لليوم الثامن عشر على التوالي، تعيش ثلاث عائلات فلسطينية في منطقة جبل رأس العين ببلدة قصرة، جنوب نابلس، داخل منازلها تحت حصار يفرضه مستوطنون، فيما تغلق قوات الاحتلال الإسرائيلي الطرق المؤدية إلى المنطقة وتفرض قيوداً مشددة على حركة السكان.
وتضم المنازل المحاصرة نساء وأطفالاً، بينما تتفاقم معاناة العائلات مع صعوبة إدخال الطعام والمياه والاحتياجات الأساسية، في وقت يواصل فيه المستوطنون انتشارهم في محيط المنازل والسيطرة على مصادر المياه القريبة منها.
ولا يتعلق الأمر بمجرد منع السكان من مغادرة منازلهم، فالعائلات تقول إن الحصار حوّل تفاصيل حياتها اليومية إلى حالة من الخوف والترقب، وجعل فتح باب أو نافذة أو الاقتراب من محيط المنزل أمراً محفوفاً بالمخاطر.
“سجن داخل البيت”
يقول عبد الكريم حسان، والد عدد من أفراد إحدى العائلات المحاصرة، إن أبناءه يعيشون أوضاعاً “صعبة جداً” منذ بدء الحصار، موضحاً أنه يتواصل معهم أكثر من عشر مرات يومياً للاطمئنان عليهم.
ويضيف حسان أنه يتوجه إلى التلة المقابلة للمنازل حتى يبقى قريباً من أبنائه ويراقب ما يجري حولهم، في محاولة للتخفيف من قلقه عليهم.
وبحسب حسان، تعاني العائلات من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، إذ لا تصل المياه أو المواد الغذائية إلى المنازل، كما لا يتوفر حليب للأطفال، فيما تصعب عملية إدخال أي احتياجات بسبب الحصار المفروض على المنطقة.
ويقول إن أفراد أسرته لا يستطيعون الخروج من المنزل أو فتح الأبواب والنوافذ بصورة طبيعية، فيما انقطع الإنترنت عنهم، وأصبح وجود المستوطنين في محيط المنزل مصدراً دائماً للخوف.
ويصف حسان الليل بأنه “الأصعب”، إذ يبقى أفراد العائلة في حالة يقظة وترقب، خشية وقوع اعتداء مفاجئ، خصوصاً في ظل ما شهدته مناطق فلسطينية أخرى من هجمات وإحراق منازل.
ويختصر حال العائلة بالقول: “ممنوعون من التنفس، من الخروج وفتح الأبواب والشبابيك”، مضيفاً أنهم “يعيشون في سجن”.
المياه تحت السيطرة
ولا يتوقف الحصار عند محيط المنازل، إذ امتد إلى مصادر المياه والطرق المؤدية إلى المنطقة.
ويقول رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي إن المستوطنين سيطروا على نبع المياه الموجود في قمة جبل رأس العين، وهو المصدر الذي يعتمد عليه سكان المنطقة، ما زاد من صعوبة الظروف التي تواجهها العائلات المحاصرة.
ويشير وادي إلى أن المستوطنين ينتشرون في محيط المنازل، بينما تغلق قوات الاحتلال الطرق المؤدية إليها، الأمر الذي يجعل دخول السكان إلى منازلهم أو مغادرتها بالغ الصعوبة.
ويؤكد أن ما يجري في جبل رأس العين ليس تطوراً منفصلاً، بل يأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات ومحاولات فرض السيطرة على المنطقة المستمرة منذ أشهر.
ويرى وادي أن استمرار الحصار، رغم قدرة قوات الاحتلال على إنهائه، يطرح تساؤلات حول الهدف من إبقاء العائلات تحت هذا الوضع، قائلاً إن الجيش كان قادراً على إنهاء الأمر خلال دقائق، بدلاً من السماح باستمراره واتساعه يوماً بعد آخر.
محاولة لدفع السكان إلى الرحيل
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بدأت محاولات المستوطنين الوصول إلى المنازل والسيطرة عليها قبل نحو أربعة أشهر، ما دفع أصحابها إلى التناوب على الإقامة فيها خشية تركها خالية.
وتقول الهيئة إن المستوطنين أقاموا منشآت وخياماً في محيط المنازل، وأغلقوا الطرق المؤدية إليها، وضيّقوا على السكان في الدخول والخروج والحركة، في إجراءات تهدف إلى دفع العائلات نحو مغادرة منازلها تمهيداً للاستيلاء عليها.
ولهذا السبب، يرفض أصحاب المنازل تركها، حتى في ظل الظروف القاسية، إذ يخشون أن تتحول مغادرتها إلى فقدان نهائي للبيت والأرض.
وتستحضر العائلات ما حدث في بلدة جالود المجاورة، حيث حاصر مستوطنون منزل عائلة الطوباسي لأكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن تغادر العائلة المنزل في 22 يوليو/تموز، ليقدم مستوطنون لاحقاً على الاستيلاء عليه.
وتعزز هذه الواقعة مخاوف سكان قصرة من أن يؤدي أي انسحاب من المنازل المحاصرة إلى تمكين المستوطنين من السيطرة عليها.
منازل تحولت إلى ثكنات
ولا يقتصر التضييق في جبل رأس العين على المستوطنين، إذ يقول رئيس بلدية قصرة إن قوات الاحتلال سبق أن سيطرت خلال عملياتها في المنطقة على 16 منزلاً فلسطينياً وحولتها إلى ثكنات عسكرية.
كما تفرض القوات قيوداً على الوصول إلى المنطقة وتغلق طرقاً مؤدية إليها، ما يزيد من عزلة السكان ويصعّب وصولهم إلى منازلهم وأراضيهم.
وبذلك تجد العائلات نفسها أمام واقع مركب: مستوطنون ينتشرون حول المنازل، وطرق مغلقة، ومصدر مياه تحت السيطرة، وقيود عسكرية تحد من الحركة، في وقت يحاول فيه السكان الحفاظ على وجودهم في المكان.
منزل لؤي أبو ريدة
ومن بين المنازل المحاصرة منزل لؤي أبو ريدة، الفلسطيني الحامل للجنسية الأميركية والمقيم في ولاية أوهايو، حيث بقي شقيقه وأفراد من عائلته داخل المنزل خلال فترة الحصار.
وكان أبو ريدة يتابع التطورات من الولايات المتحدة عبر كاميرات مراقبة نصبها لحماية ممتلكاته، قبل أن يعود إلى قصرة لمتابعة ما يجري عن قرب.
وأثارت قضيته تحركات منظمات حقوقية أميركية طالبت أعضاء في الكونغرس بالتدخل لوقف حصار المنازل ومحاسبة المستوطنين المتورطين في الاعتداءات.
البقاء رغم الحصار
بعد 18 يوماً من الحصار، لا تزال العائلات الثلاث داخل منازلها، متمسكة بالبقاء رغم شح المياه والطعام، والخوف المتواصل، والقيود المفروضة على حركتها.
وبالنسبة للسكان، لم يعد الصراع يدور فقط حول القدرة على الخروج من المنزل أو العودة إليه، بل حول الحفاظ على وجودهم فيه أصلاً؛ إذ يخشون أن تكون مغادرة البيت الخطوة التي تسبق فقدانه.
وهكذا تحولت المنازل الثلاثة في جبل رأس العين إلى مساحة مواجهة يومية، يعيش سكانها خلف الأبواب المغلقة، بينما يحاولون حماية ما تبقى لهم من بيت وأرض، في مواجهة حصار يرون أنه يستهدف دفعهم تدريجياً إلى الرحيل.
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام
