أطلقت “حبات القلوب” مبادرتها وموقعها الإلكتروني https://Habbat.org، الذي يهدف الى توثيق ذاكرة الأطفال الشهداء تحت سن ال 18 في لبنان – عددهم وهوياتهم وأحلامهم التي قضى عليها العدوان الإسرائيلي منذ خريف 2023 – كما يفتح المجال للأطفال الجرحى ليعبروا عن مكنوناتهم ويكتبوا عن تجربتهم، ويشكل مرجعية علمية لاستكمال المعلومات عن الأطفال الشهداء والجرحى من خلال استقبال أي معطيات جديدة إضافية للمعلومات التي جمعها المتطوعون في مبادرة “حبات القلوب”، من خلال تواصلهم مع وزارة الصحة العامة والأهالي في البلدات والقرى التي تعرضت للعدوان والتدقيق في عدد من المواد الإعلامية التي أوردت معطيات عن الشهداء الأطفال.
وحتى الآن أحصت مبادرة “حبات القلوب” أكثر من 700 طفل شهيد منذ خريف 2023، لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وتتطلع لأن يشكل الموقع الإلكتروني منصة معلوماتية أولية للحقوقيين والإعلاميين والفنانين والباحثين، تحت شعار “نتذكر. نقاوم. ننهض”.
نظم الاحتفال برعاية وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين ورئيسة لجنة المرأة والطفل النائية الدكتورة عناية عز الدين، في حضور النائب الياس جرادي، السيدة الجريحة أماني سامي بزي وابنتها أسيل، مؤسس المبادرة الدكتور حسام مطر وحشد من أهالي الشهداء الأطفال والجرحى وفاعليات مدنية وحقوقية وإعلامية. وتخلله عرض فيديو تعريفي عن المبادرة وآخر عرض صورا لأطفال شهداء قضوا في العدوان.
بعد النشيد الوطني، ألقى وزير الصحة كلمة، نوه فيها بمبادرة “حبات القلوب”، “لأنها تشكل خطوة أولى من نوعها لتوثيق فعلي وحقيقي لروايات وقصص الهمجية التاريخية للعدوان الإسرائيلي”، وقال: “لكل قصة غصة ولكل شهيد رواية. وهم ليسوا أرقاما بل هم أطفال لهم عوائل وأمهات وآباء. وفي كل قصة جرح ومأساة ومعاناة وألم. إننا نذكرهم لكي نقاوم وننهض ولأخذ العبر وشحذ الهمم وتبيان الحقيقة”.
اضاف: “الجميع يذكر في لبنان المجازر الإسرائيلية بحق الأطفال، طبعت في ذاكرتي مجزرة قانا ومن ثم مجزرة المنصوري والطفل الشهيد في سيارة الإسعاف. واليوم ننظر إلى الهمجية الإسرائيلية المتفاقمة بأكثر من 700 شهيد وأوكثر من 3000 جريح على مدى عامين، مما يشكل مخالفة كبرى لكل المعايير الإنسانية والاتفاقات الدولية”.
ولفت الوزير ناصر الدين إلى “صعوبة الحديث عن حبات القلوب وفلذات الأكباد، فكيف لا نكون أوفياء لهذه الدماء ولأصحاب الفضل في بقائنا ووجودنا”، وقال: “لولا دماء الشهداء لما كان هناك وزير يقف على منبر. ولما كانت حكومة تتخذ قرارات ولما كانت هناك استمرارية للبنان”.
وتوقف ناصر الدين أمام شعار مبادرة “حبات القلوب” وهو شجرة زيتون، وقال: “إن أحد الأهالي في خلال جولتي في بلدة عربصاليم، أهداني جذع شجرة زيتون محترقا، لكنه عكس الثبات كثبات أهل الجنوب. فالعبرة أن نصنع ثباتا وننهض بمسؤولية عالية أمام التحديات رغم الحسرة الموجودة في القلب”.
وعن تجربته كطبيب مع الطفلة الجريحة أسيل، لفت ناصر الدين إلى أنه يشعر بعظمة رحمة الله عندما يراها تسير على قدميها. “فهي رسالة أمل، وهناك الكثير من رسائل الأمل التي تنتظرنا”.
