الأحد   
   23 08 2026   
   10 ربيع الأول 1448   
   بيروت 18:04

فايننشال تايمز: ضربات إيران تدفع واشنطن لإعادة النظر في قواعد الخليج

أثارت الهجمات الإيرانية الأخيرة على المنشآت العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي الذي شكّل، منذ تسعينيات القرن الماضي، أحد ركائز الوجود الاستراتيجي لواشنطن في الشرق الأوسط.

وقالت صحيفة “فايننشال تايمز”، في تقرير أعده جاكوب جودة، إن الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ظل، على مدى نحو أربعة عقود، قائماً على شبكة من القواعد العسكرية الكبيرة المنتشرة في دول الخليج، غير أن ستة أشهر من الحرب مع إيران وضعت مستقبل هذه المنشآت موضع تساؤل.

وأوضح التقرير أن إيران استخدمت صواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيرة لاستهداف منشآت أمريكية، ما كشف مدى هشاشة القواعد الضخمة الواقعة على مقربة من السواحل الإيرانية، ودفع واشنطن إلى نقل جنود وطائرات إلى مناطق أبعد عن مدى هذه الأسلحة، بينها إسرائيل والأردن ومواقع أخرى.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمتلك حق الوصول إلى قواعد عسكرية في جميع دول الخليج الرئيسية منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكنها تواجه الآن خياراً استراتيجياً بين إنفاق مليارات الدولارات لإعادة بناء منشآتها المتضررة، أو إعادة النظر في مجمل انتشارها العسكري في الشرق الأوسط.

ونقل التقرير عن هال براندز، الباحث في جامعة جونز هوبكنز، قوله إن القواعد العسكرية الكبيرة، ولا سيما المنشآت الثابتة، أصبحت شديدة التعرض للهجمات، متوقعاً إعادة توجيه الانتشار العسكري الأمريكي بعيداً عن الخليج والقواعد الواقعة ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة قصيرة المدى.

وبدأت القواعد العسكرية الضخمة والثابتة تفقد أهميتها تدريجياً في التخطيط العسكري الأمريكي، في ظل توجه البنتاغون نحو نماذج انتشار أكثر مرونة وتوزعاً، تجعل استهداف القوات الأمريكية أكثر صعوبة.

وأضاف التقرير أن هذا التوجه عزز الدعوات القديمة إلى تقليص حجم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، الذي مثّل لعقود الجانب العسكري لترتيب سياسي وأمني قام أساساً على معادلة النفط مقابل الحماية بين واشنطن وحلفائها الإقليميين.

وأشار إلى أن القيادة المركزية الأمريكية بدأت بالفعل اختبار نماذج جديدة، تشمل توزيع الجنود على مواقع قتالية أصغر، وتحريك الطائرات المقاتلة بسرعة بين مدارج ومواقع مؤقتة.

ونقل عن دانا سترول، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، قولها إن واشنطن تستطيع اعتماد نموذج عسكري أكثر مرونة، معتبرة أن تصميم القواعد الحالية في الخليج يعكس حقبة لم تعد ملائمة لطبيعة الحروب الحديثة.

ولفت التقرير إلى أن جزءاً كبيراً من البنية التحتية للقواعد الأمريكية في الخليج يقع فوق سطح الأرض، ما يجعلها عرضة للهجمات، مشيراً إلى أن إيران استهدفت خلال الحرب حظائر للطائرات ومنشآت للإمداد والرادارات ومراكز القيادة والسيطرة.

وأضاف أن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية دفعت الأسطول الخامس الأمريكي إلى استخدام جزيرة دييغو غارسيا في أرخبيل تشاغوس كمركز إمداد بديل عن مقره المتضرر في البحرين.

ونقلت الصحيفة عن نيت سوانسون، المدير السابق لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، قوله إن إعادة بناء بعض المواقع قد لا تكون ذات جدوى كبيرة، مشيراً إلى أن تكاليف إعادة تأهيل منشآت لم تعد واشنطن راغبة في الحفاظ عليها قد تسرّع التحول القائم نحو نقل الثقل العسكري الأمريكي غرباً.

وبحسب تقديرات صادرة عن معهد “أمريكان إنتربرايز”، بلغت تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بـ11 قاعدة أمريكية موزعة على سبع دول في الشرق الأوسط نحو خمسة مليارات دولار، فيما لم يدرج البنتاغون هذه التكاليف ضمن تقديراته لنفقات الحرب مع إيران.

وأشار تقرير “فايننشال تايمز” إلى أن الولايات المتحدة نقلت خلال الأشهر الستة الماضية قوات ومعدات عسكرية إلى إسرائيل والأردن، كما استخدمت قواعد في أوروبا لتشغيل طائرات وطائرات مسيرة، وهي مواقع تقع خارج نطاق الصواريخ والطائرات الإيرانية قصيرة المدى.

