع الرياض إلى إغلاقه احترازيًا، ما ضيّق هامش المناورة أمام صادراتها النفطية ورفع المخاوف من ضغوط إضافية على الأسعار.

محطة ضخ النفط على خط «شرق–غرب» السعودي في منطقة المصباح، جنوب شرقي المدينة المنورة – قبل الاستهداف وبعده، أيلول/سبتمبر 2026.

وفي الوقت نفسه، يواجه المسار الغربي عبر ينبع والبحر الأحمر وباب المندب تحديات متزايدة مع اتساع نفوذ صنعاء على الساحل والجزر الاستراتيجية، مع إعلانها أن القيود تستهدف السفن السعودية دون الملاحة الدولية عمومًا.

وبهذا تصبح المملكة، وفق مضمون التقرير، أمام ما يشبه “كماشة جغرافية”هرمز مضطرب شرقًا، وباب المندب أكثر حساسية غربًا، فيما يبقى خط شرق–غرب نفسه عرضة للتعطيل. وتنعكس هذه المعادلة مباشرة على كلفة الشحن والتأمين ومرونة التصدير، وتزيد أهمية أي تسوية تسمح بإبقاء أحد المسارين على الأقل مفتوحًا ومستقرًا.

وتشير دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – Ufeed إلى أن الجغرافيا المحررة اكتسبت قيمة استراتيجية مضاعفة لأنها تزامنت مع اضطراب مضيق هرمز. وتوضح الدراسة أن السعودية أنشأت خط الشرق–الغرب وميناء ينبع لتقليل اعتمادها على الخليج، ما جعل البحر الأحمر مسارًا بديلًا لتصدير النفط واستقبال السلع. ووفق الدراسة، باتت منشآت ينبع وخطوط الأنابيب والناقلات حلقات مترابطة ضمن دائرة الضغط اليمني، الأمر الذي وضع الرياض أمام مأزق مزدوج يتمثل في اضطراب المسار الشرقي بفعل العدوان الأميركي على إيران، مقابل الضغط على المسار الغربي في ظل استمرار العدوان والحصار على اليمن.

وفي سياق البحث عن مسار بديل، يشير الباحث في الشأن الإقليمي عبد الحسين شبيب إلى طرح مشروع لمدّ أنبوب نفط من المنطقة الشرقية السعودية عبر الأراضي اليمنية، ولا سيما حضرموت، وصولًا إلى ساحل بحر العرب. وتقوم الفكرة على إتاحة التصدير نحو المحيط الهندي والأسواق الآسيوية من دون المرور بهرمز أو باب المندب. غير أنّ المشروع، بحسب شبيب، يحتاج إلى اتفاقيات رسمية وضمانات سياسية وأمنية وتجارية طويلة الأمد.

ويرى أن تعدّد القوى المسيطرة في اليمن، والانقسام في المحافظات الجنوبية، واتساع حضرموت وتعقيد تركيبتها المحلية، تجعل تأمين خط بهذا الطول واستمرار تشغيله أمرًا صعبًا من دون تفاهمات يمنية داخلية واسعة. ولهذا يبقى المسار المقترح، في قراءته، خيارًا يصعب تنفيذه في الظروف الراهنة، فيما تنطوي البدائل البرية الأطول على كلفة أعلى وزمن نقل أكبر.

الولايات المتحدة وكيان العدو وأوروبا: صراع المصالح وأمن الملاحة

تتعامل الولايات المتحدة مع الواقع الجديد في باب المندب عبر ثلاث دوائر مترابطة: حماية السفن والقوات الأميركية، وإبقاء التجارة الدولية قادرة على العبور، ومنع انهيار السعودية بوصفها شريكًا نفطيًا وعسكريًا.

وبحسب دراسة مركز الأبحاث والتوثيق تعتبر أن واشنطن تسعى إلى إبقاء قناة التواصل مع صنعاء مفتوحة ما دامت مصالحها المباشرة خارج دائرة الاستهداف، بالتوازي مع استمرار الدعم الاستخباراتي والدفاعي للسعودية من دون الانتقال إلى مشاركة عسكرية مباشرة.

وفي ما يتعلق بكيان العدو، ترى الدراسة أن باب المندب بات جبهة تمس ميناء أم الرشراش وخطوط الملاحة نحو المحيط الهندي، وأن امتلاك صنعاء الساحل والجزر يوسّع قدرات الرصد والإنذار في البحر الأحمر. ووفق الدراسة، يتركز الدور الأقرب لكيان العدو في جمع المعلومات وبناء بنك أهداف ودعم العمليات الإلكترونية والاستخباراتية، فيما تبقى قدرته على قيادة حرب واسعة ضد صنعاء مقيدة ببعد المسافة وتعدد الجبهات والحاجة إلى الدعم الأميركي.