ثم تحدثت أماني بزي التي فقدت زوجها وثلاثة من أولادها في غارة إسرائيلية على مدينة بنت جبيل، وبقيت هي وابنتها البكر أسيل تعانيان من جروح جسدية وألم نفسي عميق، فقالت: “أقف أمامكم اليوم لا لأروي قصة فحسب، بل لأحمل أمانة عائلة فقدت كل شيء، ولأكون صوت من رحلوا. ظننا أن مأساتنا بدأت عندما خسرنا بيتنا. ففي لحظة واحدة احترق كل ما بنيناه على مدى سنوات من التعب. لم تكن تلك الجدران مجرد حجارة، بل كانت تحمل ذكرياتنا وأحلامنا وتعب العمر. وقفنا يومها أمام البيت وقلنا: الحمد لله، الخسارة في الحجر لا في البشر. كنا نؤمن أن كل شيء يمكن تعويضه ما دمنا معا وبخير، لكننا لم نكن نعلم أن خسارة البيت لم تكن سوى بداية مأساة أكبر. كان زوجي شادي يحاول أن يعيد الحياة إلى عائلتنا، وكان هادي وسيلين الفرحة التي أعادت النور إلى بيتنا. لم يكن حملي بهادي وسيلين سهلا، فقد كان حملا شديد الخطورة حتى إن الأطباء فقدوا الأمل في نجاتنا. لكن الله كتب لنا الحياة، وكنت أظن أن كل ذلك الوجع كان ثمن أيام جميلة سنعيشها معا. وكانت أسيل، رغم صغر سنها، أمهما الحنون، تحملهما وترعاهما وتلعب معهما، كأنها أم صغيرة قبل أن تكون أختا. كنت أنظر إلى أولادي وأقول: الحمد لله، لقد عوضنا الله بأجمل نعمة، بعائلة جميلة”.
اضافت: “في لحظة واحدة سقط صاروخ إلى جانب سيارتنا، وفي ثوان انتهت حياتي كما كنت أعرفها. رأيت زوجي وأطفالي ينتزعون مني أمام عيني. رأيت أجسادهم ممزقة، ورؤوسا شبه معلقة بلا ملامح، وأشلاء متناثرة على جسدي وجسد أسيل، ودماءنا جميعا قد اختلطت للمرة الأخيرة داخل تلك السيارة التي كانت تجمعنا. وكنت بكامل وعيي، أرى كل شيء، وأحاول أن أفعل أي شيء. يا ليتني لم أكن واعية لأشهد أصعب مشهد في حياتي. يا ليت آخر صورة بقيت في ذاكرتي كانت ملامحهم الجميلة وضحكاتهم. يا ليتني لم أجبر على حمل أقسى مشهد لهم في ذاكرتي. كم أتمنى أن يمحوه الله منها، وأن يعيد إلي صورهم كما أحببتهم: أحياء، مبتسمين، يملؤون حياتي كما كانوا”.
وسألت: “أي سلاح هذا الذي لم يكتف بقتلهم، بل حول أجسادهم الصغيرة إلى أشلاء؟ أي حقد يستطيع أن يفعل ذلك بأطفال أبرياء؟ بأي ذنب قتلوا؟ وفي أي حرب كانوا يشاركون؟ هل كانت ألعابهم خطرا؟ وهل كانت ضحكاتهم تهديدا؟ أي قانون في هذا العالم يسمح بأن تقتل عائلة كاملة بهذه الوحشية؟”.
وتابعت: “اليوم لم يبق لي إلا أسيل، لكنها لم تنج كما كانت. فقدت إحدى عينيها، وتأذت العين الأخرى، وفقدت والدها وإخوتها، وجزءا كبيرا من طفولتها ومستقبلها. أصبحت تحمل وجعا أكبر من عمرها. أسأل: ما ذنب أسيل؟ بأي ذنب ستكمل حياتها وهي تحمل كل هذا الألم؟”.
وتابعت: “أما أنا، فلست جبلا من الصبر، بل أم فقدت زوجها وأطفالها، وتحمل في قلبها وجع عائلة كاملة رحلت أمام عينيها. كل يوم أستيقظ على فقدهم، وأخفي دموعي حتى لا تنكسر أسيل. أحاول أن أبقى واقفة، لا لأنني لا أتألم، بل لأن أسيل تحتاج إلي. وفي أسيل أرى بقايا عائلتي، أرى ضحكة هادي، وحنان سيلين، وبراءتهما. وأؤمن أن الله أبقاني إلى جانبها لأحمل ذكراهم، ولتبقى أسماؤهم حية في قلبي وفي حياتها. ورغم كل هذا الوجع، أقول كما علمنا إيماننا: الحمد لله. الله أعطى، والله أخذ، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وأؤمن أن بقائي أنا وأسيل على قيد الحياة لم يكن صدفة، بل لحكمة يعلمها الله وحده. ربما لا نفهمها اليوم، لكننا نؤمن أن الله لم يختر لنا هذا الطريق إلا لحكمة سنعرفها يوما”.