لكنه حذر من أن إيران قد تتكيف بدورها مع التحولات الأمريكية، إذ نقلت الصحيفة عن داني سيترينوفيتش، المحلل السابق لشؤون إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، توقعه أن تستثمر طهران بصورة أكبر في تطوير صواريخ متوسطة المدى قادرة على استهداف إسرائيل والأردن.

وأضاف التقرير أن الحاجة إلى الحفاظ على شبكة واسعة من القواعد في الخليج تراجعت مع سعي الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص انخراطها في الشرق الأوسط والتركيز بصورة أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ولفت إلى انسحاب واشنطن من سوريا في نيسان/ أبريل 2026، إلى جانب تقليص وجودها العسكري تدريجياً في العراق مع تراجع العمليات المرتبطة بمكافحة تنظيم الدولة.
ونقلت الصحيفة عن سترول قولها إن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى القواعد الخليجية بالطريقة نفسها التي كانت تحتاج إليها في السابق، مشيرة إلى أن العديد من العمليات العسكرية في الكويت كانت مرتبطة أساساً بالعمليات الأمريكية في سوريا والعراق.

ورأت الصحيفة أن أي إعادة نظر في الانتشار العسكري الأمريكي ستؤثر أيضاً في عدد الجنود المنتشرين في الخليج، حيث يتناوب عادة نحو 35 ألف عسكري أمريكي على الخدمة في السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت.

ونقلت عن ثلاثة استراتيجيين دفاعيين أمريكيين سابقين توقعهم أن يتراجع هذا العدد إلى مستويات لم تشهدها المنطقة منذ ما قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

غير أن التقرير أشار إلى أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي يضع واشنطن أمام معضلة استراتيجية، تتمثل في كيفية خفض انتشارها في الخليج دون تشجيع إيران أو إثارة مخاوف حلفائها العرب بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنهم.

وأوضح أن ترتيبات النفط مقابل الأمن شهدت تغيرات على مدى العقود الماضية، مع اتجاه بعض دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدفاعية بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن، إلا أن الحرب مع إيران دفعت الحلفاء إلى إعادة تقييم طبيعة الالتزام الأمريكي بالدفاع عنهم.

ونقلت الصحيفة عن هال براندز قوله إن الاعتبارات العسكرية والدبلوماسية تسير في اتجاهين متعارضين، إذ يتعين على واشنطن إعادة تنظيم انتشارها العسكري، مع تجنب ترسيخ انطباع بأنها تتخلى عن المنطقة.

وأضافت سترول أن واشنطن ستحتاج إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلباتها العملياتية والتزاماتها تجاه شركائها، بما في ذلك تحديد حجم القوات والقدرات العسكرية اللازمة لضمان أمن دول الخليج، مع تفادي ظهور أي انطباع بأن الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها.

وربط التقرير مستقبل القواعد الأمريكية بأزمة استراتيجية أعمق نتجت عن المواجهة المستمرة مع إيران، مشيراً إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بدأ يتشكل في أعقاب الغزو السوفييتي لأفغانستان والثورة الإيرانية عام 1979.

وذكّر بأن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أعلن في كانون الثاني/ يناير 1980 ما أصبح يعرف لاحقاً بـ”مبدأ كارتر”، الذي تعهدت بموجبه واشنطن بمنع أي قوة معادية من السيطرة على الخليج واستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر، قبل أن يتوسع الوجود العسكري الأمريكي بصورة كبيرة عقب حرب الخليج الأولى.

ونقلت “فايننشال تايمز” عن غريغوري برو، المؤرخ والمحلل في مجموعة أوراسيا، قوله إن “مبدأ كارتر” يبدو وكأنه انهار، معتبراً أن المفارقة تكمن في أن الثورة الإسلامية في إيران كانت سبباً في ظهور هذا المبدأ، بينما جاءت الحرب مع إيران لتضع نهايته موضع تساؤل.

وأشار التقرير إلى غياب رؤية استراتيجية جديدة وواضحة للشرق الأوسط يمكن أن توجه السياسة الأمريكية في المرحلة المقبلة، في ظل التحولات التي فرضتها الحرب والمواجهة مع طهران.

وقال براندز إن البنتاغون سيضع خططاً لإعادة تنظيم الانتشار العسكري الأمريكي، لكنه رجح أن تواجه هذه الخطط صعوبات عند انتقالها إلى المستوى السياسي ووصولها إلى الرئيس دونالد ترامب.

ولفت إلى أن ترامب كرر مراراً أنه لا يريد أن يُذكر على غرار الرئيس جيمي كارتر، الذي تأثرت رئاسته بشدة بالثورة الإيرانية وأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران.

ونقلت الصحيفة في ختام تقريرها عن سيترينوفيتش قوله إن المفارقة التاريخية تتمثل في أن الفشل الاستراتيجي في إيران قد يطارد ترامب أيضاً، مضيفاً: “لم يكن يريد أبداً أن يصبح كارتر، لكنه الآن يتحول إليه”.

المصدر: موقع المنار