أما الحضور الأوروبي، فتشير الدراسة إلى أن مهمة «أسبيدس» تعمل وفق تفويض دفاعي لحماية السفن المدنية والأطقم وضمان حرية الملاحة، بما يسمح بتعزيز الإنذار والمرافقة واعتراض المسيّرات والصواريخ وجمع المعلومات، من دون أن يعني ذلك القدرة على تغيير ميزان الانتشار البري في المخا وميون. كما تتناول أدوار تركيا وباكستان، معتبرة أن مساهمتهما الأقرب تتمثل في الدفاع الجوي والذخائر والتقنيات والتدريب، فيما يتطلب الانتقال إلى حرب مشتركة ترتيبات سياسية وعسكرية أكثر تعقيدًا.

ومن جهته يرى شبيب أن العمليات البحرية اليمنية فرضت على الولايات المتحدة التعامل مع واقع لم تعد فيه قادرة، بحسب تقديره، على تحديد قواعد الحركة في البحر الأحمر وباب المندب منفردة. ويربط سعي واشنطن إلى خفض التصعيد والبحث عن تفاهمات، بما فيها الوساطة العُمانية، بمخاوفها من تزامن الضغط على باب المندب ومضيق هرمز وما قد يترتب عليه من تعقيد لحركة التجارة والطاقة. وفي المقابل، يصف شبيب مهمة «أسبيدس» الأوروبية بأنها دفاعية ومحدودة، معتبرًا أن حماية السفن منفردة لا تكفي لتغيير المعادلة التي نشأت حول الممر البحري.

أما الصحفي اليمني نجيب الأشموري فيربط القلق الأميركي وقلق العدو الإسرائيلي بتجربة الاشتباك البحري خلال حرب الإسناد لغزة، مشيرًا إلى أن المواجهة شملت، جولات مع حاملات طائرات أميركية والأساطيل المرافقة لها في البحر الأحمر وبحر العرب. ويضيف أن الأدميرال براد كوبر، خلال توليه قيادة القوات البحرية المشتركة، وصف الاشتباك البحري مع اليمن بأنه من نوع غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، كما أشار في مقابلة ضمن برنامج «ستون دقيقة» إلى استخدام الصواريخ الباليستية في استهداف قطع بحرية متحركة.

ويرى أن استعادة كامل الشريط الساحلي للبحر الأحمر وصولًا إلى باب المندب رفعت مستوى القلق لدى الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي، معتبرًا أن انشغالهما بالمواجهة الإقليمية الأوسع حدّ في هذه المرحلة من قدرتهما على العودة إلى التصعيد المباشر، مع استمرار الاعتماد على الجهد السعودي.

تكشف التحولات الجارية في باب المندب عن انتقاله من ممرّ ملاحي استراتيجي إلى ساحة اشتباك إقليمي ودولي تتقاطع فيها المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تتباين أدوار الولايات المتحدة وكيان العدو والدول الأوروبية والقوى الإقليمية تبعًا لقدرتها على حماية مصالحها والتكيّف مع معادلات القوة الجديدة في البحر الأحمر.

وتفتح التحولات الميدانية في باب المندب مجموعة من المسارات أمام السعودية، تتراوح بين العودة إلى التفاوض ومحاولة تعديل الواقع الميداني أو التكيّف معه، في وقت يرتبط فيه أمن الملاحة والطاقة بقدرة الأطراف على منع انتقال المواجهة من الضغط المتبادل إلى اشتباك إقليمي أوسع.

وتعرض دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – Ufeed خمسة خيارات رئيسية أمام السعودية: العودة إلى خارطة الطريق وتنفيذ الالتزامات الاقتصادية والإنسانية، أو استمرار الغارات وإعادة تنظيم القوات التابعة لها وتنشيط الجبهات الداخلية، أو تدويل المواجهة عبر مجلس الأمن والتحالفات والوجود الأوروبي، أو محاولة تنفيذ عملية بحرية وجوية لاستعادة ميون أو المخا، أو التكيف مع الحظر عبر حماية الناقلات وتغيير المسارات والاستفادة من خطوط الأنابيب والموانئ البديلة.