واردفت: “اليوم أسأل الدولة اللبنانية: أين دورها؟ مسؤوليتكم لا تنتهي بالتعزية ولا ببيانات الاستنكار، بل أن تحملوا قضيتنا، وتطالبوا بحقوق الضحايا، وتسعوا إلى تحقيق العدالة في جميع المحافل الدولية، لإثبات أن دماء اللبنانيين ليست رخيصة. إذا حملت الدولة قضيتنا فنحن معها، لأنها تمثلنا. وإذا قصرت، فلن نتخلى عن حقنا، وسنواصل طريق العدالة بكل الوسائل القانونية. لن نقبل أن تذهب دماء أحبائنا هدرا، ولن نسمح بأن تنسى تضحياتهم”.
وختمت مؤكدة “من هذا المكان سنرفع أصواتنا وسنمضي في طريقنا بالأمل والعزيمة والإصرار، إلى أن يصل صوت الحق. وإن أغلقت الدنيا أبوابها، فإن باب عدل الله لا يغلق أبدا. فالعدالة الإلهية لا تضيع، ولا يفر منها ظالم، ولا يضيع عند الله حق مظلوم”.
ثم تحدثت الطفلة الجريحة أسيل، فلفتت الى أنها تشعر بالقهر الكثير، وقالت: “كانت هناك أسماء أناديها ولكن أحدا لم يعد يرد. ولكن سأكبر ليس لأنتقم بل لأقول الحقيقة إننا كنا هناك وإن الطفولة قصفت. إنني جريحة ولكنني لا أزال واقفة. وسيبقى لكل شهيد إسم ولكل طفل حكاية”.
بدوره، تحدث النائب الياس جرادي عن تجربته في معالجة الأطفال الجرحى ومعاينة الأهالي الذين استشهد أولادهم، وقال: “لم أكن أعرف ماذا أفعل، فهل أكون أبا أم طبيبا أم مسؤولا؟ أضاف أنني آت إلى هنا لأعتذر من كل الإنسانية عن الذي شاهدته وعاينته. فقد كنت أتمنى أن أكتب للأطفال قصصا لكنهم صاروا هم القصة. وكنت أتمنى ألا تتحولوا إلى جرحنا الأكثر عمقا”.
واشار الى أن “القاتل واحد وهو الذي قتل الأطفال في جنوب لبنان وغزة ويبيد الإنسانية، وكل من اختار الصمت يتخلى عن محاسبة هذا القاتل”، مؤكدا أن “الأطفال سيبقون الأمل والقضية والرمز ولن نتخلى عن قضايانا. وهذا هو الوعد أن تبقى جراحكم قضيتنا”.
وأعلن النائب جرادي عن إنشاء الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وهي ستتولى أيضا التوثيق ومتابعة المسار الطويل، مؤكدا أننا “لسنا على الحياد في صراع الخير والشر”.
ختاما، استهل الدكتور مطر كلمته بتعداد أسماء شهداء حديثي الولادة من ضمن أكثر من 40 رضيعا قتلتهم إسرائيل بأسلحتها الدقيقة، مؤكدا أن “تعداد الأسماء يهدف الى التأكيد أن الشهداء ليسوا أرقاما”، مذكرا بما “قاله الأمين العام السابق ل”حزب الله” الشهيد السيد حسن نصر الله: إننا لم نعد أرقاما ولن نعود كذلك”.
واوضح أن “من أهداف الإستعمار سلب إنسانيتنا وتحويلنا إلى مجرد أرقام، لذا فإن جزءا أساسيا من هذه المبادرة يهدف إلى المحافظة على الكرامة الإنسانية”، وقال: “يجب أن يحظى كل شهيد بتذكر دائم ومتابعة دائمة، فنحن لا نقل إنسانية عن أي أحد في هذا العالم”.
ولفت الى أن مبادرة “حبات القلوب” “تطوعية بدأت خلال الحرب، حيث تم جمع معلومات من لوائح وزارة الصحة العامة ووسائل التواصل الإجتماعي والمواقع الإخبارية والإتصال بأسر الشهداء في بالبلدات والقرى للتأكد من المعلومات والصور، ولم تخل من صعوبات كثيرة بهدف الإستحصال على المعلومات الصحيحة”.
ولفت الى أن “التوثيق كان بمثابة استنزاف وجداني”، وقال: “رأينا في الصور الكثير الكثير من الجمال والبراءة والفرح وفتية وفتيات بثياب التخرج وفي الميادين الاجتماعية وفي صور أعياد الميلاد وفي ضحكات أهاليهم. رأينا أولادا مميزين في مدارسهم، تنضح من نظراتهم وابتساماتهم أخلاق وتربية، وقد قتلت إسرائيل هذه الأحلام وهذه الطفولة بشكل متعمد ومنهجي”.
ودعا الدكتور مطر المواطنين إلى “المشاركة في التوثيق عن الشهداء والجرحى، مما يشكل من جهة فرصة للوصول إلى العدد الكامل للشهداء ومن جهة ثانية ليعبر المجتمع عن نفسه مما يسهم في تعافي هذا المجتمع”، داعيا أهالي الشهداء الأطفال إلى “تشكيل إطار وتحرك”، مبديا الإستعداد لدعمهم في هذا المجال.
وتوجه كذلك بالدعوة إلى الجهات القانونية والحقوقية “للإستفادة من المعلومات الموجودة لدى المبادرة”، مشيرا إلى أن “المعلومات الموجودة ستكون متاحة في غضون أسبوع باللغة الإنكليزية”.
وأورد الدكتور مطر الأرقام التالية:
- 710 من الشهداء الأطفال من الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية، 70 بالمئة منهم أي 487 دون سن ال12
- متوسط عمر الشهداء 9 سنوات
- شهر أيلول 2024 كان الأكثر دموية، قتل فيه 178 طفلا
- يوم 23 أيلول 2024 كان اليوم الأكثر سوءا وقتل فيه 85 طفلا عندما شنت إسرائيل من دون إنذارات أكثر من 1000 غارة تدميرية على البلدات والقرى الجنوبية وقامت بقتل المدنيين عمدا إذ إنها تعرف أن في هذه البلدات والقرى عائلات بأكملها كانت لا تزال موجودة في منازلها.
- 8 نيسان 2026 المعروف بيوم الأربعاء الأسود، كان اليوم الثاني الأكثر دموية وقتل فيه 46 طفلا، من بينهم 16 طفلا قتلوا في مجزرة الحي الشعبي الآمن في حي السلم.
- من أكبر المجازر بحق الأطفال، مجزرة عين الدلب شرق صيدا في تشرين الأول 2024: أحصي مقتل 21 طفلا عندما دمرت إسرائيل مبنى من 6 طوابق بعيدا عن خطوط القتال. تليها مجزرة حي السلم المذكورة آنفا.
- في ال15 شهرا بعد التوصل إلى وقف الأعمال العدائية تم إحصاء مقتل 25 طفلا
- إحصاء مقتل 31 طفلا في حقبة الإسناد
- إحصاء مقتل 20 طفلا منذ الإعلان عن الإتفاق الإطاري
- 463 عائلة، ومنذ تشرين الأول 2023، فقدت طفلا على الأقل، من بينهم 107 عائلات فقدت طفلين، و34 عائلة فقدت 3 أطفال، و19 عائلة فقدت 4 أطفال وعائلتان فقدتا 5 أطفال وعائلتان فقدتا 6 أطفال.
- سجل مقتل الأطفال في 173 بلدة لبنانية، منها في الأقضية الأعلى أرقاما كالتالي:
بعلبك 191، صيدا 111، النبطية 109، صور 110، بنت جبيل 47″.
أضاف أن “الأرقام مؤشر إلى أننا نواجه في مختلف الأقضية والبلدات والقرى محورا للإبادة والشر، ولكننا نريد لهذه الآلام أن تعزز وحدة الهوية والمصير في لبنان وأن تعزل خطابات الكراهية. فنحن نتذكر لكي تكون لدينا هوية مشتركة مدركة لعدوها وترابط مصيرها، كما أن ذلك جزء من التعافي. كما أننا نقاوم لكي يكون للألم معنى فالألم يشكل طاقة لمستقبل أفضل. أما النهوض فهو الثأر الحقيقي من العدو والتكريم الأعظم للشهداء”.
وحذر الدكتور مطر من أن “عدم النهوض يساوي الهاوية والموت”، مشيرا إلى أن “حروبا عبر التاريخ أسهمت في صنع مجتمعات تمكنت من إعادة اكتشاف ذاتها وتجديد عزمها وأفكارها”.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