وفي تقدير الدراسة، تميل المرحلة إلى إدارة مواجهة طويلة تجمع بين استمرار الغارات، وتنشيط الجبهات الداخلية، وتوسيع الحملة الدبلوماسية حول أمن الملاحة، مع تأجيل أي محاولة واسعة لاستعادة المخا وميون إلى حين توافر غطاء خارجي أوسع. كما ترى أن واشنطن ستسعى إلى إبقاء قناة التواصل مع صنعاء مفتوحة ما دام العبور الدولي مستمرًا والقوات والسفن الأميركية خارج دائرة الاستهداف، فيما يتركز الدور الأوروبي والتركي والباكستاني في الدعم الدفاعي والمرافقة والتدريب.

وتربط الدراسة احتمال اتساع المواجهة بوقوع حادث يطال سفنًا دولية غير سعودية، أو استهداف قوات أميركية وأوروبية، أو انتقال التحالفات الخارجية من التعهدات السياسية والدفاعية إلى مشاركة هجومية مباشرة ضد صنعاء. وفي المقابل، تشير إلى أن تثبيت الوجود في الساحل والجزر وحصر الحظر بالسعودية وربطه بخارطة الطريق ورفع الحصار ومعالجة الرواتب وإعادة الإعمار والتعويض يبقى جزءًا من إدارة الضغط في المرحلة المقبلة.

وفي موازاة ذلك، ينقل الأشموري عن قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي قوله في كلمته بمناسبة العيد الثاني عشر لثورة الحادي والعشرين من سبتمبر: «نحن- فعلًا- في هذه المرحلة نستفيد من الظروف الدولية والإقليمية، التي انشغل فيها الأعداء بالمواجهة الكبرى في المنطقة، خففت علينا نسبةً من الضغط والاستهداف، وهذه من الفرص المتاحة لنا، لكننا أصحاب قضية حقيقية واضحة». ويرى أن هذا الموقف يعكس قراءة صنعاء للظروف الإقليمية والدولية بوصفها عاملًا مؤثرًا في إدارة المواجهة، من دون فصل ذلك عن أهدافها المعلنة في كسر الحصار وتأمين الساحل الغربي.

وفي ما يتعلق بمسار التسوية، يرى الباحث في الشأن الإقليمي عبد الحسين شبيب، أن العودة إلى التفاهم السعودي–اليمني تبقى ممكنة إذا اقترنت برفع الحصار والانسحاب ووقف التدخل في الشأن اليمني والتعامل مع اليمن على أساس الندية؛ أما استمرار المواجهة، فيُبقي خطوط الطاقة والممرات البحرية ضمن أدوات الضغط المتبادل.

هل تتحول الجغرافيا الجديدة في باب المندب إلى ورقة تفاوض، أم إلى مدخل لمواجهة إقليمية أوسع؟

تكشف التحولات في باب المندب أن الصراع لم يعد محصورًا في السيطرة على الساحل أو الجزر، بل امتد إلى معادلات الملاحة والطاقة وخطوط الأنابيب والموانئ، وربط البحر الأحمر بمضيق هرمز وبحسابات الولايات المتحدة وكيان العدو وأوروبا. وفي هذا المشهد، تتحول الجغرافيا إلى عامل ضغط سياسي وعسكري واقتصادي، فيما تصبح حماية طرق التصدير والممرات البحرية جزءًا من المواجهة نفسها.

في هذا الإطار يرى شبيب أن التحول في ميزان القوة عند باب المندب منح صنعاء قدرة على التأثير في حركة الملاحة وحسابات الدول المطلة على البحر الأحمر. وبرأيه، يمكن لهذه القدرة أن تشكّل ورقة تفاوض في مسار تسوية مع السعودية، تقوم على رفع الحصار والانسحاب من الأراضي اليمنية ووقف التدخل في شؤونها. ويشير إلى أن التفاهمات بين الطرفين كانت قد اقتربت من الاتفاق قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن استئنافها يظل ممكنًا إذا توافرت الإرادة السياسية. أما استمرار التدخل العسكري أو العودة إلى المواجهة، فيرجّح أن يُبقي باب المندب وخطوط الطاقة ضمن أدوات الضغط المتبادل، مع احتمال اتساع آثار التصعيد إلى دول أخرى مرتبطة بالممر البحري.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول الجغرافيا الجديدة في باب المندب إلى ورقة تفاوض، أم إلى مدخل لمواجهة إقليمية أوسع في البحر الأحمر؟

المصدر: موقع المنار